الوجه الآخر لأمال خليل...

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

أحمد منتش

 

 

كتب الكثير  ولا يزال عن الزميلة آمال خليل، منذ لحظة استشهادها بغارة من الطيران الحربي الإسرائيلي ومحاصرتها مع زميلتها الجريحة زينب فرج داخل منزل في بلدة الطيري الحدودية.
تخيلوا، المكان الطيري، بلدة لبنانية والأرض لبنانية، وهي خارج المنطقة التي توغلت فيها قوات الاحتلال في الحرب الاخيرة، والزمان هدنة العشرة أيام، هل كان على "اليونيفيل" والجيش اللبناني والصليب الأحمر اللبناني والدفاع المدني، طلب الإذن مسبقاً من العدو، أم كان عليهم التحرك فوراً عند أول غارةٍ من مسيرة استهدفت سيارةً مدنية قتل فيها شخصان قبل أن تليها غارة ثانية قرب مكان تواجد آمال وزميلتها زينب، وقبل غارة ثالثة من الطيران الحربي استهدفت المبنى الذي احتمتا فيه،  وانتظار نحو 8 ساعات للتحرك نحو المكان؟ إنها جريمة موصوفة مكتملة الأركان ارتكبها العدو الإسرائيلي عن سابق تصور وتصميم.
الجانب الإنساني في حياة آمال كان يظهر جلياً في حياتها من خلال اهتمامها برعاية الحيوانات الاليفة ولاسيما منها  القطط والكلاب الشاردة وغير الشاردة، منذ انضمامها الى  أسرة جريدة "الأخبار" منذ انطلاقتها بعد أن كانت سابقاً مجلةً يشرف عليها الحزب الشيوعي اللبناني. وحتى فترة اغتيالها،  كل ما كتب وقيل عن آمال  هو كلام محق، مناضلة، شجاعة، مقدامة، عاشقة للجنوب وتراب الجنوب ومتضامنة مع المقاومة ومناهضة عنيدة  للاحتلال، معرّية  بالقلم والصوت والصورة جرائمه ومجازره في كل قرى الجنوب ودساكره.
 الجانب الإنساني الذي طبع  شخصية آمال هو ما أود تسليط الضوء عليه، ربما كثيرون لا يعرفونه في شخصيتها، وهو مدى اهتمامها بالحيوانات الأليفة. في منزل عائلتها وحديقته في البيسارية، كانت تستقبل ما لا يقل عن عشرين قطة من مختلف الأنواع والأحجام،  تطعمها وتداويهما وترعاها بحنان وحرص. وكلما صادفت قطةً مصابة تهب الى نقلها الى أقرب عيادة بيطرية، حيث باتت على معرفة بجميع الأطباء البيطريين في صيدا والمنطقة. حوالى نصف راتبها كانت تنفقه على إطعام الحيوانات ومداوتها، وفي عزّ الحرب وخلال جولاتنا في القرى التي نزح منها معظم أهلها، كانت حريصة على إحضار كل ما يلزم لاطعام الحيوانات المنسية ووضعها في الساحات العامة، خصوصاً في بلدتي الطيبة وحولا. وأكثر ما صدمني وفاجأني في آمال، عندما اتصلت بي وسألتني عن مكان تواجدي، وطلبت مني انتظارها لـ"تروح معي مشوار". وعندما وصلت سألتها الى أين؟ فأجابت أن شخصاً يعرف مدى اهتمامها بالحيوانات، اتصل بها وأبلغها عن كلب صدمته سيارة مسرعة وهو ينزف على جانب طريق وادي الزينة - جدرا الساحلية في إقليم الخروب. 
وصلنا إلى المكان وبدا أن الكلب يحتضر، وعندما اقتربنا منه نظر إلينا كأنه يلتمس الرحمة، وفوراً  أحضرت من صندوق سيارتها قطعة من القماش، كأنها مسعفة في هيئة صحية، ونقلناه الى صندوق السيارة ومن هناك الى عيادة طبيبٍ بيطري في صيدا.
غالباً ما كنت أخشى على آمال منذ بدء معركة "إسناد غزة" ولغاية معركة "العصف المأكول"، كما كنت أخشى عمن سبقها أخيراً في الشهادة، فرح عمر وفاطمة فتوني والحاج علي شعيب، كانوا وغيرهم من الزملاء مرابطين على خط المواجهة والسباقين في الوصول الى قلب الحدث.
في الأشهر الاخيرة من حياتها كانت آمال صاحبة الابتسامة الخجولة، تخفي في قلبها حزناً عميقاً بسبب مرض والدتها التي لازمتها معظم أوقاتها من دون أن تتقاعس أو تهمل وظيفتها ورسالتها الصحافية، ولا في رعايتها واهتمامها بقططها كما عودتهم من قبل.
لن ننساكٍ يا زميلة مهنة المتاعب ورفيقة الدرب الصعبة، حتى وقف العدوان وإزالة الاحتلال الى غير رجعة من أرضنا الطاهرة المجبولة بدماء آلاف الشهداء المقاومين والمدنيين الابرياء. 
وهنيئا لك الشهادة التي فزت بها بشرفٍ وإباء وكرامة.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية