النقوش في صحراء حِسمى السعودية… نافذة على تاريخ المسافرين
iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;} ربما من أبرز ما يميّز مواقع التواصل الاجتماعي القدرة على العثور على محتوى ذي قيمة ثقافية وأثرية حقيقية. ومن بين هذه المساحات، تبرز صفحة أشبه بكنزٍ مفتوح من النقوش والكتابات المنسيّة، يقف خلفها الباحث الميداني من أبناء منطقة تبوك إبراهيم بن منصور الحويطي، الذي كرّس سنوات من حياته لتتبّع النقوش العربية في صحراء حِسمى، وقراءتها، وتوثيقها، وإعادة الحياة إلى أصوات أصحابها بعد قرون من الصمت.
من خلال هذه المقابلة، نقترب من عالم النقوش في صحراء حِسمى، لا بوصفه مادة تاريخية جامدة، بل كسجلّ إنساني حيّ، يحمل أدعية المسافرين، وأسماءهم، ومخاوفهم، وطرائفهم، كما رآها وقرأها إبراهيم وقدّم لنا سرداً مباشراً للنقوش ووقائعها.
كيف كانت البدايات؟ وكيف بدأ اهتمامك بالبحث في النقوش؟
كانت بدايتي مع الرسوم والنقوش في وقت مبكر من حياتي. فبحكم زياراتي المتكررة لصحراء حِسمى، كنت أصادف العديد من الرسوم المنقوشة على الجبال. ومنذ صغري، أثارت هذه الرسوم والكتابات فضولي، ودفعتني إلى التساؤل عن تاريخ هذا المكان، وهويّة من خطّ هذه النقوش والرسوم، سواء أكانت عربية إسلامية أم أقدم، كالثمودية، ومن هم السكان الذين عاشوا هنا قديماً.
وعندما أنهيت دراستي وعدت إلى مدينتي، بدأت أتتبّع مواقع النقوش وأعمل على توثيقها على الخريطة، الأمر الذي أتاح لي تتبّع الطرق القديمة وتحديد الأماكن التي تكثر فيها النقوش. مكّنتني الاستعانة بأبحاث من سبقني من الباحثين من تكوين صورة أوضح لمسار الدرب المارّ بصحراء حِسمى، وتحديد أماكن توقّف القوافل، إذ تكثر النقوش والكتابات في هذه المواقع تحديداً.

وهنا تجدر الإشارة إلى وجود فرق واضح بين الرسوم المحلية التي تركها سكان الصحراء في الماضي السحيق، مثل الثموديين والقيداريين والأنباط، وبين الكتابات العربية الجاهلية والإسلامية، التي هي في الغالب كتابات لمسافرين مرّوا على الدرب الممتد عبر صحراء حِسمى من الحجاز إلى الشام ومصر، إذ تكاد هذه الكتابات تنعدم تماماً خارج مسار الدرب.
أما الرسوم والكتابات المحلية القديمة، كالثمودية والنبطية، فيتميّز انتشارها بالاتساع على طول صحراء حِسمى وعرضها، بل تظهر أحياناً في الكهوف والمضائق الواقعة بين الجبال الرملية، في عمق الصحراء.
هل ذُكرت هذه النقوش سابقاً على يد أحد الرحّالة؟
نعم، فقد زار صحراء حِسمى عدد من الرحّالة، كان من أبرزهم الرحّالة الإنجليزي جون فيلبي، الذي زار المنطقة مرتين.
كانت زيارته الأولى عام 1950م، وقد أشار خلالها إلى كثرة النقوش والكتابات عند مروره بمنطقة قاع بني مُرّ، حيث كتب واصفاً المكان: "بالقرب من آبار نَقْعِ بني مُرّ، التي لا تعدو كونها حُفَرَ مياهٍ موسميّة تحفظ كمّيّةً لا يمكن الوثوق بها من المياه، كانت توجد كتلةٌ جميلة المنظر من الصخر الرملي، فيها قوسٌ رائع يغطّي فجوةً كبيرة في طرفها الجنوبيّ، وكانت تبدو مكاناً مثاليّاً لنصب خيامنا فيه… وقد كانت جدران الكهف مغطّاةً بغزارة بما دوّنه الضيوف الذين تمتّعوا به من ذكريات على مدى ألفي عام قبلي".

أما زيارته الثانية، فكانت عام 1953م، وقد دوّن خلالها ملاحظاته عند مروره بجبل السفينة وقاع بني مُرّ في كتابه أرض مدين (Philby, H. St J., 1957. The Land of Midian). وجاء في وصفه:
"لقد كانت جوانب الصخرة الأربعة تغصّ — بكلّ ما في هذه الكلمة من معنى — بالنصوص الثمودية، بيد أنّه كان يوجد أيضاً بعض النصوص السبئية والنبطية، وعددٌ ضخمٌ حقّاً من النصوص العربية".
والصخرة التي يشير إليها هنا هي جبل السفينة الواقع بجانب قاع بني مُرّ، وهو منخفض تتجمّع فيه مياه الأودية القادمة من الجبال القريبة، ما جعله أحد مصادر المياه المهمة التي كانت تستوقف المسافرين على الدرب. ولذلك، غدت هذه البقعة من أكثر المواقع غزارةً بنقوش المسافرين وكتاباتهم.
صحراء حِسمى: "مكتبة العرب"
شكّلت صحراء حِسمى ممرّاً رئيسياً للمسافرين على دروب التجارة القديمة نحو الشام، ومنها إلى الحجاز وبقية مناطق الجزيرة العربية. وسكنها في فترات مختلفة عربٌ من الثموديين، ثم الأنباط من بعدهم. وقد أطلق بعض الباحثين على هذه الصحراء لقب "مكتبة العرب"، لما تحتويه من نقوش سبئية وثمودية ونبطية، إضافة إلى كتابات بالخط العربي الجَزْم (غير المنقوط). وقد جعلها هذا التنوّع مرجعاً مهماً لكل من يسعى إلى توثيق هذه الخطوط القديمة ودراستها وقراءتها.
ما النقوش المهمّة التي عثرتَ عليها؟
حتى الآن، كانت حصيلتي من النقوش المهمة وافرة، غير أنّ من أبرزها نقشاً يعود لأحد قادة الخليفة معاوية بن أبي سفيان، وهو سعيد بن عثمان بن عفّان، ابن الصحابي والخليفة الراشد عثمان بن عفّان، الذي تولّى إمارة خراسان.
وقد ورد في نصّ النقش: "أنا سعيد بن عثمان بن عفّان". ويُرجَّح أنّه مرّ بهذا الدرب أثناء زيارته الوحيدة للخليفة معاوية بن أبي سفيان، قادماً من المدينة المنوّرة.
هل وُجدت نقوش مؤرَّخة؟ وما أقدم نقش مؤرَّخ عثرتَ عليه؟
نعم، وُجد عدد كبير من النقوش المؤرَّخة، إذ يَختم كثير من النقّاشين نقوشهم بعبارة:
"وكتب سنة …"، وأحياناً يذكرون الشهر أيضاً.
وأقدم نقش مؤرَّخ عثرتُ عليه يعود إلى سنة ثمانين للهجرة، الموافق سنة 700م، ونصّه:
"اللهم صلِّ على محمد، وتقبّل شفاعته في أمّته، وارحمنا به في الآخرة كما رحمتنا به في الدنيا، وكتب بكر بن أبي بكرة الأسلمي تمام سنة ثمانين".
أما النقش الآخر، فهو من أجمل النقوش من حيث الخط والإتقان، وقد كان مؤرَّخاً بشهر شوّال سنة ستٍّ وتسعين للهجرة، الموافق شهر يونيو من سنة 715م، وجاء نصّه: "شهد فرقد بن نافع أنّه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله، وكتب في شوّال سنة ستٍّ وتسعين".

ما أكثر أمر غرابةً اكتشفته أو عثرتَ عليه؟
تُعدّ الغرابة في النقوش العربية أمراً نادراً، إذ إن معظمها يقتصر على ذكريات المسافرين، أو الأدعية، أو تسجيل الأسماء، من قبيل: "أنا فلان بن فلان".
غير أنّ من بين النقوش الغريبة والطريفة التي عثرتُ عليها أثناء بحثي نقشاً كُتب على جانب الطريق القديم، في وسط الصحراء، وتحديداً في ظلّ أحد الجبال التي اتُّخذت مستراحاً لإحدى القوافل القادمة من الشام أو المتّجهة إليها.
وكان النقش لرجل يُدعى مسلم بن شريك، ومن سياق عبارته يتّضح أنّه كان أمير القافلة. فقد نقش على جانب الجبل تعليمات لبقية أفراد القافلة عند تجهيز المائدة، وربما كان ذلك على سبيل المزاح، وجاء نصّ النقش:
"أنا أبو (تلولا)" مسلم بن شريك، آمُرُ ألّا يُرفَعَ لِغائب، ولا يُوقَظَ نائم، ومن لامَنا فهو أَلْوَم، ونصيبُ الغائبِ بَلْعُ لُعابه".
