"النهار" ترصد شهادات من مجزرة تل: نتنياهو يخوض انتخاباته بتمكين المستوطنين
في الضفة الغربية، يبدو أن ما قبل مجزرة قرية تل لن يشبه ما بعدها.
في الطريق من القدس إلى قرية تل، بدا المشهد مختلفاً. الشوارع شبه خالية من السيارات الفلسطينية، في ظل ما بدا أنه حظر تجوال غير معلن على حركة الفلسطينيين. وعلى "الطريق 60"، الذي يربط القدس بمدن الضفة الغربية، كانت حركة الجيبات والآليات والجرافات العسكرية الإسرائيلية بمختلف أنواعها لافتة بكثافتها، وسط انتشار واسع لقوات الجيش الإسرائيلي عند المفترقات والمداخل المؤدية إلى البلدات والمدن الفلسطينية.
وبسبب الإغلاقات والحصار العسكري المشدد، استغرقت الرحلة إلى نابلس ثلاث ساعات و35 دقيقة، بعدما كانت لا تتجاوز 50 دقيقة في الأيام الأكثر هدوءاً.
ضحايا واعتقالات ومخططات استيطانية
تقع قرية تل جنوب غربي مدينة نابلس في الضفة الغربية، وتبلغ مساحة أراضيها 13776 دونماً، وتحيط بها أراضي رفيديا وصرة وعراق بورين ومادما وعصيرة القبلية وزيتا وفرعتا وجيت وأماتين والجُنيد، فيما يبلغ عدد سكانها نحو سبعة آلاف نسمة.
عند الدخول إلى القرية، بدت شوارعها هادئة يخيّم عليها الحزن والقلق. فما حدث عند الساعة السابعة والنصف من صباح يوم الجمعة الماضي، وأسفر عن مقتل أربعة فلسطينيين من أبناء العمومة، هم إبراهيم حسين علي رمضان صيفي، وجواد حسين علي رمضان صيفي، وفاروق عدنان علي رمضان صيفي، وعمران أحمد علي رمضان صيفي، جعل كثيرين يؤكدون أن ما قبل مجزرة تل لا يشبه ما بعدها، وأن تداعياتها قد تمتد إلى الضفة الغربية بأكملها.
فالهجوم الذي شنه نحو 30 مستوطناً، وقال الجيش الإسرائيلي إنهم "متنزهون"، فيما أكدت وسائل إعلام إسرائيلية أنهم كانوا مسلحين، استهدف منطقة سكنية بين منازل الأهالي.
وقُتل الشبان الأربعة برصاص الجيش والمستوطنين، وأصيب أربعة آخرون، عقب تصديهم للاقتحام، فيما قُتل ضابطان إسرائيليان أيضاً. ويقول أحد سكان القرية لـ"النهار": "بدأ الأمر بعراك بالأيدي بين الشبان والمستوطنين، ثم اعتدى أحد حراس المستوطنين على عمّ الشيخ فاروق، والد الشهيدين جواد وإبراهيم، وضربه بعقب البندقية فسقط أرضاً. وفي الوقت نفسه كان أحد المستوطنين يصوب سلاحه نحو رأس الشهيد جواد، وعندما حاول شقيقه إبراهيم مساعدته، أطلق المستوطنون والجيش النار. كل ما جرى كان دفاعاً عن النفس، والسبب الرئيسي لوجود أبناء العمومة في المنطقة أنهم هبّوا لحماية منازل أقاربهم".
بعد ذلك، اقتحمت القوات الإسرائيلية مستشفى نابلس التخصصي واعتقلت شقيقي اثنين من الضحايا، أحدهما كان مصاباً، فيما شهدت بلدات أخرى في الضفة هجمات نفذها مستوطنون، أسفرت عن إصابات وإحراق منازل وممتلكات.
وبحسب سكان القرية، اعتقل الجيش الإسرائيلي خلال الأيام الماضية أكثر من 100 فلسطيني، بينهم عدد من شهود العيان على الحادثة، بعدما احتل بناية قريبة من موقعها. وأُفرج عن معظمهم لاحقاً، فيما نُقل 22 معتقلاً إلى مراكز التحقيق.
عند وصول "النهار" إلى منزل الشيخ فاروق رمضان صيفي، كانت وحدات الهندسة في الجيش الإسرائيلي قد حضرت مرتين لأخذ قياسات المنزل، تمهيداً لهدمه، بعد قرار اتخذه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، فيما بدأت العائلة بالفعل بإخلائه ووضع الأثاث عند المدخل.

