"الوحش على الجبل"... معركة الشقيف التي لم تغادر الذاكرة الإسرائيلية

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

لم تكن الشقيف يوما مجرد قلعة حجرية تعلو تلال الجنوب اللبناني. فمنذ عقود، تحولت القلعة الواقعة فوق مرتفع يشرف على وادي الليطاني والجليل الأعلى إلى عقدة عسكرية ونفسية في الوعي الإسرائيلي، حتى أن الإعلام العبري عاد اليوم ليصفها مجددا بـ"الوحش على الجبل"، مع تصاعد الحديث عن نشاط عسكري إسرائيلي قربها وإمكانية العودة إليها.

 

هذا التعبير لم يولد من فراغ، بل من تاريخ طويل من المعارك والخسائر والانسحابات التي جعلت من الشقيف رمزا ثقيلا في ذاكرة الجيش الإسرائيلي، تماما كما هي رمز للصمود في الذاكرة اللبنانية والفلسطينية.

 


 

تقع القلعة، المعروفة إسرائيليا باسم “بوفور”، على ارتفاع يقارب 700 متر فوق سطح البحر، ما يمنحها قدرة استثنائية على كشف مساحات واسعة من جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة. ولهذا السبب كانت على مدى قرون موقعا عسكريا بالغ الأهمية، تعاقب عليه الصليبيون والمماليك والعثمانيون، قبل أن يتحول في العصر الحديث إلى نقطة اشتباك دائمة في الصراع العربي الإسرائيلي.

 

 

وبحسب الرواية التي أعاد الإعلام العبري استحضارها، استخدمت منظمة التحرير الفلسطينية القلعة حتى عام 1982 كنقطة مراقبة، إضافة إلى تعطيل أي تحرك عسكري إسرائيلي محتمل في المنطقة. ولهذا اعتبرت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية خلال اجتياح لبنان أن "تحييد الوحش على الجبل" شرط أساسي لحماية الشمال الإسرائيلي.

 

 

لكن اقتحام القلعة لم يكن سهلاً، وفق الاعلام العبري. ففي ليلة السادس من حزيران/يونيو عام 1982، كُلّفت وحدة الاستطلاع التابعة للواء غولاني بالتقدم عبر طريق جبلي ضيق ومتعرج نحو القلعة، في عملية تحولت لاحقا إلى واحدة من أشهر وأكثر المعارك دموية في تاريخ الجيش الإسرائيلي.

 

#Analysis#

 

داخل الخنادق والتحصينات الإسمنتية دارت معارك مباشرة من مسافات قريبة جدا، وسط مقاومة شرسة. ويصف الإسرائيليون تلك الليلة بأنها "انتصار بثمن لا يُحتمل"، بعدما سقط عدد من الضباط والجنود الإسرائيليين، بينهم قادة بارزون في وحدة غولاني. ومنذ ذلك الحين بدأت صورة القلعة تتكرس داخل إسرائيل كمكان "يبتلع الجنود" ويستنزف القوات، لتصبح الشقيف رمزا للخوف والخسائر أكثر مما هي رمز للنصر العسكري.

ولم تتوقف هذه الصورة مع انتهاء الاجتياح. فبعد انسحاب إسرائيل إلى ما عُرف بـ"الشريط الحدودي" عام 1985، تحولت القلعة إلى موقع عسكري متقدم ومعزول. عاش الجنود الإسرائيليون داخل دشم إسمنتية وأنفاق محصنة تحت القصف المتواصل، فيما صار الطريق المؤدي إلى القلعة يُعرف داخل إسرائيل باسم "الطريق الدامي" بسبب كثرة الهجمات والعبوات الناسفة التي استهدفت الجنود هناك.

وخلال تلك السنوات، تحولت الشقيف إلى رمز لفكرة "المستنقع اللبناني" داخل المجتمع الإسرائيلي. عشرات الجنود قُتلوا أو أُصيبوا في محيط القلعة، فيما بدأ الرأي العام الإسرائيلي يتساءل عن جدوى البقاء في جنوب لبنان أصلًا. ومع مرور الوقت، لم تعد القلعة تُرى كموقع يمنح إسرائيل تفوقا عسكريا، بل كعبء بشري ونفسي دائم.

وفي أيار عام 2000، انتهت تلك المرحلة بصورة بقيت محفورة في الذاكرة الإسرائيلية. فمع قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ايهود باراك الانسحاب من جنوب لبنان، أُخليت القلعة بسرية تامة قبل أن يفجر الجيش الإسرائيلي الموقع بالكامل بأطنان من المتفجرات، لمنع رفع أعلام حزب الله فوق التحصينات العسكرية. لحظة الانفجار تلك لم تكن مجرد عملية هندسية، بل إعلانا عن نهاية واحدة من أكثر التجارب العسكرية كلفةً في تاريخ إسرائيل الحديث.

واليوم، مع عودة التصعيد في جنوب لبنان، أعاد الإعلام العبري فتح الملف من جديد. فالتقارير الإسرائيلية تتحدث عن أهمية القلعة الاستراتيجية وقدرتها على منح الجيش الإسرائيلي نقطة مراقبة نارية واسعة، لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالا قديما عاد ليطارد المؤسسة العسكرية: هل يستحق "الوحش على الجبل" العودة إليه مجددا؟

ونقل التقرير عن الباحثة الإسرائيلية "Orna Mizrahi" قولها إن الشقيف “تحمل وزنا رمزيا كبيرا بسبب تاريخ الجيش الإسرائيلي هناك”، لكنها شككت في جدوى إعادة السيطرة عليها، محذّرة من أن القلعة تقع عميقا داخل جنوب لبنان، وأن الاحتفاظ بها قد يعيد إنتاج التجربة نفسها التي دفعت إسرائيل إلى الانسحاب قبل ربع قرن.

 

وبينما تعود القلعة اليوم إلى واجهة القصف والحرب، تبدو الشقيف أكثر من مجرد موقع عسكري أو أثري. إنها مكان تختلط فيه الذاكرة بالتاريخ، والهزيمة بالرمزية، والجنوب اللبناني بأحد أكثر فصول الصراع العربي الإسرائيلي قسوة وتعقيدا.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية