الين الياباني عند حافة الانعطاف: تدفقات السوق تمنح طوكيو سلاحاً أقوى

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في سوق العملات، لا يكفي أن تكون العملة ضعيفة كي تتدخل الدولة لحمايتها. الأهم أن تجد لحظة يصبح فيها التدخل قادراً على تغيير المسار، لا مجرد تأخير الهبوط. والين الياباني يقترب الآن من هذه اللحظة. فخلف العناوين التي تلاحق فارق الفائدة بين اليابان والولايات المتحدة، بدأت تدفقات التجارة والاستثمار تتحرك بطريقة مختلفة، وتمنح العملة اليابانية دعماً لم يكن حاضراً بالقوة نفسها خلال موجات الضعف السابقة.

 

هذا التحول قد يكون الثغرة الكبرى في رهان الهبوط على الين. فمنذ سنوات، استند هذا الرهان إلى معادلة سهلة: عوائد أميركية مرتفعة، سياسة يابانية أكثر حذراً، وفارق فائدة يدفع المستثمرين إلى بيع الين والبحث عن عائد أعلى في الخارج. لكن السوق لا تتحرك بالفائدة وحدها. عندما تبدأ تدفقات التجارة والاستثمار في صناعة طلب فعلي على العملة، يصبح أي تدخل رسمي أكثر قدرة على إحداث أثر، خصوصاً إذا جاء في سوق مزدحمة بالمراكز الهابطة.

المدّ يتحرك لمصلحة الين
المؤشر الأكثر أهمية هنا أن ميزان تدفقات التجارة والاستثمار في اليابان، محسوباً على أساس 12 شهراً، تحول إلى المنطقة الإيجابية هذا العام. هذا الميزان يجمع تجارة السلع والخدمات مع صافي الاستثمار المباشر واستثمارات المحافظ، ويعطي صورة أوسع عن الميزان التجاري وحده. صعوده إلى أعلى مستوى منذ 1996 على الأقل يعني أن هناك تغيراً حقيقياً في الخلفية التي تتحرك فيها العملة.

عندما يصبح هذا الميزان إيجابياً، تتحسن بيئة الين من أكثر من قناة. عوائد الصادرات المحققة بالعملات الأجنبية قد تتحول إلى ين. بيع الين لشراء أصول خارجية قد يتراجع. دخول المستثمرين الأجانب إلى الأسهم والسندات اليابانية يخلق طلباً إضافياً على العملة. هذه حركة قد تغير طبيعة الأرض التي تقف عليها السوق.

 

لهذا يصبح الحديث عن الين أوسع من فارق العوائد. من يراهن على استمرار الهبوط انطلاقاً من الفائدة وحدها يتجاهل أن تدفقات المال بدأت تكتب قصة مختلفة تحت السطح.

 

أوراق الين الياباني (أ ف ب)


 

التدخل هذه المرة قد لا يكون وحيداً
طوكيو تعرف أن التدخل في سوق العملات ينجح أكثر عندما يركب موجة قائمة، لا عندما يحاول خلق موجة من الصفر. وهذا ما يجعل التحول في التدفقات مهماً. إذا قررت وزارة المالية شراء الين، فلن تكون بالضرورة في مواجهة السوق وحدها. التدفقات التجارية والاستثمارية قد تمنحها سنداً إضافياً، والمراكز المضاربية المزدحمة قد تضخم الحركة إذا بدأ الين بالصعود.

السلطات اليابانية أبقت التهديد قائماً. وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما، تحدثت هاتفياً مع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، وأشارت إلى وجود فهم مشترك بأن التحرك القوي يجب أن يبقى مطروحاً عند الحاجة. هذا النوع من الرسائل لا يغيّر السوق دائماً في اليوم نفسه، لكنه يرفع تكلفة تجاهل المخاطر. وقد أنفقت وزارة المالية بالفعل رقماً قياسياً بلغ 11.73 تريليون ين على التدخل خلال الشهر المنتهي في 27 مايو/ أيار.

الفارق الآن أن التدخل المحتمل يأتي في بيئةٍ أقل راحة للمضاربين ضد الين. العملة ضعيفة جداً، والتقييمات ممتدة، والمراكز الهابطة قرب مستويات قياسية. أي شرارة قد تتحول سريعاً إلى ضغط معاكس.

 

الخزانة الاميركية (أ ف ب)

 

التحوط لم يعد مغرياً كما كان
هناك عامل آخر يضعف ثقة بائعي الين: عائد التحوط. في السنوات الماضية، كان المستثمر الأجنبي يستطيع شراء أصولٍ يابانية مع بيع الين للتحوط والاستفادة من فارق العوائد. هذه العملية ساعدت على كبح أثر تدفقات الاستثمار إلى اليابان، لأن جزءاً كبيراً من الشراء الأجنبي للأسهم والسندات كان يقابله بيع للعملة.

لكن عوائد التحوط تراجعت بوضوح من قمم 2023. العائد أصبح يقارب 3% للمستثمرين المعتمدين على الدولار والجنيه، ونحو 1.4% لمستثمري منطقة اليورو. هذه الأرقام لا تختفي أهميتها، لكنها أقل إغراءً من السابق. والسؤال الذي يواجه السوق الآن: هل يكفي هذا العائد لمواصلة الرهان ضد عملة وصلت إلى مستويات مبالغ فيها تاريخياً؟

إذا بدأ الين بالصعود، فقد تتحول عقود التحوط نفسها إلى مصدر شراء. المستثمر الذي باع الين لحماية مركزه قد يضطر إلى إغلاق هذا التحوط، أي شراء الين من جديد. هنا تصبح الحركة ذاتية التعزيز: صعود أولي، ثم تغطية مراكز، ثم ضغط أكبر على من بقي في الجانب الخطأ.

عملة رخيصة إلى حد يصعب تجاهله
التقييمات تضيف طبقة أخرى من الخطر على رهانات الهبوط. الين يبدو أقل من قيمته بنحو 50% مقارنة بالمستوى الذي تشير إليه فروق التضخم بين أسعار الجملة في اليابان والولايات المتحدة. هذه من أكثر حالات البيع المفرط حدة في البيانات الممتدة إلى 1982.

طبعاً، العملة الرخيصة قد تصبح أرخص. الأسواق تعرف ذلك جيداً، والين نفسه عاش مراحل طويلة من الضعف رغم كل مقاييس القيمة العادلة. لكن كلما زاد الانحراف، ارتفعت حساسية السوق لأي تحول في الأخبار أو التدفقات أو موقف السلطات. عند هذه المستويات، لا يحتاج الين إلى قصة مثالية كي يرتد. يكفي أن تتراجع قناعة السوق بأن الهبوط مضمون.

وهذا ما يجعل المراكز المضاربية الحالية خطرة. صناديق التحوط ومديرو الأصول يحتفظون بمراكز هابطة على الين قريبة من مستويات قياسية. حين تكون السوق بهذا الازدحام في اتجاه واحد، لا يصبح الخطر في أن يغيّر الجميع رأيه بهدوء. الخطر أن يضطر الجميع إلى الخروج في الوقت نفسه.

الين لم يربح المعركة بعد... لكنه غيّر شروطها
المشهد لم يتحول بالكامل لمصلحة العملة اليابانية. فارق الفائدة لا يزال حاضراً، وبنك اليابان يتحرك بحذر، والدولار ما زال يستفيد من عوائد مرتفعة نسبياً. لكن رهان بيع الين لم يعد خطوة سهلة ومثالية كما كان. هناك تدفقات تتحسن، وتحوطات أقل جاذبية، وتقييمات شديدة الانحراف، ومراكز مضاربية مزدحمة، وسلطة مالية تلوّح بالتدخل وقد استخدمت هذا السلاح بالفعل بحجم قياسي.

هذه العناصر لا تضمن صعوداً دائماً للين، لكنها تجعل الهبوط أكثر خطورة على من يطارده متأخراً. وإذا اختارت طوكيو التدخل في لحظة تبدأ فيها السوق بالتراجع عن مراكزها الهابطة، فقد تكون الضربة أقوى مما يتوقعه كثيرون.

الين لا يحتاج إلى معجزة كي يرتد. يحتاج فقط إلى أن يدرك المضاربون أن القصة لم تعد باتجاه واحد. وفي سوق مزدحمة بهذا الشكل، قد يكون هذا الإدراك وحده كافياً لإشعال حركة عنيفة... وعنيفة جداً...

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية