الهويّة الدّينيّة للعلويّين: قراءة في الجذور والتّاريخ بعيداً عن صخب السّياسة

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

الشّيخ. د. شادي عبده مرعي

 

 

في زمن الأزمات والحروب، يكثر الاستثمار في الجهل، وتتحوّل المصطلحات التّاريخيّة والعقائديّة إلى أدوات للتّجاذب السّياسيّ المعاصر. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى مقاربات علميّة رصينة، موجّهة إلى ذوي "العقول الباردة" والمختصّين الّذين يزنون الكلمات بميزان الحقائق، لا بمنطق العواطف أو المصالح الآنيّة. إنّ السّؤال الفكريّ والتّاريخيّ المطروح اليوم بقوّة هو: هل العلويّون شيعة؟
لقد تحوّلت كلمة "شيعة" لدى البعض الطّارئ على العلم إلى "فزّاعة" يراد بها النّفور وإخراج المصطلح عن سياقه التّاريخيّ. والسّؤال البديهيّ المباشر: إذا لم يكن العلويّون شيعة، فمن هم إذن؟ حين كنت بصدد إعداد أوّل أطروحة فقهيّة معاصرة عن العلويّين في جامعة الجنان الموقورة في (أبي سمراء – طرابلس(نوقشت بتاريخ 27 /1/ 2024)، راسلت عدداً كبيراً من علمائنا الأبرار الأجلّاء. وجاءت الإجابات كلّها، دون استثناء، لتؤكّد حقيقة واحدة: "إنّ العلويّين شيعة". بل إنّ بعضهم راسلني خطياً، وقدّمت تلك المراسلات في أطروحتي كوثائق تاريخيّة دامغة. وعليه، إنّ من يخالف هذه الحقيقة الثّابتة يغالط التّاريخ؛ فجهود علماء العلويّين الأعلام تركّزت عبر العصور لترسيخ هذه الهويّة. وشخصياً أتحدّى أن يأتي كائن من كان بوثيقة أو تصريح لأيّ شيخ علويّ على مدار التّاريخ يقول فيه غير ذلك. نعم، هناك اختلافات وتمايزات فكريّة، لكن من النّاحيتين الفقهيّة والعقائديّة، يظلّ الأصل واحداً.
أصول الفقه وتمايز الفروع:
ولأنّ الدّين يقوم على أصول وفروع، فإنّ فحص هذه الهويّة يتطلّب النّظر في أصول الدّين عند العلويّين، وهي خمسة يجمع عليها جمهور الشّيعة الإماميّة الاثني عشريّة: التّوحيد، العدل، النّبوّة، الإمامة، والمعاد. ولكلّ أصل فلسفته الخاصّة الّتي يلتقي فيها العلويّون مع جمهور الإماميّة، مع وجود بعض التّباينات في التّفسيرات، وهو أمر طبيعيّ في مدارس الفكر الإسلاميّ. ويمكن مراجعة "بيان عقيدة المسلمين العلويّين" الشّهير، الّذي وقّعه ثمانون عالماً علويّاً كانوا قادة المجتمع بأكمله، للتّأكّد من هذا التّرابط العقائديّ.
أمّا فروع الدّين من عبادات ومعاملات وأحوال شخصيّة، فهي بالإجماع ما عليه جمهور الشّيعة. والقول بالوحدة الفقهيّة لا يعني التّطابق التّامّ؛ إذ توجد تمايزات بين العلويّين وباقي المذاهب الشّيعة، مثل توقّف العمل بـ "الخمس"، وعدم إدراج "الشّهادة الثّالثة" (أشهد أنّ عليّاً وليّ الله) في الأذان، والاختلاف في الإقامة بين فرادى ومثنى. وهي جزئيّات لا يخلو منها أيّ مذهب إسلاميّ. وتقودنا هذه القراءة إلى نتيجة أولى: إنّ الاتّفاق في الخلفيّة العقائديّة والفقهيّة تخلّله الكثير من التّمايز والافتراق التّاريخيّ، حتّى نشأت طوائف متعدّدة ومستقلّة بخصوصيّتها الفكريّة، ومن ضمنها نحن العلويّين.
