الهيني يستعرض أوجه العيوب الدستورية في قانون تنظيم مهنة المحاماة
أكد المحامي محمد الهيني، عضو هيئة المحامين بالرباط، أن إقدام رئيس مجلس النواب على إحالة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة على المحكمة الدستورية خطوة دستورية رائدة من شأنها إنهاء الاحتقان المهني والاحتكام للعدالة الدستورية باعتبارها صمام الأمان لدولة الحق والقانون.
وقدم الخبير في مجال القانون، في مقالة توصلت بها هسبريس، مجموعة من الجوانب التي اعتبرها غير دستورية في قانون تنظيم مهنة المحاماة.
عيوب دستورية في قانون المهنة
من بين العيوب الدستورية في قانون مهنة المحاماة، بحسب المحامي الهيني، التي تمس بالدستور وبالأمن القانوني للمواطنين والمحامين، المادة 11، قائلا: “إذا كان من صلاحية السلطة الحكومية المكلفة بالعدل تنظيم ولوج مباراة الولوج للمعهد كسلطة عامة، فإن مبدأ التنظيم الذاتي لمهنة المحاماة يرتكز دستوريا على استقلال مهنة المحاماة باعتبارها جزءا ومكونا أساسيا من السلطة القضائية، تخضع لقواعد السلطة القضائية نفسها من ناحية الاستقلالية التنظيمية الواردة في الفصل 107 من الدستور، كما أن دستورية الحق في الدفاع كما هو مكرس في الفصل 120 من الدستور لا يتصور إلا في إطار مهنة المحاماة باعتبارها مهنة حرة مستقلة وتتمتع بتنظيم ذاتي وفق الفصول 71 و154 و159 من الدستور”، مؤكدا أن تنظيم مباراة ولوج المعهد في غياب أي تنسيق أو تشاور أو مشاركة لهيئات المحامين، يمس باستقلالية المحاماة وبتنظيمها الذاتي ويجعل المادة في صيغتها مخالفة للدستور.
وعرج الهيني أيضا على المادة 13، مبرزا أن النص على اختبار التقييم من طرف السلطة الحكومية المكلفة بالعدل لموظفي هيئة كتابة الضبط المنتمين إلى إطار المنتدبين القضائيين من الدرجة الأولى على الأقل، “يعتبر مخالفا لقواعد الاستحقاق والشفافية كمرتكزات دستورية، لأن الأصل في الولوج لكل الوظائف العامة أو ما يتفرع عنها من مهن ذات خدمات عامة كمهنة المحاماة، هو تنظيم مباراة أو امتحان يحتكم له الجميع لاختيار أجود الطاقات والكفاءات، أما تنظيم تقييم فهو يخضع فقط لآراء قد تكون غير منصفة وعادلة ومشوبة بالعلاقات والولاءات الشخصية، وغير مبنية على ضابط موضوعي”.
رسوم الانخراط والشراكة بين الهيئات
سجل المحامي ذاته في مقالته أن جوانب أخرى غير دستورية تظهر في هذه الوثيقة المحالة على المحكمة، تتمثل في المادة 18؛ ذلك أن تحديد واجب الانخراط في سقف مرجعي دون استشارة مسبقة مع هيئات المحامين مشوب بعدم الوضوح والغموض في التشريع، لأنه يتناقض مع الفقرة الأولى بتحديده من طرف هيئات المحامين، فضلا عن أن إهمال أي مقاربة تشاركية في تحديد السقف المرجعي يخالف قواعد استقلال المهنة وتنظيمها الذاتي، مما يجعل المادة مخالفة للدستور.
إضافة إلى ذلك، فالمادة 26 بدورها تتضمن عيبا دستوريا؛ إذ إن تنظيم شراكة بين مكتبين مختلفين، كل واحد منهما تابع لهيئة مختلفة، يعتبر مسا باستقلالية عمل كل مكتب للمحاماة وبخضوعه لرقابة هيئة المحامين التابعة لها، كما أنه يشجع على الاحتكار ويضرب حرية المنافسة وربط المسؤولية بالمحاسبة كأسس دستورية، لذلك يعتبر مثل هذا التنظيم مشوبا بعدم الوضوح والغموض في التنظيم، بعدم تحديد المسؤوليات ودور كل هيئة في المراقبة وكذا النيابة العامة أو المحكمة المختصة، خالصا إلى أن هذه المادة مخالفة للدستور.
