النووي.. أو دوّامةٌ من الحروب

انقضت الأربعاء الماضي مهلةُ الـ15 يوما من وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، ورفضت طهران استئناف المفاوضات المباشِرة مع أمريكا في الموعد الذي حدّده الرئيس دونالد ترامب، ومع ذلك، أعلن تمديدا مفتوحا لوقف إطلاق النار.
القراءةُ الأولية لهذه المستجدّات هي أنّ أمريكا لن تستأنف الحرب على إيران في المدى المنظور، وستكتفي بتشديد الحصار البحري عليها ومنع ناقلات نفطها وسفنها التجارية من الخروج من مضيق هرمز، قصد تجفيف منابعها المالية، ومفاقمة أزمتها الاقتصادية والاجتماعية، أملا في إنهاكها تماما، ومن ثمّ، إجبارها على الرضوخ وتوقيع اتفاق إنهاء الحرب وفق الشروط والإملاءات الأمريكية، وفي مقدِّمتها التوقف نهائيًّا عن تخصيب اليورانيوم، وتسليم الكمية المُخصَّبة منه بدرجة نقاء 60 بالمائة إلى الولايات المتحدة.
والملاحَظ أنّ الإدارة الأمريكية لم تعُد تتحدَّث كثيرا عن الشرطين الآخرين وهما تخلّي طهران عن دعم حلفائها بالمنطقة وتدمير صواريخها متوسطة المدى التي يمكنها الوصولُ إلى الكيان الصهيوني بفلسطين المحتلة، وأصبحت تتشدَّد فقط في مسألة تخصيب اليورانيوم، وهذا تطوّرٌ ملحوظ في مسار المفاوضات، ومع ذلك لا يبدو أنّ إيران ستقبل التنازل عن برنامجها النووي وتفكيكَه وتسليم اليورانيوم المخصَّب بدرجة عالية لأمريكا كما فعل أمعمّر القذافي سنة 2004؛ إذ فكّك البرنامج النووي الليبي الواعد وشحنه على السفن إلى الولايات المتحدة بعد سنة واحدة من غزو العراق وإسقاط نظام صدّام حسين بذريعة ملفَّقة وهي امتلاكه أسلحة دمار شاملٍ.. وقد اعتقد القذافي آنذاك أنّ هذه الخطوة ستدرأ عن ليبيا خطر الغزو الأمريكي، وتحقَّقَ له ذلك بعض الوقت، لكنّ واشنطن لم تتردَّد في المشاركة مع طائرات الناتو في قصف ليبيا سنة 2011 ومساعدة معارضي القذافي على إسقاطه بالقوة، وبقيةُ المأساة معروفة.
انطلاقًا من التجربتين المريرتين لصدّام والقذافي، لا نعتقد أنّ إيران ستكرِّر الخطأ ذاته وتتنازل عن حقِّها في تخصيب اليورانيوم وتسلّم 460 كلغ من اليورانيوم عالي التخصيب إلى واشنطن وهي الكميةُ التي يمكنها بها صنع نحو 11 قنبلة ذرِّية.. والأرجح أنَّ ضرب إيران في جوان 2025 ثم خلال حرب الأربعين يومًا، سيدفعانها إلى التشبُّث أكثر ببرنامجها النووي وليس تفكيكه؛ فهو لم يعُد خيارًا الآن بل ضرورةٌ قصوى لتحقيق الرّدع وإجبار أمريكا وربيبها الصهيوني على وقف هذه السِّلسلة من الحروب التي تشنّانها عليها بين الفينة والأخرى، وفي كلِّ حربٍ تدمّران جانبًا من قدراتها العسكرية والمدنية وبنيتها التحتية وتقتلان المزيد من أبنائها ثم توقفانها وتغادران بضعة أشهر ثم تعودان لتدمير قدراتٍ أخرى وقتل آلافٍ آخرين.. فإلى متى تستمرُّ هذه الدوَّامة الجهنَّمية وتتعرَّض إيران إلى تدمير منهجي لمنشآتها من دون أن تتمكَّن من ردع الأعداء؟
لقد أثبتت الصواريخُ والمسيَّرات محدوديتها في ردع الأعداء، برغم كلِّ ما ألحقته بهم من دمار وخسائر غير متوقَّعة، ولا بدَّ من المرور إلى مرحلة السعي بكل إصرار وثبات إلى امتلاك السِّلاح النووي وأن تُسابق الزمن للحصول عليه أسوةً بكوريا الشمالية وغيرها، فذلك وحده ما يردع الأعداء، وإلا فإنَّ الولايات المتحدة والكيان الإجرامي سيشنَّان حربا ثالثة على إيران بعد أشهر أخرى من الآن وستكون الذريعة أنُّ الحصار البحري لم يُؤتِ أكُلَه وأنّها أعادت ترميم قُدراتها الصاروخية وأضحت أكثر تهديدا للكيان، وستتعرّض البلادُ إلى المزيد من الدمار والخراب والقتل، وتدخل في دوّامةٍ من الحروب على يدي هاتين القوتين اللتين تمارسان أقصى درجات الطغيان والجبروت والبغي من دون أن تجدا من يتصدّى لهما في هذا العالم ويوقفهما عند حدِّهما.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post النووي.. أو دوّامةٌ من الحروب appeared first on الشروق أونلاين.