وتقول نعيمة (62 عاماً)، خالة الشيخ فاروق، لـ"النهار": "مجزرة تل لم تخلّف أربعة شهداء فقط، بل 12 طفلاً يتيماً، ثلاثة منهم لا تتجاوز أعمارهم عاماً واحداً، وأربع أرامل. ومع هدم المنزل سيُشرّد 18 فرداً من العائلة".
وتضيف: "لم نعش في حياتنا ظروفاً مليئة بالخوف والقلق كهذه. نطالب الحقوقيين في مختلف أنحاء العالم بمتابعة ظروف اعتقال عروة ومجد، بعدما اعتُقلا من مستشفى نابلس التخصصي، حيث كان عروة يتلقى العلاج. ومنذ ذلك اليوم لا نعرف عنهما شيئاً ولا المكان الذي اقتيدا إليه".
وتشير إلى أن مجد لم يكن موجوداً في القرية عند وقوع الحادثة، بل كان في مكان عمله في رام الله، ومع ذلك اعتُقل.
أما صفية (65 عاماً)، والدة الشيخ فاروق، فتقول لـ"النهار": "ابني لم يكن يوماً ناشطاً سياسياً ولا منخرطاً في أي تنظيم. خرجوا فقط لحماية منزل شقيقته وابنة خالته بعدما اقتحم المستوطنون المنطقة".
من جهته، يقول رئيس المجلس المحلي وليد زيدان لـ"النهار" إن ما جرى "زرع الخوف والرعب في نفوس الأهالي"، مشيراً إلى أن المستوطنين حاولوا دخول القرية مرات عدة، وأقاموا خيمة في موقع الحادث، ويستعدون لإقامة بؤرة استيطانية وأربع مستوطنات جديدة في تل والقرى المجاورة، بينها مادما وعصيرة القبلية وعورتا، فضلاً عن سرقة بقرتين من أحد المزارعين ومنع السكان من الاقتراب من المنطقة والبيوت الواقعة ضمن دائرة 200 متر.

هل تقترب الضفة من مرحلة أخطر؟
تناقلت وسائل إعلام إسرائيلية معلومات عن حالة تأهب في صفوف الجيش الإسرائيلي تحسباً لتصعيد في الضفة الغربية قد يؤدي إلى اتساع دائرة المواجهة. كما تسود مخاوف من تصاعد هجمات المستوطنين، التي وصفها جهاز الأمن العام الإسرائيلي "الشاباك" بـ"الإرهاب اليهودي"، مقابل خشية من تنفيذ فلسطينيين عمليات انتقامية، في ظل تقديرات أمنية إسرائيلية تربط ارتفاع عدد البؤر والمزارع الاستيطانية بتزايد المواجهات اليومية خلال الأسابيع الأخيرة.
في المقابل، يخشى الفلسطينيون أنه في ظل غياب أهداف عسكرية، ستتجه أي عملية للجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية ضد السكان المدنيين، لأن الواقع الحالي يختلف عن واقع الانتفاضتين الأولى والثانية. فقد فككت إسرائيل معظم البنى التحتية المسلحة، فيما تبدو القيادة الفلسطينية ضعيفة. وهنا يكمن الخطر؛ فالسلطة غير قادرة على قيادة انتفاضة، لكنها قد لا تكون قادرة أيضاً على وقفها إذا اندلعت.
لذلك، يُتوقع أن يتركز جزء كبير من النشاط العسكري الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في القرى والبلدات، حيث يواجهون أصلاً اعتداءات وعنفاً متصاعداً من قبل المستوطنين، وسط أوضاع اقتصادية صعبة ونسب بطالة مرتفعة، ومجتمع منهك جراء سنوات الاحتلال الطويلة وإجراءات سياسية تقييدية تمنعه من العيش بصورة طبيعية.
وهذا لا يعني بالضرورة أن الفلسطينيين مستعدون للقبول بالأمر الواقع. فالغضب موجود، والإذلال اليومي والعنف والاعتداء على الممتلكات يزيدانه، لكنه لم يتحول بعد إلى حراك منظم، بل إلى احتجاجات متنقلة. ويبقى الخطر الأكبر في استمرار غياب القيادة وانعدام الأفق السياسي، وعدم وجود جهة قادرة على كبح جماح المستوطنين مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية.

وقود انتخابات نتنياهو
يوضح المختص بالشأن الإسرائيلي نهرو جمهور لـ"النهار" أن ما يحدث "يمثل حسماً لملف الضفة الغربية على قاعدة ضم الأراضي وتهجير السكان، ويعكس إجماعاً إسرائيلياً على أن المشروع الاستيطاني بات الملف الأكثر مركزية".
ويضيف أن "الجماعات الاستيطانية قد تستغل أي تصعيد لتنفيذ عمليات تهجير واسعة أو ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق الفلسطينيين، باعتبارها فرصة قد لا تتكرر".
ويخلص إلى أن نتنياهو "نجح في تحويل الضفة الغربية إلى ساحة مواجهة رئيسية وعنوان انتخابي، يسعى من خلاله إلى تسويق إنجازات عسكرية، وجعل دماء الفلسطينيين جزءاً من حملته السياسية، مع وعود متكررة بتوسيع الاستيطان والتهجير".