وأفاد الهيني بأن المادة 38 بدورها غير دستورية، على اعتبار أن استثناء المحامين من التمثيل في بعض القضايا يعد مخالفة دستورية، لأن حق الدفاع جاء مطلقا ولا يمكن إخضاعه لأي استثناء وفق الفصل 120 من الدستور، ما دام أن المشرع الدستوري أسس للمساعدتين القانونية والقضائية لمن لا يتوفر على دخل في الفصل 121 من الدستور، وبالتالي فاستثناء أي قضية من تمثيل المحامي أمر مخالف للدستور.
الرقابة المالية على الهيئات المهنية
لم يخف الباحث في القانون أيضا وجود عيوب تتعلق بالرقابة المالية التي أثارت جدلا واسعا في صفوف المحامين؛ إذ إن المادة 76 تعتبر، بحسبه، المادة الأكثر إثارة للجدل الدستوري “لأن مالية هيئات المحامين مالية خاصة وليست عامة، ولا يمكن إخضاع أي هيئة خاصة لمراقبة المجلس الأعلى للحسابات طالما أن المشرع في الفصل 147 من الدستور اعتبره الهيئة العليا لمراقبة المالية العمومية بالمملكة، ويمارس مهمة تدعيم وحماية مبادئ وقيم الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة بالنسبة للدولة والأجهزة العمومية”.
وأضاف أنه “طالما أن مراقبة المجلس مرتبطة بمالية الدولة والأجهزة العمومية، فإن اعتبار هيئات المحامين هيئات خاصة وماليتها مالية خاصة، لا يمكن تبعا لذلك إخضاعها لأي مراقبة للمجلس، لأن مثل هذه المراقبة على الأشخاص الخاصة لا سند لها في الدستور، وتعتبر انحرافا تشريعيا، لكون العلاقات بين مختلف السلط منظمة بموجب فصول الدستور، والمجلس الأعلى للحسابات لا يمارس اختصاصه إلا في نطاق الدستور وأحكامه وليس فيه ما يخوله مراقبة الهيئات والأشخاص الخاصة، وبالتالي يعتبر هذا النص مخالفا للدستور”.
وأشار في هذا الصدد إلى أن المحكمة الدستورية المغربية سبق لها في سياق مقارن أن منعت اللجان الدائمة لمجلسي البرلمان من صلاحية استدعاء أي شخص خاص للاستماع إليه، واعتبرت أن “العلاقات بين مختلف السلط منظمة بموجب فصول الدستور، وأن اللجان الدائمة لمجلسي البرلمان لا تمارس اختصاصاتها إلا في نطاق أحكام الدستور والقوانين التنظيمية، كما هو الأمر عليه في الفصل 102 منه، الذي حصر طلب استماع هذه اللجان إلى مسؤولي الإدارات والمؤسسات والمقاولات العمومية، وذلك بحضور الوزراء المعنيين، وتحت مسؤوليتهم.”
حصانة الدفاع
أوضح المحامي الهيني أن المادة 77 بدورها تعتبر مخالفة للدستور، حيث اعتبر أن تحديد نسبة للاقتطاع من أتعاب المحامي لا تتجاوز 10 في المائة مخالفا لمبدأ حرية المهنة واستقلالها وتنظيمها الذاتي ولمبدأ الحماية الاجتماعية المهنية المكرس دستوريا في الفصل 31 من الدستور، لأن تحديد النسبة يجب أن يخضع لإرادة المحامين ومجالسهم، لا سيما وأنها تضرب في العمق مشاريع التكافل والتقاعد والتعاضد التي قطعت فيها المهنة أشواطا كبيرة.
وذكر أن المادة 78 تندرج ضمن حصانة الدفاع، وهي الجامعة لكل مبادئ مهنة المحامي من حرية واستقلال وكرامة، وهي المرتكز الدستوري الوارد في الفصل 120 من الدستور باعتبارها الضمان الأساسي للمحاكمة العادلة ولقواعد حسن سير العدالة وحماية حقوق المتقاضين.
وسجل أن هذه المادة تثير نقاشا دستوريا بخصوص صياغة الفقرة الرابعة منها التي اتسمت بالعمومية والإطلاق بخصوص تحديد مخالفات الجلسة بالنسبة للمحامي.
استقلالية التكوين عن وزارة العدل
اعتبر محرر المقالة أن التكوين يجب أن يظل مستقلا عن السلطة التنفيذية ممثلة في وزارة العدل، حيث إن المادة 85 تعتبر غير دستورية بحسبه، مشددا على أن معهد المحاماة يجب أن يكون تابعا لمجالس هيئات المحامين وليس للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل لأن التكوين عنصر أساسي وجوهري في ترسيخ حقوق الدفاع المكرسة دستوريا، وهو عنوان وغاية استقلالية المهنة وحريتها وتنظيمها الذاتي وكرامتها.
وشدد على أن تخويل تسييره للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل التي تعتبر جهازا تنفيذيا، يجعل الطالب بالمعهد والمتمرن تابعا للوزارة وليس لهيئته المهنية، وبالتالي تربيته على قواعد التبعية الإدارية عوض الاستقلالية التي تعتبر ضمانا للمهنة وامتيازا للمواطنين، وليس للمحامي، حتى يتمكن من حمل رسالة المحاماة ليرافع بشرف وحرية وضمير واستقلالية ونزاهة .
كما أن الفقرة السابعة من المادة 99 تثير إشكالا دستوريا متصلا بغياب تنظيم محدد، وهو ما يسمى “الإغفال التشريعي”، لأن عدم بت مجلس الهيئة في المنازعة، يعني قرارا برفضها، أي رفض مراجعة قرار الحفظ، مما يخول للوكيل العام للملك الطعن فيه أمام غرفة المشورة، تسويةً له بقرار عدم المؤاخذة، لكون التنصيص على رفع الملف بقوة القانون إلى غرفة المشورة لا يبين الجهة التي ترفعه ولا كيفية رفعه ولا مسطرته، مما يجعل الفقرة مخالفة للدستور، طالما أن المحكمة تبت في قرارات وطعون وليس إحالات مجردة عن الطعون والقرارات.
كما أن تخويل مجلس الهيئة وفق المادة 100 متابعة أي محام بناء على ما يسمى وضع اليد، “يعتبر أمرا مخالفا للدستور لأنه يجمع بين سلطة المتابعة وسلطة الحكم ويمس باستقلال وحياد الجهة التأديبية”.
إشكالية التمييز بين الهيئات
ومن ضمن العيوب الدستورية المسجلة في مشروع القانون، وفق المحامي الهيني دائما، ما اعتبره تمييزا بين الهيئات، ذلك أن المادة 123 وضعت فئات للمحامين وقسمتهم لثلاث فئات انتخابية: ما فوق العشرين سنة، وما بين 10 و20 سنة، وما بين 5 سنوات وعشر سنوات.
وسجل أنها خرقت مبدأ المساواة بين التمثيليات المهنية؛ بحيث إن النسبة الأولى حددت في 40 في المائة والنسبة الثانية في 50 في المائة والنسبة الثالثة في 10 في المائة.
وأكد أن “تفاوت النسب ليس له منطق دستوري ولا قانوني لأنه يخالف مبدأ المساواة وعدم التمييز ويضرب تكافؤ الفرص بين فئات المحامين ويجعل فئة أكثر قوة على فئة أخرى حضورا وانتخابا، مع أن الصوت الانتخابي واحد ولا يختلف ولا يتمايز، لذلك تعتبر هذه المادة مخالفة للدستور”.
وأردف الهيني أن عدم تنظيم فئة النقباء السابقين ضمن الفئات الانتخابية “يشكل انحرافا تشريعيا ومساسا واضحا بحرية الترشح والاختيار، فالنقباء هم عماد المهنة وبنيانها وأساس استقرارها وهم الحاملون لمشعل الرسالة وعنوان تقاليد المهنة وأخلاقياتها، وبالتالي فعدم تنظيم فئتهم ضمن هذه الفئات الانتخابية هو خرق دستوري لحرية الترشح والاختيار، وانتهاك دستوري لاستقلالية المهنة وتنظيمها الذاتي وحريتها وكرامتها، وبالتالي تعتبر هذه المادة مخالفة للدستور”.
كما اعتبر أن المادة 124 مشوبة بعيب عدم الدستورية، لكونها من جهة لا تساوي بين عدد أعضاء المجالس في مختلف هيئات المغرب. تنضاف لها المادة 130، المتعلقة بمدة انتخاب النقيب، معتبرا أنها مخالفة للدستور لـ”عدم المساواة والتمييز وضرب تكافؤ الفرص بين النقيب والأعضاء، المساس بحرية الترشح للنقيب والأعضاء، المساس بحرية الاختيار للمحامين، المساس بالاستقلالية والتنظيم الذاتي للمهنة، عدم تمكين المحامين من اختيار أجود الطاقات والخبرات ممثلة في النقيب والأعضاء”.
The post الهيني يستعرض أوجه العيوب الدستورية في قانون تنظيم مهنة المحاماة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.