ويُعدّ هذا النقش من أندر النقوش الطريفة التي اكتُشفت على الدرب، لما يحمله من روح يومية ساخرة تعكس جانباً إنسانياً وحميمياً من حياة المسافرين في تلك الأزمنة.
ما أكثر نقش تأثيراً فيك؟
من النقوش التي لامست قلبي وأثّرت فيّ كثيراً نقشٌ كتبه أحد المسافرين في القرن الأوّل الهجري، استناداً إلى الخط المستخدم في كتابته، وهو خطّ الجَزم. وكان النقش عبارة عن دعاء للنفس ورثاءٍ لها، كُتب بعد طول عمرٍ واستشعارٍ لقرب الأجل.
وجاء نصّ النقش:
"ربِّ اغفر لمن كبُر ذنبه، وطال أمله، واقترب أجله، وضعُف عمله.
يا ربّ، عُد بحِلمك على جهله، وبمغفرتك على ظلمه لنفسه". وهو نقش يختصر لحظة إنسانية صادقة، تتجاوز الزمن، وتضع القارئ أمام ضعف الإنسان ورجائه في آنٍ واحد.
إذا وُجدت نقوش غير واضحة، كالحروف أو النقاط، فكيف تُفسَّر؟
تتم قراءة النقوش وفهمها بالاعتماد على السياق العام للنص، إذ يجري تحديد الحروف والكلمات من خلال موقعها ومعناها ضمن الجملة. ومع تراكم الخبرة وكثرة الاطلاع على النقوش، تصبح عملية القراءة أسهل، خاصة أن هناك كلمات وعبارات تتكرر كثيرًا، مثل كلمة "أنا" التي تسبق غالباً أسماء الأشخاص، وعبارة "أسأل الله"، إضافة إلى أسماء شائعة مثل عمرو، وعمر، وخالد، وعثمان، وغيرها من الأسماء المتكررة.
أما أكثر ما يواجهني من صعوبة أثناء قراءة النقوش غير المنقوطة، فهو غياب الوضوح نتيجة عوامل التعرية، أو وجود نقص في النص بسبب تكسّر جزء من الصخرة التي كُتب عليها النقش، أو مصادفة كلمة لم يسبق لي الاطلاع عليها من قبل.
وفي مثل هذه الحالات، يُستعان ببعض الخبراء المتخصّصين في الخط العربي القديم، وتحديداً خط الجَزم، حيث يُعرض عليهم النقش للمساعدة في قراءته وتفسيره بدقّة.
من خلال هذه المقابلة، نقترب من عالم النقوش في صحراء حِسمى، لا بوصفه مادة تاريخية جامدة، بل كسجلّ إنساني حيّ، يحمل أدعية المسافرين، وأسماءهم، ومخاوفهم، وطرائفهم، كما رآها وقرأها إبراهيم وقدّم لنا سرداً مباشراً للنقوش ووقائعها.
كيف كانت البدايات؟ وكيف بدأ اهتمامك بالبحث في النقوش؟
كانت بدايتي مع الرسوم والنقوش في وقت مبكر من حياتي. فبحكم زياراتي المتكررة لصحراء حِسمى، كنت أصادف العديد من الرسوم المنقوشة على الجبال. ومنذ صغري، أثارت هذه الرسوم والكتابات فضولي، ودفعتني إلى التساؤل عن تاريخ هذا المكان، وهويّة من خطّ هذه النقوش والرسوم، سواء أكانت عربية إسلامية أم أقدم، كالثمودية، ومن هم السكان الذين عاشوا هنا قديماً.
وعندما أنهيت دراستي وعدت إلى مدينتي، بدأت أتتبّع مواقع النقوش وأعمل على توثيقها على الخريطة، الأمر الذي أتاح لي تتبّع الطرق القديمة وتحديد الأماكن التي تكثر فيها النقوش. مكّنتني الاستعانة بأبحاث من سبقني من الباحثين من تكوين صورة أوضح لمسار الدرب المارّ بصحراء حِسمى، وتحديد أماكن توقّف القوافل، إذ تكثر النقوش والكتابات في هذه المواقع تحديداً.

وهنا تجدر الإشارة إلى وجود فرق واضح بين الرسوم المحلية التي تركها سكان الصحراء في الماضي السحيق، مثل الثموديين والقيداريين والأنباط، وبين الكتابات العربية الجاهلية والإسلامية، التي هي في الغالب كتابات لمسافرين مرّوا على الدرب الممتد عبر صحراء حِسمى من الحجاز إلى الشام ومصر، إذ تكاد هذه الكتابات تنعدم تماماً خارج مسار الدرب.
أما الرسوم والكتابات المحلية القديمة، كالثمودية والنبطية، فيتميّز انتشارها بالاتساع على طول صحراء حِسمى وعرضها، بل تظهر أحياناً في الكهوف والمضائق الواقعة بين الجبال الرملية، في عمق الصحراء.
هل ذُكرت هذه النقوش سابقاً على يد أحد الرحّالة؟
نعم، فقد زار صحراء حِسمى عدد من الرحّالة، كان من أبرزهم الرحّالة الإنجليزي جون فيلبي، الذي زار المنطقة مرتين.
كانت زيارته الأولى عام 1950م، وقد أشار خلالها إلى كثرة النقوش والكتابات عند مروره بمنطقة قاع بني مُرّ، حيث كتب واصفاً المكان: "بالقرب من آبار نَقْعِ بني مُرّ، التي لا تعدو كونها حُفَرَ مياهٍ موسميّة تحفظ كمّيّةً لا يمكن الوثوق بها من المياه، كانت توجد كتلةٌ جميلة المنظر من الصخر الرملي، فيها قوسٌ رائع يغطّي فجوةً كبيرة في طرفها الجنوبيّ، وكانت تبدو مكاناً مثاليّاً لنصب خيامنا فيه… وقد كانت جدران الكهف مغطّاةً بغزارة بما دوّنه الضيوف الذين تمتّعوا به من ذكريات على مدى ألفي عام قبلي".

أما زيارته الثانية، فكانت عام 1953م، وقد دوّن خلالها ملاحظاته عند مروره بجبل السفينة وقاع بني مُرّ في كتابه أرض مدين (Philby, H. St J., 1957. The Land of Midian). وجاء في وصفه:
"لقد كانت جوانب الصخرة الأربعة تغصّ — بكلّ ما في هذه الكلمة من معنى — بالنصوص الثمودية، بيد أنّه كان يوجد أيضاً بعض النصوص السبئية والنبطية، وعددٌ ضخمٌ حقّاً من النصوص العربية".
والصخرة التي يشير إليها هنا هي جبل السفينة الواقع بجانب قاع بني مُرّ، وهو منخفض تتجمّع فيه مياه الأودية القادمة من الجبال القريبة، ما جعله أحد مصادر المياه المهمة التي كانت تستوقف المسافرين على الدرب. ولذلك، غدت هذه البقعة من أكثر المواقع غزارةً بنقوش المسافرين وكتاباتهم.
صحراء حِسمى: "مكتبة العرب"
شكّلت صحراء حِسمى ممرّاً رئيسياً للمسافرين على دروب التجارة القديمة نحو الشام، ومنها إلى الحجاز وبقية مناطق الجزيرة العربية. وسكنها في فترات مختلفة عربٌ من الثموديين، ثم الأنباط من بعدهم. وقد أطلق بعض الباحثين على هذه الصحراء لقب "مكتبة العرب"، لما تحتويه من نقوش سبئية وثمودية ونبطية، إضافة إلى كتابات بالخط العربي الجَزْم (غير المنقوط). وقد جعلها هذا التنوّع مرجعاً مهماً لكل من يسعى إلى توثيق هذه الخطوط القديمة ودراستها وقراءتها.
ما النقوش المهمّة التي عثرتَ عليها؟
حتى الآن، كانت حصيلتي من النقوش المهمة وافرة، غير أنّ من أبرزها نقشاً يعود لأحد قادة الخليفة معاوية بن أبي سفيان، وهو سعيد بن عثمان بن عفّان، ابن الصحابي والخليفة الراشد عثمان بن عفّان، الذي تولّى إمارة خراسان.
وقد ورد في نصّ النقش: "أنا سعيد بن عثمان بن عفّان". ويُرجَّح أنّه مرّ بهذا الدرب أثناء زيارته الوحيدة للخليفة معاوية بن أبي سفيان، قادماً من المدينة المنوّرة.
هل وُجدت نقوش مؤرَّخة؟ وما أقدم نقش مؤرَّخ عثرتَ عليه؟
نعم، وُجد عدد كبير من النقوش المؤرَّخة، إذ يَختم كثير من النقّاشين نقوشهم بعبارة:
"وكتب سنة …"، وأحياناً يذكرون الشهر أيضاً.
وأقدم نقش مؤرَّخ عثرتُ عليه يعود إلى سنة ثمانين للهجرة، الموافق سنة 700م، ونصّه:
"اللهم صلِّ على محمد، وتقبّل شفاعته في أمّته، وارحمنا به في الآخرة كما رحمتنا به في الدنيا، وكتب بكر بن أبي بكرة الأسلمي تمام سنة ثمانين".
أما النقش الآخر، فهو من أجمل النقوش من حيث الخط والإتقان، وقد كان مؤرَّخاً بشهر شوّال سنة ستٍّ وتسعين للهجرة، الموافق شهر يونيو من سنة 715م، وجاء نصّه: "شهد فرقد بن نافع أنّه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله، وكتب في شوّال سنة ستٍّ وتسعين".

ما أكثر أمر غرابةً اكتشفته أو عثرتَ عليه؟
تُعدّ الغرابة في النقوش العربية أمراً نادراً، إذ إن معظمها يقتصر على ذكريات المسافرين، أو الأدعية، أو تسجيل الأسماء، من قبيل: "أنا فلان بن فلان".
غير أنّ من بين النقوش الغريبة والطريفة التي عثرتُ عليها أثناء بحثي نقشاً كُتب على جانب الطريق القديم، في وسط الصحراء، وتحديداً في ظلّ أحد الجبال التي اتُّخذت مستراحاً لإحدى القوافل القادمة من الشام أو المتّجهة إليها.
وكان النقش لرجل يُدعى مسلم بن شريك، ومن سياق عبارته يتّضح أنّه كان أمير القافلة. فقد نقش على جانب الجبل تعليمات لبقية أفراد القافلة عند تجهيز المائدة، وربما كان ذلك على سبيل المزاح، وجاء نصّ النقش:
"أنا أبو (تلولا)" مسلم بن شريك، آمُرُ ألّا يُرفَعَ لِغائب، ولا يُوقَظَ نائم، ومن لامَنا فهو أَلْوَم، ونصيبُ الغائبِ بَلْعُ لُعابه".
ويُعدّ هذا النقش من أندر النقوش الطريفة التي اكتُشفت على الدرب، لما يحمله من روح يومية ساخرة تعكس جانباً إنسانياً وحميمياً من حياة المسافرين في تلك الأزمنة.
ما أكثر نقش تأثيراً فيك؟
من النقوش التي لامست قلبي وأثّرت فيّ كثيراً نقشٌ كتبه أحد المسافرين في القرن الأوّل الهجري، استناداً إلى الخط المستخدم في كتابته، وهو خطّ الجَزم. وكان النقش عبارة عن دعاء للنفس ورثاءٍ لها، كُتب بعد طول عمرٍ واستشعارٍ لقرب الأجل.
وجاء نصّ النقش:
"ربِّ اغفر لمن كبُر ذنبه، وطال أمله، واقترب أجله، وضعُف عمله.
يا ربّ، عُد بحِلمك على جهله، وبمغفرتك على ظلمه لنفسه". وهو نقش يختصر لحظة إنسانية صادقة، تتجاوز الزمن، وتضع القارئ أمام ضعف الإنسان ورجائه في آنٍ واحد.
إذا وُجدت نقوش غير واضحة، كالحروف أو النقاط، فكيف تُفسَّر؟
تتم قراءة النقوش وفهمها بالاعتماد على السياق العام للنص، إذ يجري تحديد الحروف والكلمات من خلال موقعها ومعناها ضمن الجملة. ومع تراكم الخبرة وكثرة الاطلاع على النقوش، تصبح عملية القراءة أسهل، خاصة أن هناك كلمات وعبارات تتكرر كثيرًا، مثل كلمة "أنا" التي تسبق غالباً أسماء الأشخاص، وعبارة "أسأل الله"، إضافة إلى أسماء شائعة مثل عمرو، وعمر، وخالد، وعثمان، وغيرها من الأسماء المتكررة.
أما أكثر ما يواجهني من صعوبة أثناء قراءة النقوش غير المنقوطة، فهو غياب الوضوح نتيجة عوامل التعرية، أو وجود نقص في النص بسبب تكسّر جزء من الصخرة التي كُتب عليها النقش، أو مصادفة كلمة لم يسبق لي الاطلاع عليها من قبل.
وفي مثل هذه الحالات، يُستعان ببعض الخبراء المتخصّصين في الخط العربي القديم، وتحديداً خط الجَزم، حيث يُعرض عليهم النقش للمساعدة في قراءته وتفسيره بدقّة.