"الوسيط" والقانون الناعم

نحو إدماج قواعد القانون الناعم في عمل مؤسسة الوسيط لتجاوز الجمود الاجرائي

إن طبيعة مؤسسة الوسيط قائمة على التوفيق والتسوية، وليس على إصدار أحكام إلزامية، هذه الخاصية تستدعي تحديث مناهج التدخل، فبدل الوقوف عند حدود ملاءمة القوانين الصارمة، ينبغي تبني آليات القانون الناعم، كالتوصيات الموجهة والإعلانات السلوكية والمبادئ الاسترشادية، التي تتيح فرصة أكبر للمرونة والتكيف مع المستجدات، والانتقال من ثقافة الإلزام إلى ثقافة الإقناع والحوار والتوجيه، فالقانون الناعم يتيح لمؤسسة الوسيط أن تجدد أدواتها المؤسساتية، وتستبق النزاعات، وترسخ معايير الحكامة الجيدة في الإدارة العمومية دون الدخول في متاهات البيروقراطية الجامدة.

ومن تم فالقانون الناعم ينسجم تماما مع هذه الطبيعة، حيث يمكن للوسيط إصدار توصيات غير ملزمة قانونيا ولكنها ذات حجية أخلاقية وأدبية كبيرة، وهذه التوصيات تسهل على الإدارة قبولها وتنفيذها دون شعورها بالمساس بسلطتها التقديرية، وتشكل الحكامة الجيدة أحد أدواته الهندسية في العصر الراهن، وعاملا أساسيا لتطوير الأداء المؤسساتي وتعزيز الثقة في العلاقة بين الدولة والمواطنين، وذلك في ظل تزايد التحديات والاكراهات الإدارية والاقتصادية والاجتماعية التي تستدعي إعادة النظر في آليات ومناهج عمل الهيئات والبنيات المكلفة بالرقابة والوساطة والتوفيق بين المصالح العامة والمصالح الخاصة

لقد شكلت هيئات الحكامة الجيدة المنصوص عليها في الباب 12 من دستور 2011، ومن ضمنها مؤسسة الوسيط ركيزة محورية في ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة والحق في الولوج إلى المعلومة، غير أن التحولات المتسارعة التي يعرفها المشهد الوطني والدولي تفرض تحديث مناهج التدخل وتجديد آليات العمل المؤسساتي واستثمار وسائل القانون الناعم، بما يضمن فعالية أكبر واستجابة أسرع لانتظارات المواطنين.

وتأتي مؤسسة الوسيط كنموذج مؤسساتي رائد يختص بالوساطة بين الإدارة والمرتفقين، واستطاعت هذه المؤسسة عبر تقاريرها السنوية من اصدار مجموعة من التوصيات للهيئات العامة قصد معالجة بعض الاختلالات الإدارية وإيجاد حلول لبعض النزاعات الناشئة عن تطبيق القوانين والأنظمة، ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى ضرورة الاستعانة بقواعد القانون الناعم باعتباره وسيلة تدعم تطوير أدوات وآليات الاشتغال ومواكبة التحول الرقمي وتقليص آجال معالجة الشكايات وتجويد العلاقة مع باقي المؤسسات والهيئات الأخرى.

بالتالي فإن نجاح مؤسسة الوسيط بالمغرب ونجاعة تدخلها يرتبط أساسا بمدى ومقدار تفاعل وتجاوب الإدارات العمومية مع توصياته وتقاريره، فالتكريم العلني للإدارات والجماعات الترابية التي تلتزم بتنفيذ أحكام الوسيط وتحترم توصياته يعد آلية تحفيزية فعالة لتعزيز ثقافة الامتثال والشفافية، ويمكن أن يتخذ هذا التكريم أشكالا متعددة، كإصدار جوائز سنوية للتميز في تدبير الشكايات بناء على عدد الشكايات المعالجة، أو إدراج مؤشرات الالتزام ضمن تقييم أداء المسؤولين العموميين. فالإدارة أو المؤسسة التي تتفاعل بسرعة مع ملاحظات وتوصيات الوسيط و تستدرك الأخطاء وتصحح اختلالاتها تستحق التنويه والإشادة، هذا النهج من شأنه أن يخلق مناخا للتنافس الايجابي بين الإدارات والمؤسسات والجماعات ويدفعها إلى اعتبار الوسيط شريكا في تحسين الحكامة التدبيرية لا خصماً إداريا، ونذكر مثلا من بين هذه التجارب نجد كندا التي تمنح جوائز “الحكامة الرشيدة” سنويًا لتكريم هيئات القطاع العام التي تظهر ممارسات إدارية نموذجية واستجابة سريعة وناجعة لتوصيات الوسيط، أيضا هناك تجربة رائدة لهونغ كونغ التي تخصص جوائز سنوية لأفضل المؤسسات والموظفين في التعامل مع الشكاوى، تشمل “جائزة الوساطة”، وترسل “رسائل تقدير” للموظفين المجتهدين كحافز معنوي.

هذا ولمواجهة ظاهرة تجاهل بعض الإدارات والجماعات والمقاولات العمومية لتوصيات الوسيط، يمكن على سبيل المثال إحداث “قائمة رمادية” دورية تنشر على موقع المؤسسة، تضم هذه القائمة الجهات التي تثبت تقارير الوسيط تهاونها المتكرر في تنفيذ توصياته وملاحظاته أو ردودها غير الجوهرية على شكايات المواطنين، بحيث أن هذه القائمة لا تحمل عقوبات قانونية مباشرة، ولكن تمثل أداة ضغط أخلاقية وأدبية، تفضح ضعف الحكامة لدى تلك الجهات أمام الرأي العام وأمام البرلمان، كما يمكن أن يتبع إدراجها في تلك اللائحة منحها مهلة زمنية محددة لتصحيح وضعها، مع إمكانية الانتقال إلى قائمة سوداء في حالة التكرار، تقتضي مساءلة رؤساء تلك الإدارات والمؤسسات أمام اللجان البرلمانية المختصة، ولاشك هذه الآلية ترسخ مبدأ رقابة المجتمع المدني والإعلام، وتحفز الجهات العمومية على التعامل الجدي مع مظالم المواطنين.

كما أن هذه المؤسسة المستقلة لعبت دورا جوهريا في تسوية عدد من الحالات الاجتماعية الحساسة(ملفي طلبة الطب والمحاماة) ويستند استحضار هذا الإنجاز والمكسب المؤسساتي في ضرورة أن يتحول تعامل الوسيط مع هذه القضايا من منطق التدخلات الظرفية إلى منطق الوساطة الهيكلية الدائمة، ولا شك أن مأسسة وساطة القضايا الاجتماعية الحساسة، تتطلب تجنب خطورة وتداعيات بعض القضايا الاجتماعية الكبرى التي تمس فئات اجتماعية مؤثرة أو مهنا منظمة، ومن تم التأصيل لمقاربة خاصة تتجاوز الوساطة التقليدية في النزاعات الفردية، وتمكنت المؤسسة من المساهمة في حل الملفين المذكورين، وهذا التغير البنيوي الذي جرى في غياب إطار قانوني يتطلب مأسسة للوساطة في هذه القضايا الحساسة عبر تبني إطار قانوني واضح ومحدد يضمن تدخل الوسيط في القضايا الجماعية، يراعي خصوصية كل قطاع وتحدد بدقة صلاحياته لتفادي أي تجاوز أو تداخل في الاختصاصات، ووضع آليات تحفظ للمؤسسة هامش المبادرة والمرونة في إدارة الأزمات، مع توفير إطار مؤسساتي يضمن استمرارية العمل وفعاليته، مستفيدة من تجارب دولية رائدة كتجربة “أمين المظالم للخدمات القانونية” في إنجلترا وويلز.

وباختصار، إن تطوير منهجية عمل مؤسسة الوسيط سواء عبر تحفيز التنويه بالإدارات المتجاوبة مع ملاحظته وتوصياته أو تبني آلية القائمة الرمادية أو السوداء كوسيلة للضغط أو الإحراج للهيئات التي لا تتفاعل معه أو عبر تحويل الوساطة في القضايا الحساسة من استثناء إلى قاعدة مؤسساتية، هو الرهان الحقيقي لتجسيد “مفهوم متجدد” لمؤسسة الوسيط بالمغرب ودمج قواعد القانون الناعم في التدبير المؤسساتي والعمومي.

-أستاذ القانون العام بكلية العلوم القانونية والاقتصادية بأكدال-الرباط

The post "الوسيط" والقانون الناعم appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress