الناظمة للكهرباء بين إرث التعطيل والانطلاق المتعثر: خطة لإعادة هيكلة القطاع وفتح باب الاستثمار
شكل تعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، بعد أكثر من عقدين على إقرار القانون 462، خطوة طال انتظارها في مسار إصلاح القطاع الذي عانى طويلا من غياب التنظيم المستقل، ومن احتكار مؤسسة كهرباء لبنان مختلف حلقات الإنتاج والنقل والتوزيع. إلا أن انطلاقة الهيئة لم تكن سهلة، إذ ولدت في ظروف إدارية ومالية صعبة، عكست استمرار التعقيدات التي رافقت مسار إصلاح الكهرباء منذ سنوات.
وتأتي أهمية الهيئة من كونها تشكل أحد الأعمدة الأساسية للانتقال من نموذج قائم على الإدارة المركزية والاحتكار إلى نموذج جديد يفصل بين أنشطة الإنتاج والنقل والتوزيع، ويحدد دور الدولة كمنظم ومالك للبنى التحتية الاستراتيجية، مع فتح المجال أمام مشاركة القطاع الخاص ضمن ضوابط قانونية ورقابية واضحة.

ويمثل إنشاء الهيئة خطوة أساسية في مسار إصلاح قطاع الكهرباء، رغم أن انطلاقتها جاءت وسط ظروف استثنائية أعاقت بناءها المؤسسي. إلا أن العمل الذي أنجزته حتى الآن وضع الأسس التنظيمية للانتقال إلى نموذج جديد يقوم على فصل الأنشطة، وتعزيز دور الدولة كمنظم ومالك للبنى الاستراتيجية، وإشراك القطاع الخاص في الإنتاج والاستثمار ضمن إطار رقابي واضح.
هيئة ولدت في ظروف استثنائية
واجهت الهيئة الناظمة منذ بداية عملها تحديات أساسية، إذ بدأت نشاطها من دون جهاز إداري أو هيكل بشري أو مقر رسمي، ما دفع أعضاءها إلى توزيع المسؤوليات في ما بينهم، في انتظار بناء الجهاز التنفيذي القادر على مواكبة حجم المهام المطلوبة.
كما شكل الجانب المالي عائقا إضافيا أمام انطلاقتها، في ظل تأخر صرف المخصصات المرصودة لها، وعدم حصول الأعضاء على مستحقاتهم المالية منذ أشهر، بما حد من قدرتها على استكمال تشكيل فريق العمل وتأمين المتطلبات التشغيلية الأساسية.

ورغم هذه التحديات، واصلت عملها بالتعاون مع الجهات الدولية الداعمة، ولا سيما البنك الدولي، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، ومؤسسة التمويل الدولية، وتمكنت من إنجاز عدد من الملفات التي تشكل قاعدة أساسية لإطلاق عملية الإصلاح.
خطوات تأسيسية لإعادة إطلاق القطاع
خلال الأشهر الأولى من عملها، أنجزت الهيئة مجموعة من الملفات التنظيمية والتقنية التي تشكل مدخلا أساسيا لإعادة هيكلة القطاع. أبرز هذه الملفات وفق ما تعاقب على شرحها اعضاء الهيئة الاربعة (دانيال جحا، سورينا مرتضى، زياد رحمة، وكريستينا أبي حيدر) خلال لقاء حواري كالآتي:
- إعداد الأنظمة الداخلية الإدارية والمالية، وأنظمة الموظفين، وتوصيف الوظائف.
- إنجاز خطة الإنتاج الأقل كلفة للكهرباء (Least Cost Generation Plan)، التي تشكل المرجعية الأساسية لتحديد احتياجات لبنان المستقبلية من معامل الإنتاج ومزيج مصادر الطاقة.
- إعداد دراسة لإعادة هيكلة قطاع التوزيع بالتعاون مع البنك الدولي، تمهيدا لإطلاق المناقصات وآليات التنفيذ.
- وضع الأطر التنظيمية لمنح التراخيص في قطاع الطاقة، ولا سيما في مجال الطاقة المتجددة وتطبيق القانون 318.
- إعداد ورقة سياسة قطاع الكهرباء بعد التشاور مع الجهات المعنية، تمهيدا لرفعها إلى مجلس الوزراء.
ويرى أعضاء الهيئة أن هذه الملفات تشكل قاعدة للانتقال من مقاربة تقوم على إدارة الأزمات المتكررة إلى بناء قطاع حديث يقوم على التخطيط والتنظيم وجذب الاستثمارات.

من احتكار مؤسسة الكهرباء إلى نموذج الفصل بين الأنشطة
شرح أعضاء الهيئة خلال اللقاء أن إصلاح القطاع يتطلب الانتقال من النموذج الذي أرساه قانون عام 1964، والذي منح مؤسسة كهرباء لبنان احتكارا كاملا لأنشطة الإنتاج والنقل والتوزيع، إلى نموذج جديد يقوم على الفصل بين هذه الأنشطة.
ويشكل القانون 462 الصادر عام 2002 الركيزة الأساسية لهذا التحول، إذ نص على إعادة هيكلة القطاع، وفصل الإنتاج عن النقل والتوزيع، وتحويل مؤسسة كهرباء لبنان إلى شركات مستقلة، وإنشاء هيئة ناظمة تتولى تنظيم القطاع ومراقبته.
أما القانون 318 الصادر عام 2023، فيتعلق بالطاقة المتجددة الموزعة، ويفتح المجال أمام نماذج جديدة لإنتاج وبيع الكهرباء، بما فيها البيع المباشر بين المنتجين والمستهلكين أو بين الجهات الخاصة.
لكن تطبيق هذه القوانين، بحسب أعضاء الهيئة، يحتاج إلى استكمال الإطار التنفيذي، ولا سيما إصدار المراسيم المتعلقة بفصل أنشطة القطاع وتحويل مؤسسة كهرباء لبنان إلى شركات مساهمة مملوكة للدولة.
النموذج الانتقالي: الدولة تنظم والقطاع الخاص يستثمر
يقوم التصور المطروح لإصلاح القطاع على تجنب الانتقال من احتكار الدولة إلى احتكار خاص، بحيث تبقى الدولة مسؤولة عن القطاعات الاستراتيجية، فيما يشارك القطاع الخاص في الإنتاج والاستثمار ضمن قواعد تنظيمية ورقابية محددة.
النقل: شبكة وطنية تحت إدارة الدولة
يوضح أعضاء الهيئة أن شبكة النقل ذات الجهد العالي ستبقى ملكا للدولة، على أن تتم إدارتها عبر شركة عامة جديدة هي شركة النقل (Transco)، نظرا لأهمية هذه الشبكة على المستوى الوطني وارتباطها بأمن الطاقة واستقرار النظام الكهربائي ومشاريع الربط مع الدول المجاورة.
ويشكل إبقاء شبكة النقل تحت سيطرة الدولة ضمانة لمنع تحكم أي جهة خاصة بمرفق حيوي يرتبط بأمن البلاد واستقرار الشبكة.
الإنتاج: سد الفجوة عبر جذب الاستثمارات
يواجه لبنان فجوة كبيرة بين الطلب والإنتاج، إذ تتراوح الحاجة الفعلية للكهرباء بين 2.4 و2.8 غيغاواط، في حين لا يتجاوز الإنتاج الحالي نحو 1 غيغاواط، من دون احتساب تأثيرات أزمة المحروقات.
وفي ظل محدودية قدرة الدولة المالية على بناء معامل جديدة، يقوم الحل، بحسب أعضاء الهيئة، على جذب منتجي الطاقة المستقلين (IPPs) لإنشاء محطات جديدة، من بينها مشروع دير عمار 2، ومشاريع أخرى في الزهراني، إضافة إلى مشاريع طاقة الرياح في عكار.
أما معامل الإنتاج الحالية التابعة للدولة، فستنتقل إلى شركة إنتاج عامة (Genco) تبقى ملكيتها للدولة، مع إمكان إشراك القطاع الخاص فيها بنسبة تصل إلى 40% وفق أحكام القانون.
وفي ما يتعلق بالمشاريع الخاصة الكبرى، ستبيع إنتاجها إلى شركة النقل عبر عقود شراء الطاقة (PPA)، على أن تخضع هذه العقود للرقابة التنظيمية، بحيث تحدد الهيئة الناظمة سقفا للتعرفة وفق آلية مرنة تهدف إلى منع الاحتكار وحماية المستهلك.
أما المشاريع الصغيرة العاملة على مستويات الجهد المتوسط والمنخفض، فسيكون بإمكانها البيع مباشرة إلى شركات التوزيع أو إلى المستهلكين وفق النموذج الذي يسمح به القانون.
التوزيع: الانتقال إلى شركات مستقلة
يشكل قطاع التوزيع أحد أبرز تحديات الإصلاح، إذ يخسر القطاع حاليا نحو نصف الطاقة المنتجة نتيجة السرقات والتعديات وضعف الجباية.
وأوضح أعضاء الهيئة أن مقدمي الخدمات الحاليين لا يشكلون شركات توزيع مستقلة، بل يعملون كجهات تنفيذية لحساب مؤسسة كهرباء لبنان، التي تبقى مسؤولة عن إصدار الفواتير واتخاذ القرارات الأساسية. وقد جرى تمديد عقودهم مرحليا لتجنب توقف المرفق العام، مع العمل على تعزيز دورهم في مجالات الجباية، وتركيب العدادات، وإزالة التعديات، والصيانة.
أما المرحلة المقبلة، فتقوم على إنشاء شركات توزيع مستقلة قانونيا وإداريا، تحصل على تراخيص من الهيئة الناظمة وتعمل ضمن نطاقات جغرافية محددة.
ولا تعني هذه الحصرية الجغرافية احتكارا تجاريا، بل ترتبط بطبيعة شبكات الكهرباء التي لا تسمح بوجود شبكات متنافسة في المنطقة نفسها. وستتولى هذه الشركات الاستثمار في الشبكات وصيانتها، وإصدار الفواتير، والجباية، وإنشاء مراكز لخدمة المواطنين، تحت رقابة الهيئة وسقف التعرفة المحدد.
الطاقة المتجددة: فرصة واعدة ضمن شبكة مستقرة
تُعتبر الطاقة المتجددة، ولا سيما الطاقة الشمسية، من المجالات الواعدة لزيادة الإنتاج بسرعة، وقد وضعت الهيئة الأطر التنظيمية اللازمة لتطبيق قانون الطاقة المتجددة.
وبحسب أعضاء الهيئة، فإن التراخيص الـ14 التي مُنحت سابقا لمشاريع خاصة في هذا المجال ما زالت قائمة، مع ضرورة انتقال صلاحيات الإشراف عليها ومراقبة عقود شراء الطاقة المرتبطة بها إلى الهيئة الناظمة.
في المقابل، يشير التصور التقني للقطاع إلى أن الاعتماد الكامل على الطاقة الشمسية والرياح غير ممكن، بسبب طبيعتها المتغيرة وعدم قدرتها على تأمين إنتاج ثابت على مدار الساعة. لذلك تبقى الحاجة قائمة إلى مصادر إنتاج مستقرة، ولا سيما الغاز الطبيعي، لتأمين الحمل الأساسي (Base Load) والحفاظ على استقرار الشبكة.
الإصلاحات التنظيمية وحدها لا تكفي لجذب المستثمرين
رغم أهمية الإصلاحات التي تعمل عليها الهيئة، فإن جذب الاستثمارات الكبرى إلى قطاع الكهرباء لا يرتبط بالقوانين والتنظيمات فقط، بل يحتاج إلى بيئة اقتصادية وسياسية مستقرة.
فالمستثمرون يحتاجون إلى ضمانات تتعلق بالاستقرار الأمني، والثقة بالمالية العامة، والإصلاحات المصرفية، وقدرة الدولة على الالتزام بعقودها وتعهداتها. وهي عوامل تتجاوز صلاحيات الهيئة الناظمة، لكنها تشكل شرطا أساسيا لنجاح أي نموذج استثماري جديد.
ويبقى نجاح هذا المسار اعلاه مرتبطا باستكمال الإطار القانوني والتنفيذي، وتأمين الاستقرار المالي والسياسي، وتحويل الخطط الموضوعة إلى مشاريع فعلية قادرة على زيادة الإنتاج، وخفض الكلفة، وتحسين خدمة الكهرباء للمواطنين، بما يضع القطاع على مسار أكثر استدامة بعد سنوات طويلة من التعثر.
