النفط يصعد على وقع التوترات... والذهب يتراجع تحت ضغط الفائدة: الاقتصاد العالمي أمام مواجهة جديدة
عاد الاقتصاد العالمي مطلع الأسبوع إلى مواجهة مزيجٍ معقّد من المخاطر، يجمع بين تجدد التوترات الإيرانية–الإسرائيلية وتزايد رهانات الأسواق على تشديد السياسة النقدية الأميركية، في وقت تشهد فيه أسعار النفط والذهب تحركات متباينة تعكس حالة عدم اليقين التي تسيطر على المستثمرين.
النفط: المخاطر الجيوسياسية تدفع الأسعار إلى الارتفاع
تشهد سوق النفط مرحلةً حساسة مع استمرار المخاوف المرتبطة بالإمدادات العالمية. فقد ارتفعت الأسعار خلال الأيام الأخيرة مدفوعة بتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، ما أعاد علاوة المخاطر الجيوسياسية إلى السوق النفطية. وسجل خام برنت نحو 98 دولاراً للبرميل، محققاً ارتفاعاً قوياً بلغت نسبته 4.52%، وسط توقعات بمزيد من الارتفاع بعدما جدّد الحوثيون تهديداتهم بعرقلة الملاحة في مضيق باب المندب.

وتشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن تراجع المخزونات العالمية واستمرار الضغوط على الإمدادات، سيبقيان أسعار خام برنت عند مستويات مرتفعة مقارنة بمتوسطات الأعوام السابقة.
وفي المقابل، تحاول مجموعة "أوبك+" احتواء تقلبات السوق عبر زيادة تدريجية في الإنتاج، إذ وافقت دول منتجة عدة على رفع الإمدادات بنحو 188 ألف برميل يومياً اعتباراً من الصيف الحالي، في خطوة تهدف إلى تحقيق التوازن بين المحافظة على الأسعار وتلبية الطلب العالمي.
لكن الصورة ليست موحّدة بين المؤسسات الدولية؛ فبينما لا تزال منظمة "أوبك" تتوقع نمواً في الطلب العالمي على النفط خلال عام 2026، فقد خفّضت تقديراتها السابقة نتيجة تباطؤ النشاط الاقتصادي وارتفاع أسعار الطاقة. أما وكالة الطاقة الدولية (IEA)، فتتوقع تباطؤ نمو الطلب مقارنةً بالتقديرات السابقة بسبب تأثير الأسعار المرتفعة على الاستهلاك العالمي.
الذهب: الملاذ الآمن يتعرض لضغوط الفائدة
على رغم استمرار العوامل الداعمة للذهب على المدى الطويل، شهد المعدن الأصفر تراجعاً خلال جلسات التداول الأخيرة مع تصاعد التوقعات بأن يرفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة خلال العام الجاري.
وانخفض الذهب إلى أدنى مستوياته منذ أكثر من شهرين، متراجعاً بنحو 4.1% خلال الفترة المعروضة، بما يعادل نحو 205 دولارات للأونصة. وبعد أن تداول بالقرب من 4490 دولاراً للأونصة خلال الأسبوع الماضي، هبط بصورةٍ حادة ليسجل نحو 4285 دولاراً للأونصة، متأثراً بتجدد التوترات في الشرق الأوسط، إلى جانب تعزيز تقرير الوظائف الأميركي القوي رهانات الأسواق على تشديد السياسة النقدية. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع الدولار الأميركي وزيادة جاذبية الأصول المدرة للعائد مقارنةً بالمعدن الذي لا يحقق عائداً دورياً.
ورغم هذا التراجع، لا تزال العوامل الهيكلية الداعمة للذهب قائمة، وفي مقدمها استمرار مشتريات البنوك المركزية حول العالم، وزيادة الطلب الاستثماري على السبائك وصناديق الاستثمار المتداولة، إضافة إلى استمرار المخاطر الجيوسياسية المرتفعة.
وتشير بيانات مجلس الذهب العالمي إلى أن الطلب العالمي على الذهب سجل مستويات قياسية من حيث القيمة خلال الربع الأول من عام 2026. كما أفاد البنك المركزي الأوروبي بأن الذهب أصبح يحتل موقعاً أكثر أهمية في احتياطيات البنوك المركزية العالمية، في مؤشر على استمرار التوجه نحو تنويع الاحتياطيات بعيداً من بعض الأصول التقليدية.
الاقتصاد العالمي: نمو مستمر ولكن بوتيرة أكثر هشاشة
اقتصادياً، لا تزال الولايات المتحدة تُظهر متانةً لافتة بفضل قوة سوق العمل واستمرار الإنفاق الاستهلاكي، وهو ما دفع الأسواق إلى إعادة تسعير توقعاتها بشأن أسعار الفائدة الأميركية. وتسببت هذه المعطيات بارتفاع الدولار إلى أعلى مستوياته منذ نحو شهرين، بالتزامن مع تراجع أسواق الأسهم العالمية. في وقت زادت فيه التوترات الجيوسياسية من الطلب على العملة الأميركية باعتبارها ملاذاً آمناً للمستثمرين.
فيما تراجع اليورو إلى 1.1507 دولار، وهو أدنى مستوى له خلال الفترة نفسها. كما هبط الجنيه الإسترليني إلى أدنى مستوى له في ثلاثة أسابيع عند 1.33165 دولار.
في المقابل، واصل الين الياباني تراجعه إلى 160.33 يناً للدولار، مقترباً مجدداً من المستويات التي دفعت السلطات اليابانية إلى التدخل في سوق الصرف الشهر الماضي. وكانت طوكيو قد أنفقت 11.7 تريليون ين (73.01 مليار دولار) لدعم العملة.
في المقابل، تواجه الاقتصادات الأوروبية والآسيوية تحدياتٍ إضافية نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة، الأمر الذي يهدد بعودة الضغوط التضخمية التي بدأت بالتراجع خلال الأشهر الماضية. كما أن استمرار ارتفاع أسعار النفط قد ينعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج والنقل وأسعار المستهلكين عالمياً.
أما أسواق الأسهم، فتشهد موجةً من التقلبات مع تراجع شهية المخاطرة، خصوصاً في أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي التي كانت المحرك الرئيسي للصعود خلال الأشهر الماضية. ويأتي ذلك وسط مخاوف من أن تؤدي الفائدة المرتفعة لمدة أطول إلى الضغط على تقييمات الشركات وإبطاء وتيرة النمو الاقتصادي العالمي.
ماذا تراقب الأسواق حالياً؟
تركز الأسواق العالمية حالياً على ثلاثة ملفات رئيسية:
تطورات التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وانعكاساتها على إمدادات الطاقة.
قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي ومسار أسعار الفائدة.
قدرة الاقتصاد العالمي على مواصلة النمو في ظل ارتفاع تكاليف التمويل والطاقة.
وفي المحصلة، ووفق هذه المعطيات، يبدو أن النصف الثاني من عام 2026 سيكون محكوماً بمعادلة دقيقة: نفط مرتفع بفعل المخاطر الجيوسياسية، وذهب مدعوم بالمخاوف العالمية لكنه مقيد بارتفاع أسعار الفائدة، واقتصاد عالمي يواصل النمو، ولكن تحت ضغوط متزايدة من التضخم وارتفاع تكلفة التمويل.