"النهار" توجّه تحية للجسم الطبي والمسعفين في لبنان... منقذون وضحايا
أكثر من 100 طبيب ومسعف خسرهم لبنان من بداية تجدد الحرب في 2 آذار/مارس نتيجة الضربات الإسرائيلية على سيارات الإسعاف وعلى المراكز الصحية.
رغم التحديات والضغوط والمخاطر، يقفون دوماً في الصفوف الأمامية لتلبية النداء الإنساني، ولا يترددون أبداً في مواجهة الخطر أياً كان. في لبنان، تكررت التجارب التي أثبتوا فيها جدارة لا تضاهى وتحملوا ضغوطاً صعبة ولعبوا أدواراً بطولية في مختلف المناطق، وخصوصاً في المناطق المستهدفة وفي المناطق الحدودية حيث ترتفع مستويات الخطر.
بمناسبة عيد العمال، لا بد من تحية من يعملون بلا كلل متخطين المخاطر والتعب والتحديات لأداء الواجب.

في انفجار المرفأ...تجربة غير مسبوقة
في انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس 2020، لعب الأطباء والمسعفون دوراً أساسياً في مواجهة كارثة غير مسبوقة، وذلك وسط دمار لحق بالمستشفيات والمراكز الصحية والعيادات. إلا أن هول الكارثة لم يثنِ من يقفون دوماً في الصفوف الأمامية عن تلبية النداء، رغم صعوبة الظروف التي وجدوا فيها وحجم الضغوط النفسية والجسدية التي تعرضوا لها.
تشير الأرقام الصادرة عن نقابة الأطباء إلى أن قرابة 2000 طبيب تعرضوا آنذاك إلى إصابات جسدية، مع تدمير كلي أو جزئي لعياداتهم. كما أن 4 مستشفيات رئيسية في بيروت تضررت بشكل كبير ما أخرجها عن الخدمة وأرغم الطواقم الطبية والتمريضية على معالجة الجرحى في الممرات وحتى في الشوارع. ورغم الدمار والإصابات الكثيرة، تجنّد الأطباء والممرضون والمسعفون باندفاع قلّ مثيله أمام كل هذه التحديات، لإسعاف آلاف الجرحى وقد تخطى عددهم الـ6000 جريح. وقد سقط العديد من الأطباء والممرضين ضحايا هذه المأساة غير المسبوقة، إلا أن ذلك لم يمنع الطواقم الطبية والتمريضية من إظهار تفانٍ نادر لإنقاذ من يمكن إنقاذهم في ليلة مشؤومة شهدت البلاد فيها مجزرة حقيقية.
كذلك بالنسبة إلى المسعفين وفرق الإنقاذ الذين هرعوا بالمئات، خصوصاً الصليب الأحمر اللبناني والدفاع المدني ورجال الإطفاء وسط الأخطار لإسعاف المصابين، وقد نقلوا الجرحى إلى المستشفيات المكتظة وانتشلوا العالقين رغم الإمكانات المحدودة.
في تفجيرات البايجر...تحد من نوع آخر
تحد آخر غير مسبوق واجهه الأطباء والمسعفون في لبنان مع تفجيرات أجهزة البايجر في 17 و18 أيلول/سبتمبر التي أدت إلى مقتل 37 شخصاً وإصابة أكثر من 3250. ورغم هول المشاهد كون الإصابات تركزت كلها في الوجه والعيون والأيدي ما أدى إلى عمليات استئصال وبتر بأعداد كبيرة، تحمل الجسم الطبي والتمريضي الضغوط الهائلة خلال أيام متواصلة. تلك التجربة الصعبة والاستثنائية مع وصول أعداد كبيرة من الجرحى الذين تعرضوا إلى إصابات وصفها الأطباء بأنها غير مسبوقة، كانت اختباراً قاسياً لهم، لكنهم أظهروا استجابة سريعة وتماسكاً كبيراً رغم هول الإصابات وحجمها وما رافقها من ضغوط نفسية. كانت هناك استجابة فورية للنداء وأمضى الأطباء ساعات متواصلة في غرف العمليات لإجراء جراحات دقيقة ومعقدة لمئات المصابين وتعاملوا مع إصابات تختلف عن كل ما تدربوا عليه أو استعدوا له مع استئصال للعينين وبتر لليدين وغيرها من الإصابات المعقدة في الوجه والرأس والبطن.
في الحرب...صمود ومقاومة
خلال الحرب في عام 2024، ومع تصاعدها حالياً أظهر المسعفون والأطباء شجاعة استثنائية في مواجهة مخاطر أمنية واستهدافات مباشرة وتحديات غير مسبوقة. وقد تسبب القصف بمقتل أكثر من 100 طبيب ومسعف، إلى جانب خروج مستشفيات عديدة عن الخدمة، خصوصاً في جنوب لبنان. هذه التحديات لم تمنع المسعفين والأطباء من الاستمرار بأداء الواجب والوقوف في الصفوف الأمامية. فالمسعفون استمروا بفتح الطرق وانتشال الضحايا وإنقاذ المصابين رغم الخطر والإمكانات المحدودة. حتى إن الأطباء استمروا في أداء الواجب المهني والإنساني رغم ضغوط نفسية كبيرة نتجت من ظروف الحرب، ونزوح عائلات قسم منهم، وأنواع الإصابات التي تعاملوا معها على أثر القصف الإسرائيلي العنيف. ومنهم من أصر في المناطق الحدودية على الاستمرار بتقديم الرعاية الصحية والخدمات رغم الخطر رافضين إخلاء المراكز الصحية ما دام المواطنون متواجدين في هذه القرى، فلم يتخاذلوا يوماً.
في مناسبة عيد العمل، حرص نقيب الأطباء الدكتور الياس شلالا على التوجه برسالة تقدير إلى الأطباء داعياً إلى تذكر دورهم البطولي وتضحياتهم، لا في الحرب فحسب، إنما حتى خارج إطار الأزمات والحروب. ونوّه بأن من البديهي أن يقوم الطبيب بواجبه الانساني في أي وقت كان، مذكراً بحجم التضحيات التي قدمها الأطباء في تجارب قاسية عديدة، سواء في الحرب أم في كارثة انفجار مرفأ بيروت أم في تفجيرات البيجر.
وفي حديث إلى "النهار" أشار شلالا إلى أنه على أثر هذه التجارب الاستثنائية وجدارة الجسم الطبي في التعامل معها، جرى تواصل جهات طبية خارجية في فرنسا وغيرها مع النقابة للاستفادة من الخبرات اللبنانية في الكوارث والأزمات، بعد أن أثبت القطاع الصحي جدارة استثنائية تفوق فيها على أي من القطاعات الأخرى التي يتم التغني بها. هذا، وذكر بأن تضحيات الأطباء تمثل مقاومة وصموداً من نوع آخر وهي تستحق كل تقدير، خصوصاً أطباء الجنوب وقد خسر الجسم الطبي 3 منهم أخيراً في القصف.
إلى ذلك، أسف شلالا لأن الناس ينسون خارج الأزمات والحروب تضحيات الأطباء الذين يعملون في ظروف صعبة وتحت ضغوط صعبة الوصف ويثبتون جدارة استثنائية. فالضغط في لبنان غير موجود في أي بلد آخر، وصمود الجسم الطبي هو بمثابة العمود الفقري لأن أي انهيار فيه ينعكس سلباً على الناس عموماً. ولفت النظر إلى أن في الكوارث التي حصلت، تعاون الأطباء من مختلف الاختصاصات ولبوا النداء من دون تمييز رغم أنه لا يمكن لأي طبيب أياً كانت تجاربه ألا يتأثر نفسياً بالمشاهد القاسية التي نتجت من كل هذه التجارب غير المسبوقة. ويعود بالذاكرة إلى كارثة تفجيرات البيجر التي أجرى فيها عمليات استئصال وجراحات في العينين طوال 36 ساعة من دون راحة فمرض بعدها وانهار من شدة صعوبة هذه التجربة.