النظام الجزائري يواجه اتهامات بتغذية التوتر في أرجاء الساحل والصحراء
لم يعد المشهد الأمني والسياسي في منطقة الساحل والصحراء، وفق مهتمين، مجرد انعكاس لأزمات داخلية معزولة؛ بل أضحى تعبيرا عن خلل بنيوي عميق في تشكل الدول في المنطقة إثر تعدد الفواعل، خاصة الأجانب. وقد برز في مالي، على سبيل المثال، تحالف بين الحركات الانفصالية والجماعات الإرهابية التي تتغذى على الشروط نفسها لخلق واقع جديد قائم على تقويض الوحدة الترابية للدولة وتهديد الأمن الإقليمي عبر صناعة بؤر سوداء للإرهاب في المنطقة.
ويؤكد خبراء تحدثوا لهسبريس حول التقاطع بين الإرهاب والانفصال في المنطقة وتأثيره على أمن القارة الإفريقي، خاصة المنطقة الشمالية، أن ترسيخ هذا التقاطع في مالي من لدن أطراف إقليمية يتقدمها النظام الجزائري لا يهدد استقرار هذه الدولة فحسب؛ بل يمتد ليشمل شمال إفريقيا، التي أصبحت أمام تحديات أمنية متصاعدة نتيجة انتقال هذه الديناميات عبر الحدود، بما يجعل من الانفصال مدخلا عمليا لتوسع الإرهاب وترسيخ حضوره في المنطقة.
قال لحسن أقرطيط، الباحث المختص في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية، إن “الوضع الراهن في القارة الإفريقية تحكمه بالدرجة الأولى مسببات تاريخية، تكمن في عدم بناء دول القارة على أسس من الاستقرار السياسي والمؤسساتي، إذ أدت ظاهرة الانقلابات المتكررة إلى زعزعة كيان الدول وهدم استقرارها”.
كما أشار أقرطيط، أيضا، إلى “إخفاق الانتقال الديمقراطي في القارة؛ مما جعل الممارسة السياسية والتقاليد الديمقراطية شبه غائبة، وفسح المجال لتدخل أجندات أجنبية وجيوسياسية ساهمت في إضعاف بنيان الدول الإفريقية”.
وأوضح الباحث المختص في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية، في تصريح لهسبريس، أن “هذا الضعف المؤسساتي مهّد الطريق لانتشار الظواهر الانفصالية، وحوّل منطقة الساحل والصحراء الكبرى إلى مركز ثقل استراتيجي للمنظمات الإرهابية والكيانات غير الدولاتية”.
ولفت المتحدث ذاته إلى أن “تمركز تنظيم ‘داعش’ وغيره من التنظيمات الإرهابية في المنطقة جاء نتيجة لوضعية اقتصادية واجتماعية كارثية خلفتها السياسات النيو-كولونيالية، مضافا إليها هشاشة الدولة الناتجة عن الانقلابات؛ مما جعل هذه الدول لقمة سائغة أمام شبكات الإجرام والمنظمات الإرهابية والحركات الانفصالية التي تشترك جميعها في هدف واحد، وهو تفكيك وإضعاف الدولة الوطنية”.
وتابع أقرطيط: “التحدي الأكبر الذي يواجه إفريقيا اليوم هو العجز عن ممارسة السيادة الفعلية على الأرض والساكنة، على غرار الوضع في مالي حيث تسيطر جماعات مسلحة على مساحات جغرافية خاصة في الشمال، مؤكدا أن “الجزائر لعبت دور مزعزع للاستقرار من خلال توفير غطاء عسكري للإرهابيين، والتي اتهمتها السلطات المالية في أكثر من مناسبة بمنح عمق استراتيجي لهذه الجماعات، مستغلة البيئة الأمنية الضعيفة لتنفيذ أجندات معينة في المنطقة”.
من جهته، أوضح عبد الفتاح الفاتيحي، مدير مركز الصحراء وإفريقيا للدراسات الاستراتيجية، أن “الواقع الراهن في مالي يشير بوضوح إلى أن الأطراف التي تملك مصلحة حقيقية في تقويض النظام العسكري القائم هي ذاتها الجهات التي تتبنى النزعات الانفصالية؛ وفي طليعتها الجزائر التي تعتبر هي المنسق والداعم الرئيس لتوجيه هذه الأحداث”.
وأبرز الفاتيحي، في تصريح لهسبريس، أن “هذا الطرح يستند إلى معطيات تاريخية تؤكد عمق الروابط بين الجزائر وبين ‘جبهة تحرير أزواد’ ذات التوجه الانفصالي؛ وهو ما يفسر موقفها الحالي الذي يبدو كدعم مباشر لهذه التحركات، نكاية في المجلس العسكري المالي”.
وذكر مدير مركز الصحراء وإفريقيا للدراسات الاستراتيجية أن “هذا الدور الجزائري يتجاوز مجرد الدعم السياسي ليصل إلى التنسيق مع جماعات متطرفة مثل ‘جماعة نصرة الإسلام والمسلمين’ التابعة للقاعدة؛ وهو أمر تعززه الاتهامات الرسمية المتكررة من قيادات مالي للجزائر باستهداف سيادة الدول ووحدتها الترابية”.
واعتبر المصرح عينه أن “هذا النهج قد يرتد سلبا على الجزائر نفسها عبر إذكاء الحركات الانفصالية داخل حدودها، دون أن ننسى أن الدافع وراء هذا التصعيد الجزائري ضد باماكو هو التحول الاستراتيجي في سياسة مالي، التي سحبت اعترافها بـ’جبهة البوليساريو’ واتجهت نحو تعزيز التعاون العسكري والاقتصادي مع المغرب”.
وشدد الفاتيحي على أن “منطقتي شمال إفريقيا والساحل تواجهان اليوم تهديدات أمنية جسيمة بسبب تحول دولة كان من المفترض أن تكون شريكا في مكافحة الإرهاب إلى محور لدعم الجماعات الانفصالية والجريمة المنظمة”، مبرزا أن “الجماعات الإرهابية تستغل هذه النعرات الانفصالية كـ’تكتيك’ أولي للسيطرة على مساحات جغرافية تمكنها من إقامة مشروع ‘الإمارة الإسلامية’ وفق رؤيتها المتطرفة، ليكون الانفصال بذلك هو البوابة والمدخل الأساسي لبسط النفوذ”.
The post النظام الجزائري يواجه اتهامات بتغذية التوتر في أرجاء الساحل والصحراء appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.