المحطّات التّاريخيّة والافتراق الكبير:
في تتبّعنا لخطّ التّطوّر التّاريخيّ، نجد أنّ العلويّين مرّوا بمحطّات افتراق مذهبيّة أساسيّة؛ فقد كانوا شيعة إماميّة اتّبعوا الإمام الباقر (عليه السّلام) وافترقوا بذلك عن الزّيديّة، ثمّ صاروا "جعفريّة"، واستمرّوا في موالاة الأئمّة صعوداً حتّى المحطّة الفاصلة سنة (260) هجريّة، وهي السّنة الّتي غاب فيها الإمام الثّاني عشر، المهديّ (عجّل الله فرجه الشّريف)، بعد غيبة والده الإمام الحسن العسكريّ (عليه السّلام). عند هذا الحدث، وقع اختلاف بين أتباع الشّيعة حول تحديد الشّخصيّة المؤهّلة للقيام بمقام (الباب)، وهي رتبة علميّة زمنيّة مشهورة. وقد اختار العلويّون السّيّد أبا شعيب محمّد بن نصير النّميريّ، إذ يقول الشّيخ الحسين بن حمدان الخصيبيّ (رضوان الله عليه) في كتاب الهداية: "(..ويقعد ببابه محمّد بن نصير النّميريّ..)".
ومن هنا تتبلور النّتيجة الثّانية: إنّ التّوصيف المذهبيّ الصّحيح هو "شيعة إماميّة إثنا عشريّة نصيريّة" (أو شعيبيّة، أو نميريّة). وهو ما أكّده علّامتنا الشّيخ سليمان الأحمد (قدّس الله سرّه) في شعره حين قال: "هنيئاً أيّها الشّعب الشّعيبيّ...".
ومن الإشارات التّاريخيّة الكبرى، أن تكون سنة غيبة الإمامين العسكريّ والمهديّ (260 هـ) هي السّنة عينها الّتي ولد فيها السّيّد أبو عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبيّ، الّذي يعتبر أوّل من وضع تاريخاً جامعاً يؤرّخ للمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم. وتأسّست معه طريقة عرفانيّة عرفت بـ"الجنبلانيّة"، وهي تمثّل تمييزاً عن باقي المذاهب الشّيعيّة بما تحمله من معان عرفانيّة وإشارات صوفيّة، قال عنها الشّاعر الكبير المكزون السّنجاريّ: "أصبحت طريقتي حقيقة... سارت بها في فرق الجمع السّير". وهنا نصل إلى النّتيجة الثّالثة:
مع السّيّد الخصيبيّ تضاف نسبتنا الفكريّة لتصبح السّلسلة الطّاهرة هكذا: نحن مسلمون علويّون شيعة إماميّة اثنا عشريّة (جعفريّون) شعيبيّون (نصيريّون) خصيبيّون. (والعبد الفقير في صدد إصدار موسوعة ضخمة جدّاً عن السّيّد الخصيبيّ تنتظر الظّروف الملائمة لنشرها).
الكنف الحنفيّ وأثر الجغرافيا:
لم تكن العقيدة بمعزل عن الجغرافيا؛ فقد أرخت الجغرافيا والتّاريخ بثقلهما على الواقع الفقهيّ للعلويّين نتيجة الخضوع لحكم السّلطنة العثمانيّة لما يزيد عن خمسة عصور. ومن الطّبيعيّ أن يتأثّر المجتمع العلويّ دينيّاً باتّجاهات المذهب الحنفيّ باعتباره المذهب الرّسميّ للدّولة آنذاك. كما كان للمذهب الشّافعيّ تأثيره أيضاً في بعض الحواضر والجوامع الّتي اختارت التّعبّد لمدّة طويلة وفق فقهه.
تأجيل النّقاش الفقهيّ في قضايا الأحوال الشّخصيّة:
أمّا بالنّسبة لباقي القضايا الفقهيّة والاجتماعيّة الملحّة المتعلّقة بالعلويّين، مثل الموقف من الحجاب، والموسيقى، وقضايا الأسرة كالنّفقة والحضانة وتعدّد الزّوجات والزّواج من باقي المذاهب، فإنّني أرى أنّها بحاجة إلى دراسة فقهيّة معمّقة وتفصيليّة، ولا ينفع صراحة تداولها عبر وسائل التّواصل الاجتماعيّ لعدّة أسباب موضوعيّة؛ فالجامع التّاريخيّ والتّقليديّ معروف، لكنّ تحديث هذه المسائل يتطلّب ظروفاً علميّة واجتماعيّة هادئة. وتحتاج هذه القضايا الحسّاسة إلى إجماع أهل العلم والفقهاء، ليخرجوا برأي فقهيّ واحد جامع يلتفّ حوله أكبر عدد من النّاس. يضاف إلى ذلك أنّ الظّرف الإقليميّ والمحلّيّ العامّ والحروب الطّاحنة تفرض التّريّث، ليكون الجهد والتّركيز الفعليّ الآن مصبوباً نحو رأب الصّدع في صفوف الطّائفة، والّذي يزداد شرخاً يوماً بعد يوم، والعمل على تشجيع المرجعيّات الدّينيّة والثّقافيّة على الاجتماع واتّخاذ المبادرة الموحّدة.
وهم التّوازنات ومخاطر الارتداد الثّقافيّ:
إنّ القراءة السّطحيّة للتّوازنات الدّينيّة والاجتماعيّة في منطقتنا تدفع ببعض الواهمين إلى تبنّي مقاربات خاطئة؛ إذ يظنّ هؤلاء أنّ الهجوم المركّز على الشّركاء في الهويّة العقائديّة —ونقصد هنا الإخوة الشّيعة— قد يربحهم تلقائيّاً ودّ أو تحالف إخواننا من أهل السّنّة والجماعة. غير أنّ المفارقة الصّادمة تكمن في أنّ هؤلاء المستعدين للكلّ، سرعان ما يرتدّون لاستعداء أهل السّنّة أنفسهم، عبر التّرويج لأفكار تنسلخ عن الإسلام جملة وتفصيلاً، تحت وهم أنّ الخروج من العباءة الإسلاميّة يمنح الطّائفة حظوة لدى جمعيّات أمميّة يعتقد أنّها تتحكّم بمصائر الشّعوب، باعتناق المسيحيّة أو التّمحّل والتّعسّف في إيجاد قواسم مشتركة من خلال استغلال الرّموز العرفانيّة العلويّة، والّتي لا يفقه أبعادها الحقيقيّة إلّا أهل الاختصاص. ويتمّ توظيف هذه الرّموز بشكل سطحيّ لتسهيل الارتداد الثّقافيّ، وهي حالات صرنا شهوداً عليها مؤخّراً لبعض الأفراد تسهيلاً لهجرتهم نحو دول ككندا أو ألمانيا. إنّ هذا السّلوك لا يعبّر عن حقيقة المذهب أو عمقه، بل هو نتاج مباشر لتسييس الدّين ومحاولة تجريد المكوّنات المشرقيّة من أصالتها.
الشّهادة الأكاديميّة وتجربة التّثاقف المذهبيّ:
إنّ إنتاج المعرفة الحقيقيّة وتفكيك الصّور النّمطيّة لا يتأتّى إلّا من داخل الصّروح العلميّة وعبر الحوار المنفتح والمباشر. ومن موقعي كباحث خرّيج للعديد من الجامعات اللّبنانيّة المتنوّعة في انتماءاتها ومشاربها الفكريّة، أتيحت لي فرصة الدّراسة والبحث على أيدي فضلاء وفقهاء من مختلف المذاهب، وهي تجربة صقلت أدواتي المنهجيّة. وأمام الله سبحانه وتعالى، أشهد أنّني لم أداهن ولم أنافق يوماً في كلمة واحدة؛ بل كنت دائماً واضحاً وصريحاً في التّعبير عن انتمائي واعتقادي، وفي تحديد عناوين أطاريحي العلميّة الّتي ناقشتها علانية:
1. الأطروحة الأدبيّة النّقديّة في جامعة القدّيس يوسف  (USJ)(2023): وتمحورت حول نتاج وعطاء علّامة العلويّين الشّيخ سليمان الأحمد، وشهدت أيضا حضوراً ومباركة من سماحة رئيس المجلس.
2. الأطروحة الفقهيّة المقارنة عن العلويّين في جامعة الجنان (2024): وحظيت بمناقشة علميّة رفيعة حضرها وفد من المجلس الإسلاميّ العلويّ برئاسة سماحة الرّئيس، والّذي قدّم حينها مداخلة قيّمة وموثّقة عن مقام السّيّد أبي شعيب محمّد بن نصير (منشورة على صفحة المجلس).
3. الأطروحة التّاريخيّة في جامعة بيروت العربيّة (2025): وتناولت تاريخ وجود العلويّين في ولاية طرابلس، واستندت فيها إلى وثائق تاريخيّة من سجلّات المحكمة الشّرعيّة، وهي الأطروحة الّتي لقيت فيها كلّ الدّعم والتّعاون والمساندة العلميّة من إخوة ودكاترة وباحثين من أهل السّنّة الكرام.
إنّ أساتذتي الأجلّاء من مختلف المذاهب يمثّلون شهوداً على هذه المسيرة الأكاديميّة الصّادقة، حيث تعاملوا مع أبحاثي بموضوعيّة علميّة فائقة، مؤكّدين أنّ العلم والبحث الرّصين هما الجسر الأقوى لتجاوز قنوات التّحريض وضيق الأفق الطّائفيّ.
خلاصات وتوصيات للمستقبل:
• تهافت التّوظيف السّياسيّ: من غير العلميّ أن تشكّل كلمة "شيعة" كلّ هذا النّفور وتأخذ تفسيراً سياسيّاً معاصراً ضيّقاً يخرجها عن سياقها الفكريّ والتّاريخيّ الأصيل.
• حركيّة التّاريخ المذهبيّ: لقد تطوّرت جميع المذاهب الإسلاميّة بلا استثناء، وتعرّضت لانقسامات وتباينات فرضتها حركيّة التّاريخ وظروف الجغرافيا.
• الصّدق هو النّجاة: كن حقيقيّاً وصادقاً تنل رضى الجميع، وليكن عملك خالصاً لله يكتب لك النّجاح، وليس بالتّملّق والتّبجّح، وتصنيع هويّة متحوّلة متذبذبة حسب مقتضيات اللّحظة.
• الاستقلاليّة والحياد: أكرّر نصيحتي لنفسي ولمن يحبّ: يجب أن نكون طائفة لبنانيّة مستقلّة حياديّة على مسافة واحدة من الجميع، بعيداً عن أيّ استرضاء وأيّ استعداء؛ فنحن نصدق الله ثمّ الوطن ثمّ الطّائفة.
• الدّعوة الجامعة: تبقى الدّعوة الإنسانيّة والأخلاقيّة الجامعة هي الأسلم والأصلح لشعوبنا المظلومة، للخروج من خنادق التّعصّب والبغض والتّفرقة نحو فضاء المعرفة والحقّ، تماماً كما صاغها شاعرنا المكزون السّنجاريّ بقوله الحكيم:
              ودعوتي جامعة للورى ... يدعو بها المؤمن والكافر


اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية