“النهج الديمقراطي”: موجة العبور لسبتة تكشف أزمة انسداد سياسي واجتماعي غير مسبوقة

قال حزب “النهج الديمقراطي العمالي” إن يتابع بقلق بالغ وغضب عميق مشاهد النزوح الجماعي التي شهدتها وتشهدها مدينة الفنيدق في اتجاه مدينة سبتة المحتلة، حيث خاطر آلاف الشابات والشبان، ومن بينهم قاصرون، بحياتهم في محاولة للهروب من واقع اجتماعي وسياسي واقتصادي بلغ درجة غير مسبوقة من الأزمة و الانسداد.

وأكد الحزب في بيان لمكتبه السياسي، أن هذه المشاهد المؤلمة ليست حادثا عرضيا، ولا مجرد أزمة هجرة ظرفية، بل هي تعبير مكثف عن الأزمة البنيوية التي يعيشها المجتمع المغربي في ظل استمرار هيمنة نظام سياسي قائم على الاستبداد والفساد والريع والتبعية، وعاجز عن ضمان أبسط شروط العيش الكريم لغالبية الشعب.

 

واعتبر التنظيم اليساري أن هذا “النزوح الجماعي يمثل إدانة سياسية وأخلاقية للسياسات الطبقية السائدة التي راكمت الثروة والسلطة في يد أقلية مستفيدة، مقابل تعميم البطالة والفقر والهشاشة والتهميش في صفوف العمال والكادحين وصغار الفلاحين والشباب، وهو، في الآن نفسه، إعلان صريح عن إفلاس النموذج التنموي الرسمي، وعن فشل السياسات العمومية التي رُوج لها باعتبارها مدخلًا لتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، بينما لم تنتج سوى اتساع دائرة الفقر والفوارق الطبقية، واستفحال الريع والاحتكار، وتفاقم المديونية، وتآكل القدرة الشرائية، وتراجع الخدمات العمومية”.

وأضاف :” لقد أصبح الوطن، بالنسبة لآلاف الشباب، فضاء مغلقا في وجه أحلامهم، بعدما حُرموا من الحق في الشغل والتعليم والصحة والسكن والكرامة، وعندما يختار الإنسان المجازفة بحياته في البحر أو على الأسلاك الشائكة، فإن ذلك ليس بحثا عن الرفاه، بل هروبا من واقع فقد فيه الأمل، لذلك فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يُوجّه إلى الضحايا، بل إلى السياسات التي أنتجت هذا اليأس الجماعي”.

واعتبر الحزب أن هذا النزوح يأتي في لحظة سياسية دقيقة، بما يحمله من دلالات عميقة، إذ يعري زيف الخطاب الرسمي حول “الدولة الاجتماعية” و”النموذج التنموي”، ويكشف الهوة السحيقة بين المؤسسات الرسمية والجماهير الشعبية، كما يؤكد أن المؤسسات المنتخبة، والأحزاب الحكومية والإدارية، قد فشلت في تمثيل مصالح الشعب، وتحولت إلى أدوات لتدبير الأزمة وإعادة إنتاجها، بدل أن تكون أدوات للتغيير الديمقراطي.

وسجل أن الأحزاب التي تناوبت على تدبير الشأن العام، وقبلت الانخراط في تنفيذ السياسات النيوليبرالية، تتحمل مسؤولية سياسية في تعميق الأزمة الاجتماعية، بعدما وفرت الغطاء للهجوم على الحقوق والمكتسبات، وباركت خوصصة القطاعات العمومية، وشرعنت تغول الرأسمال الكبير، وتركت ملايين المغاربة يواجهون البطالة وغلاء المعيشة والتهميش دون حماية اجتماعية حقيقية.

وشدد الحزب على أن معالجة هذه المأساة بمنطق أمني لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاجها، فالقمع لا يصنع التنمية، ولا يبني الثقة، ولا يعيد الأمل، وعسكرة الحدود وتشديد المراقبة والتنسيق الأمني مع الاتحاد الأوروبي لن توقف الهجرة ما دامت أسبابها البنيوية قائمة، فالهجرة ليست جريمة، وإنما نتيجة مباشرة لسياسات اقتصادية واجتماعية أنتجت الإقصاء واليأس.

ورفض الحزب تحويل الشباب المغربي إلى ورقة في الحسابات الجيوسياسية بين الدولة المغربية والدولة الإسبانية والاتحاد الأوروبي، مؤكدا أن كرامة الشعب المغربي ليست موضوعا للمساومة، ولا يجوز أن تتحول معاناة الشباب إلى وسيلة لخدمة أجندات أمنية أو دبلوماسية، بينما تستمر الأسباب الحقيقية للنزوح دون معالجة.

وأشار أن هذه “المأساة تفرض مساءلة شاملة للكتلة الطبقية المسيطرة التي راكمت الثروات والامتيازات، ورسخت اقتصاد الريع والاحتكار، وأخضعت الاقتصاد الوطني لمنطق التبعية، وربطت مستقبل البلاد بإملاءات الرأسمال المالي الاحتكاري العالمي ومؤسساته، حيث أدى هذا الخيار إلى تفكيك الاقتصاد المنتج، وإضعاف السيادة الاقتصادية، وتحويل المغرب إلى سوق مفتوحة ومجال لتراكم الأرباح لفائدة أقلية نافذة، بينما تتحمل الأغلبية الشعبية كلفة الأزمة”.

وأكد حزب “النهج الديمقراطي العمالي” أن الوطن لا يمكن أن يُبنى بالدعاية الرسمية ولا بالمؤشرات المجردة، بل يُبنى حين يشعر المواطن بأن ثروات بلاده تعود عليه بالكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، أما حين تصبح الثروة محتكرة، والسلطة مركزة وقمعية، والقرار السياسي بعيدا عن الإرادة الشعبية، فإن الوطن يتحول إلى فضاء طارد لأبنائه”.

وأبرز أن الخروج من هذه الأزمة يقتضي بناء اقتصاد وطني منتج يخدم مصالح الأغلبية الشعبية، واسترجاع الدور الاجتماعي للدولة، ومحاربة الريع والاحتكار والفساد، وضمان الحق في الشغل والتعليم والصحة والسكن، وصيانة الحريات العامة والحقوق النقابية والسياسية، وإقامة دولة ديمقراطية فعلية تقوم على السيادة الشعبية والعدالة الاجتماعية.

وخلص الحزب إلى “أن ما جرى ويجري ليس مجرد أزمة هجرة، بل تعبير عن أزمة تاريخية يعيشها النظام القائم، وعن إفلاس نموذج سياسي واقتصادي غير قادر على إنتاج الأمل أو ضمان الاستقرار الاجتماعي، داعيا إلى مزيد من النضال من أجل بناء ميزان قوى شعبي قادر على فرض تغيير ديمقراطي جذري، يقطع مع الاستبداد والريع والفساد والتبعية، ويؤسس لمغرب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، حيث تكون الثروة الوطنية ملكًا للشعب، والسلطة خاضعة لإرادته، والتنمية في خدمة الإنسان لا في خدمة الربح والاحتكار.

اقرأ المقال كاملاً على لكم