الهجرة الجماعية تفضح اليمين الإسباني وتكشف جهل أوروبا بجغرافية سبتة

أكد أكاديميان مغربيان بارزان في المشهد المعرفي الإسباني أن “ما شهدته سبتة ومليلية من موجات عبور جماعية كشف عن التباس لدى جانب مهم من الرأي العام الأوروبي والإيبيري بشأن الموقع الجغرافي للثغرين المحتلين شمالي المملكة”، معتبرَيْن أن “المنظمات السياسية في القارة العجوز تدرك هذه الحقيقة الجغرافية جيداً، لكنها وظفت الملف سياسياً لمحاصرة حكومة بيدرو سانشيز”.

وقال وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا، الثلاثاء، عقب محادثات طارئة مع نظرائه الأوروبيين، إنه “من الواضح أن هذه الأزمة لم تقوّض فضاء شنغن بأي شكل”، وأضاف: “اتفقنا جميعا على أن منطقة شنغن لم تكن في خطر على الإطلاق”، مؤكدا أنه “لم تكن هناك أي إمكانية لانتقال المهاجرين من سبتة إلى أوروبا القارية”.

سياق معقد

سجل عبد الحميد البجوقي، الأكاديمي المغربي المختص في العلاقات المغربية-الإسبانية، أن “قيادات أوروبية عدة تجهل الموقع الجغرافي الحقيقي لسبتة ومليلية، وتخلط بين التصورات السطحية وواقع العبور عبرهما”، موضحاً أن “هذا الالتباس لا يقتصر على بعض المسؤولين، بل يمتد إلى شبكات إعلامية بارزة تتصور أن المدينتين لا يفصلهما عن القارة العجوز سوى البحر، في حين يؤكد الواقع أنهما تقعان في التراب الإفريقي نفسه”.

وأضاف البجوقي، في تصريح لجريدة هسبريس، أن “مدريد ظلت، طوال سنوات، تتعامل مع هذا الملف باعتباره قضية محسومة لا تستوجب النقاش، وهو ما انعكس على ضعف المعرفة بهذه الحقيقة لدى جانب مهم من الرأي العام الإسباني والأوروبي”، مستدركاً بأن “السلطات الإسبانية أضحت مؤخراً مضطرة إلى تكثيف خطابها لتفسير الوضعية القانونية والإدارية الخاصة بالمدينتين، بعدما كانت ترى أن الأمر غني عن التوضيح”.

ورأى المتحدث ذاته أن “الادعاء بجهل بعض المسؤولين الأوروبيين بالحقائق الجغرافية يثير علامات استفهام، ولا سيما أن مؤسسات الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء تتوفر على طواقم من المستشارين والخبراء”، مبرزاً أن “صدور هذه المواقف إن كان ناتجاً عن جهل فعلي فإنه لا يليق بمسؤولين يتبوؤون مواقع متقدمة داخل المنظومة الأوروبية”.

واعتبر الخبير نفسه أن “ثمة احتمالاً آخر يتمثل في وجود نية سياسية مبيتة لاستثمار هذا الملف في سياق الصراع الداخلي بإسبانيا، عبر استهداف حكومة بيدرو سانشيز بالتنسيق مع اليمين واليمين المتطرف محلياً وأوروبياً”، مشيراً إلى أن “هذا التوجه يندرج ضمن ما يُعرف في الأدبيات السياسية الإسبانية بـ Acoso y derribo، وهو تعبير يشير إلى حملة منظمة من الحصار السياسي والمضايقة بهدف إسقاط الحكومة”، كما لفت إلى أن “إيطاليا كانت في مقدمة الأطراف التي تبنت هذا الطرح، رغم إدراكها خصوصية النظام الحدودي المعمول به في الثغرين المحتلين”.

وشدد الأكاديمي المغربي على أن “الوصول إلى سبتة لا يعني تلقائياً إمكانية العبور إلى باقي التراب الأوروبي، إذ يخضع القادمون إليها لإجراءات أمنية وجمركية صارمة، سواء عند التنقل بحراً نحو الضفة الأخرى أو عند محاولة دخول الأراضي الإسبانية، وهو ما يفند أي ادعاء بوجود عبور مباشر”، خالصاً إلى أن “تشدد بعض الحكومات، وفي مقدمتها حكومة جورجيا ميلوني، يعكس وجود تنسيق بين قوى اليمين المتطرف لتشديد التعامل مع الموضوع، في إطار مقاربة تتجاوز الاعتبارات التقنية المرتبطة بتدبير الحدود”.

حسابات لليمين

من جانبه قدّم أكاديمي مغربي بارز يتقلد مسؤوليات عليا في إسبانيا قراءة مغايرة لهذه التطورات، معتبراً أن ما يجري ينبغي فهمه في سياق الحسابات الحزبية الداخلية أكثر من كونه مرتبطاً بملف الهجرة ذاته، مورداً أن “معظم الأوروبيين يعلمون أن سبتة ومليلية تقعان جغرافياً في شمال إفريقيا وليس داخل القارة الأوروبية”.

وأضاف المصدر ذاته، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته التزاماً بداعي التحفظ الذي تفرضه مهامه الأكاديمية في شبه الجزيرة الإيبيرية، أن “المواقف الأوروبية تندرج ضمن حسابات قارية بين اليمين واليمين المتطرف؛ إذ يسعى الأخير إلى التمدد على حساب الحكومات التي لم تخضع بعد لهيمنته، كما هو الحال في مدريد”، مسجلاً أن “الأمر يأتي في إطار تنسيق يبدأ من إيطاليا بالتعاون مع حزب ‘فوكس’ الإسباني وباقي التشكيلات اليمينية”.

وأوضح المتحدث ذاته أن “المبادرة بهذا الموقف جاءت أساساً من رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، بالتنسيق مع الحزب المتطرف الإسباني وقوى سياسية أخرى تتبنى النهج نفسه، من بينها أحزاب في فنلندا”، مضيفاً أن “الحزب الاشتراكي الحاكم في الدنمارك يتبنى، عملياً، سياسات تصطف مع التوجهات المتشددة داخل الاتحاد، إذ لم يكتفِ بتشديد إجراءات احتجاز المهاجرين وترحيلهم، بل أقر أيضاً مقتضيات تتيح مصادرة أموالهم ومجوهراتهم بدعوى تغطية تكاليف الإعادة”.

ويرى المصرح لهسبريس أن “هذه التحركات تعكس بالأساس حسابات داخلية لفصائل اليمين المتطرف ومحاولة للضغط على أحزاب يمين الوسط، وفي مقدمتها ‘حزب الشعب الأوروبي’ (Partido Popular Europeo)”، مشيراً إلى أن “المسؤولين يدركون جيداً، من الناحية القانونية، أن المنظومة الأوروبية تميز بين الحدود الخارجية للاتحاد وحدود فضاء ‘شنغن’؛ إذ تمثل سبتة ومليلية حدوداً للاتحاد وليستا حدوداً للتحالف الحدودي، وهو ما يخرجهما من الإطار المعروض في هذا النقاش”.

وأكد الأكاديمي ذاته أن القضية استُغلت لاستنزاف حكومة بيدرو سانشيز سياسياً على خلفية مواقفها في عدد من الملفات الدولية والجيوسياسية، مستشهداً بتدخل رئيس الأرجنتين -رغم بعد بلاده الجغرافي عن الملف- حيث انسجمت تصريحاته مع هذا الطرح السياسي.

وخلص المصدر عينه إلى أن “هذه التحركات ترتبط أيضاً بالاستحقاقات السياسية المقبلة في إسبانيا، في ظل توقعات بالدعوة إلى انتخابات خلال شهر مارس المقبل، وهو معطى تستحضره مختلف الحكومات الأوروبية، في وقت يسعى التيار المتطرف إلى حشد مزيد من الدعم من القوى اليمينية في القارة”.

The post الهجرة الجماعية تفضح اليمين الإسباني وتكشف جهل أوروبا بجغرافية سبتة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress