الهندسة الإعلامية في الولايات المتحدة: تحول جذري في عصر ما بعد الحقيقة

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

د. طلال الخزرجي

 

 


تشهد الولايات المتحدة الأميركية اليوم تحولاً جذرياً في بنية المشهد الإعلامي، بحيث تتراجع مؤسسات الصحافة التقليدية التي طالما شكلت "السلطة الرابعة" في النظام الديموقراطي، لتحل محلها منظومة معقدة يمكن تسميتها "هندسة الجمهور"، والتي تعيد تعريف العلاقة بين السياسي والصحافة والمواطن. هذا التحول لم يعد مجرد استخدامٍ ذكي لوسائل التواصل الاجتماعي، بل أصبح نموذجاً جديداً للحكم من خلال التحكم بتدفق المشاعر وبناء الهوية الجماعية، موازياً أو حتى معارضاً لتدفق المعلومات التقليدية. تقوم "الهندسة الإعلامية"، بوصفها منهجاً متكاملاً، على مبادئ مغايرة تماماً للمنهج الصحافي التقليدي الذي يسعى للحقيقة والموضوعية والتحقق من المصادر. في المقابل، تهدف "هندسة الجمهور" إلى الاستقطاب والتأثير العاطفي المباشر، وتحويل المواطن من متلقٍ ناقد للمعلومات ومتشكك فيها إلى مستهلك للمشاعر والأحكام الجاهزة، وعضو في "جماعة عاطفية" تشترك في الرواية نفسها. ما يحدث اليوم في الولايات المتحدة ليس مجرد تغيير في الأدوات، بل هو تحول في القيم والمعايير الإعلامية، إذ تكشف استطلاعات الرأي المتكررة عن أزمة ثقة مزمنة: نسبة معتبرة من الأميركيين تبدي ثقة مخفوضة بقدرة الصحافة التقليدية على العمل لمصلحة الجمهور، مع تراجعٍ مستمر في نسب الثقة في تقديم الأخبار بدقة وموضوعية، لتصل إلى أدنى مستوياتها المسجلة في العقود الأخيرة. في صميم هذا التحول، يقف استغلال القيادات السياسية لوسائل التواصل الاجتماعي، ليس كأداة للتواصل فحسب، بل كآلية لإعادة هندسة قواعد اللعبة برمتها. لم تخترع هذه الظاهرة نمطاً جديداً، لكنها أضفت شرعية على فكرة أن السياسي يمكنه أن يكون "قناة إعلامية" متكاملة، وأن الإعلام التقليدي يمكن تحويله إلى مجرد معلق على الأحداث التي يقودها السياسي نفسه. 
تتجاوز هذه الإستراتيجية حدود "الحرب على وسائل الإعلام" بالوصف المباشر لها بأوصاف مثل "عدو الشعب"، والتهديد بسحب التراخيص البثية، واتهامها بالخيانة، لتصل إلى خلق واقع رمزي موازٍ. تقوم هذه الإستراتيجية المتطورة على منطق "الهندسة العكسية" لمشاعر الجمهور، بحيث تصمم الرسالة المباشرة أو غير المباشرة لإنتاج ردود فعل قطبية، ما يضمن تفاعلاً مستمراً يبقي الشخصية السياسية في مركز الاهتمام. تجد المؤسسات الإعلامية التقليدية نفسها في معضلة وجودية: هي إما مجبرة على إعادة نشر المحتوى ذي الانتشار الواسع، لتصبح مجرد ناقل، وإما أن تهاجمه فتصبح معززة لشعبيته كجزء من "النظام القديم". هذا الوضع يخلق أزمة هوية للصحافة، إذ تتحدث التقارير المتخصصة عن "تراجعٍ عميق في التفاعل مع المصادر الإعلامية التقليدية" و"تحول متسارع نحو استهلاك غير واعٍ للمحتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو المباشرة والبودكاست البديلة". لم تقتصر الهندسة الإعلامية على الخطاب المباشر، بل امتدت لتشمل إعادة تعريف الإعلام كمفهوم، وأحد أبرز تجليات ذلك هو تحويل السياسة والأحداث الكبرى إلى "ترفيه" بصري سريع. يتجلى ذلك من خلال نشر مقاطع فيديو تخلط بين مشاهد واقعية وعناصر مستمدة من ألعاب الفيديو والمشاهد الرياضية والثقافة الشعبية. هذا المزج بين الجدية والترفيه، بين الوقائع الجادة وبين قوالب التسلية، ليس مجرد تغيير في الشكل، بل هو أداة هندسية مقصودة لتطبيع ما هو استثنائي أو مروع، وإعادة تأطير الأحداث كمنتجات استهلاكية سريعة تستهلك ثم تُنسى. إلى جانب ذلك، يتم توظيف تكتيك يمكن تسميته "هندسة الشك"، بحيث يتم تحميل الصحافة مسؤولية نشر معلومات مضللة أو ممولة من جهات خارجية. الهدف من ذلك هو خلق ما يعادل "تكافؤ الحقيقة" في أذهان الجمهور؛ فعندما يتعب المواطن من متابعة المجادلات والتناقضات المتتالية، قد يستسلم لفكرة أن "كل الأطراف تكذب"، وهو الانتصار الحقيقي الذي تحققه هذه المنظومة. الدراسات التي تتناول المنصات البديلة تشير إلى أن هذه الفضاءات ليست مجرد ملاذات آمنة بعيداً عن سياسات منصات التكنولوجيا الكبرى، بل تحولت إلى بنى تحتية لبناء الهوية، وتصنيع المظالم المشتركة، وتطبيع صورة الأعداء، وتحويل الاستياء السياسي إلى هوية جماعية متماسكة. هنا، تتجاوز الهندسة الإعلامية الفرد إلى بناء منظومه  متكاملة من صنع المحتوى وتضخيمه واستهلاكه بشكل دائري مغلق. 
التحول الأعمق والأكثر حداثة يتمثل في الاستغلال المتزايد لتقنيات الذكاء الاصطناعي كأداة للهندسة الإعلامية الجماهيرية، وهو ما أثار قلقاً واسعاً في فترات الانتخابات. يكشف الباحثون عن استخدام "حسابات شبيهة بالبشر فائقة الواقعية" (كيانات رقمية) مولدة بالذكاء الاصطناعي، تظهر كمؤثرين حقيقيين أو كمواطنين عاديين، بأصوات واقعية وملامح بشرية ورواية سياسية مبرمجة. هذا يخلق وهماً لوجود حركة سياسية عريضة أو توافق شعبي قد لا يكون موجوداً بالحجم نفسه في الواقع. هذه التقنيات تجاوزت حدود نشر الأخبار المزيفة، إلى خلق "حقائق بديلة" مرئية ومسموعة، بحيث يصبح المواطن العادي غير قادر على التمييز بين الإنسان والآلة، بين الحقيقي والمولَّد. بل ترسخ فى مفهومه أن الذكاء الاصطناعي لا يكذب أو يزيف. تُظهر التحليلات أن القوانين والإجراءات التنظيمية الحالية تثبت عدم كفاءتها في مواجهة هذا النوع من الهندسة؛ فهي غالباً لا تنطبق إلا على الحملات السياسية الرسمية، وليس على الانتشار الواسع  للمحتوى المضلل من حسابات وهمية. إضافة إلى ذلك، فإن التدابير التوضيحية لمحتوى الذكاء الاصطناعي لا تمنع المتلقين من التأثر به، خصوصاً عندما تتم صياغته بطريقة عاطفية جذابة. هذه البيئة تجعل من المستحيل عملياً ممارسة "تقصي الحقائق" (fact-checking) بالوتيرة المطلوبة، خصوصاً مع استمرار إغراق الفضاء الرقمي بتيار لا يتوقف من المعلومات والصور والمقاطع، مما يصعِّب على أي جهة رقابية أو صحافية مواكبة وتيرة الإنتاج. على الجانب الآخر، تحاول المؤسسات الإعلامية التقليدية والنخب السياسية الأخرى التكيف مع هذا الواقع الجديد، لكن محاولاتها غالباً ما توصف بأنها متأخرة أو ناقصة. فالاتجاه العام يشير إلى أن الاعتماد على مصادر المعلومات التقليدية يواصل التراجع لمصلحة منظومة إعلامية بديلة ومجزّأة تضم صُنّاع بودكاست ومؤثرين ومنتجين على منصات الفيديو المتنوعة. أصبح القادرون على تجاوز الصحافة التقليدية يفضلون وسائل إعلام حزبية أو فردية "صديقة" لا تطرح أسئلة صعبة، بل تعمل كمكبرات صوت للرواية الرسمية للتيار أو الشخصية السياسية. المفارقة أن محاولات التقليد المتأخر لاستراتيجيات الخصم تبقى ناقصة، لأنها تحاول لعب اللعبة نفسها لكن بقواعد من صنع الآخر. 
تظهر الدراسات أن الأصوات الأعلى والأكثر تطرفاً على الإنترنت لا تمثل بالضرورة الغالبية الصامتة، لكنها تمتلك القدرة على تشويه أولويات القائمين على المؤسسات التقليدية ودفعهم نحو ردود فعل متسرعة أو مواقف متطرفة لمجاراة هذه الشريحة الضيقة والعالية التفاعل، مما يزيد من أزمة الثقة والصدقية. الهندسة الإعلامية الأميركية اليوم ليست ظاهرة عابرة مرتبطة بأشخاص بعينهم، بل أصبحت نموذجاً معولماً يُصدَّر ويُقلَّد، وهو يعكس في جوهره أزمةً أعمق في النظم الديموقراطية المعاصرة: أزمة الثقة بالمؤسسات، وتفكك المجال العام المشترك، واستبدال الحقيقة بالمشاعر والانتماء كقاعدة للقرار السياسي. لقد تربى جيل كامل من الناخبين على استهلاك الأخبار كمحتوى ترفيهي سريع، وأصبحت "الحقيقة البديلة" جزءاً مقبولاً من الخطاب اليومي. حل هذه المعضلة لا يكمن في فضح الأكاذيب أو تصميم ملصقات توضيحية فحسب، بل في إعادة بناء المنظومة الإعلامية بأكملها على أسس جديدة تجمع بين حرية التعبير والمساءلة والثقة المتبادلة. ربما تبقى الصحافة التقليدية قادرة على الصمود إذا تذكرت أن دورها الأساسي ليس مجرد نقل ما يقوله أصحاب السلطة أو ما يروج له المؤثرون، بل التحقق من المعلومات، وتقديم السياق، وتحفيز المواطن على التفكير النقدي بدلاً من الاستهلاك العاطفي. لكن في عالم أصبحت فيه الصورة تسبق الحقيقة، والمشاعر تتفوق على المنطق، والمنصات تحكمها خوارزميات تُشكل الواقع وتوجهه، فإن الصحافة لن تنجو بمفردها. المطلوب هو إعادة هندسة جذرية للعلاقة بين التكنولوجيا، والسياسة، والجمهور، ورغم ذلك، يبقى السؤال المفتوح حول قدرة المؤسسات الديموقراطية على إنقاذ فضاء عام مشترك، قبل أن يضيع جيل كامل في متاهة من الحقائق و الأكاذيب المولَّدة بالذكاء،الصناعى والمشاعر المبرمجة.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية