"المينورسو" تشرع في إعادة الهيكلة وتقليص النفقات والخدمات بالصحراء

باشرت بعثة الأمم المتحدة في الصحراء المغربية (المينورسو) تنفيذ إجراءات تنظيمية جديدة في إطار مراجعة داخلية تستهدف ترشيد النفقات وإعادة هيكلة عدد من خدماتها اللوجستية والطبية، وذلك بعد إقدامها، الأسبوع المنصرم، على تفكيك المركز الصحي التابع لها بالمنطقة.

ووفق معطيات استقتها هسبريس من مصادر أممية، فقد رافقت هذه العملية إجراءات شملت الاستغناء عن خدمات نحو 20 إطارا طبيا، من بينهم أطباء وممرضون كانوا يزاولون مهامهم داخل مقرات البعثة وعدد من الثكنات العسكرية التابعة لها المكلفة بمراقبة اتفاق وقف إطلاق النار.

وأفادت المصادر ذاتها بأن هذه الخطوة تندرج ضمن مراجعة شاملة لآليات اشتغال البعثة الأممية، خاصة على المستويين الإداري والخدماتي، في ظل توجه يروم تقليص بعض النفقات التشغيلية وإعادة توزيع الموارد البشرية واللوجستية وفق متطلبات المرحلة الحالية وأولويات العمل الميداني.

وتأتي هذه الإجراءات في إطار سلسلة من التدابير التي شرعت المينورسو في اعتمادها خلال الفترة الأخيرة، بهدف رفع النجاعة في تدبير الإمكانات المتاحة وترشيد الموارد، تزامنا مع المتغيرات التي يعرفها ملف الصحراء المغربية على المستويين السياسي والميداني، وما يرافق ذلك من إعادة تقييم لطبيعة المهام والأدوار التي تضطلع بها البعثة الأممية بالمنطقة.

مستقبل البعثة

تعليقا على الموضوع، قال السالك رحال، الناطق الرسمي باسم حركة “صحراويون من أجل السلام”، إن الإجراءات التي شرعت بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (المينورسو) في تنفيذها، من قبيل تقليص عدد موظفيها والحد من بعض أنشطتها غير الأساسية، تندرج في إطار تفعيل مقتضيات قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي دعا الأمين العام للأمم المتحدة إلى تقديم استعراض استراتيجي بشأن مستقبل ولاية البعثة، أخذا بعين الاعتبار نتائج المسار التفاوضي المرتبط بالنزاع.

وأضاف رحال، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن المفاوضات التي جرت خلال الفترة الماضية بعيدا عن الأضواء الإعلامية من المرجح أنها أفضت إلى تفاهمات أولية بشأن المرحلة المقبلة من مسلسل التسوية، مشيرا إلى أن المؤشرات الحالية توحي بإمكانية مراجعة طبيعة التفويض الممنوح لـ “المينورسو” بما ينسجم مع التطورات السياسية التي يعرفها الملف.

وأوضح المتحدث أن التحولات المرتقبة قد تدفع نحو إعادة تكييف مهام البعثة الأممية لتواكب أي مخرجات سياسية محتملة، خاصة في ظل تنامي الدعم الدولي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها أرضية واقعية لتسوية النزاع. كما أكد أن الهجوم الذي استهدف مدينة السمارة مؤخرا، وتبنته جبهة البوليساريو، يمكن قراءته في سياق محاولة توجيه رسالة إلى المجتمع الدولي مفادها ضرورة الإبقاء على التفويض الحالي للمينورسو المرتبط أساسا بمراقبة وقف إطلاق النار.

ونبّه المصرح لهسبريس إلى أن استمرار البعثة بهيكلتها الحالية يطرح، من وجهة نظر عدد من الدول المانحة، تساؤلات مرتبطة بالكلفة المالية ونجاعة الأداء، مبرزا أن ميزانية المينورسو تتجاوز 65 مليون دولار سنويا، في حين لا يتعدى عدد أفرادها 225 عنصرا، الأمر الذي يجعل مراجعة بنيتها التشغيلية خيارا مطروحا بقوة داخل أروقة الأمم المتحدة.

وتابع قائلا: “الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبارها المساهم الأكبر في تمويل منظومة الأمم المتحدة، تنظر بعين الاهتمام إلى مسألة ترشيد نفقات بعثات حفظ السلام، خاصة في الملفات التي تعرف دينامية سياسية متسارعة، وهو ما يفسر النقاش المتزايد حول مستقبل المينورسو وطبيعة أدوارها خلال المرحلة المقبلة”.

وخلص السالك رحال إلى أن الأشهر التي تسبق مناقشات مجلس الأمن المرتقبة في أكتوبر المقبل ستكون حاسمة في تحديد ملامح الولاية المستقبلية للبعثة، متوقعا أن تتجه الأمم المتحدة نحو تقليص ملموس لعدد عناصر المينورسو وانتشارها الميداني شرق وغرب الجدار الأمني المغربي، بشكل يصبح أكثر انسجاما مع نتائج الاستعراض الاستراتيجي الجاري ومع التحولات التي يعرفها مسار التسوية السياسية للنزاع.

تكييف المهام

من جانبه، يرى عبد القادر بريهما، المهتم بالشأن السياسي والإقليمي، أن الإجراءات الأخيرة التي باشرتها بعثة (المينورسو)، سواء من خلال تقليص بعض خدماتها أو إعادة ترتيب مواردها البشرية واللوجستية، لا يمكن فصلها عن التحولات التي عرفها تدبير الأمم المتحدة لهذا الملف خلال السنوات الأخيرة، والتي اتسمت بالانتقال التدريجي من منطق تدبير وضعية الجمود إلى منطق مواكبة حل سياسي واقعي وقابل للتنفيذ.

وقال بريهما، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، إن المينورسو أُنشئت سنة 1991 بهدف الإشراف على تنظيم استفتاء لتقرير المصير، غير أن تعثر هذا المسار لعقود طويلة، بسبب الخلافات المرتبطة بتحديد الهيئة الناخبة وشروط تنظيم الاستفتاء، دفع الأمم المتحدة إلى مراجعة مقاربتها والبحث عن بدائل سياسية أكثر واقعية، وهو ما تُرجم في قرارات مجلس الأمن المتعاقبة التي أصبحت تركز بشكل متزايد على الحل السياسي التوافقي باعتباره الإطار الأنسب لتسوية النزاع.

وعن دلالات التحركات الأخيرة داخل البعثة الأممية، أوضح المهتم بنزاع الصحراء أن القرار الأممي رقم 2797 يعكس بوضوح هذا التحول، من خلال دعوته إلى إجراء استعراض استراتيجي لمستقبل ولاية المينورسو، مع الأخذ بعين الاعتبار مآلات المسار السياسي الجاري، مشددا على أن هذا المعطى يفتح الباب أمام إعادة النظر في طبيعة الأدوار التي تضطلع بها البعثة، بما ينسجم مع المستجدات السياسية والدبلوماسية التي يعرفها الملف على المستوى الدولي.

وأردف المتحدث أن الزيارات المتتالية التي قامت بها وفود أممية ومسؤولون دوليون إلى الأقاليم الجنوبية للمملكة خلال السنوات الأخيرة لم تكن تندرج فقط في إطار المتابعة الروتينية، بل شكلت مناسبة لتقييم الوضع الميداني ورصد التحولات التنموية والمؤسساتية التي تعرفها المنطقة، فضلا عن الوقوف على مدى ملاءمة البنية الحالية للمينورسو مع طبيعة المرحلة الجديدة التي يمر منها النزاع.

كما نبه بريهما إلى أن تقليص بعض المصالح الإدارية والخدمات اللوجستية وجرد المعدات التابعة للبعثة قد يشكل مؤشرا أوليا على وجود تفكير أممي في إعادة توجيه مهام المينورسو مستقبلا، من بعثة ارتبط وجودها تاريخيا بمراقبة وقف إطلاق النار والتحضير لاستفتاء لم يعد مطروحا داخل أجندة الأمم المتحدة بالزخم السابق نفسه، إلى آلية أممية أكثر ارتباطا بمواكبة تنفيذ الحلول السياسية وتدابير بناء الثقة والاستقرار.

وسجل أن أي تحول في طبيعة مهام البعثة قد يجعلها تضطلع بأدوار جديدة ذات طابع إنساني وإداري، خاصة فيما يتعلق بمواكبة تدبير ملفات اللاجئين بمخيمات تندوف، والمساهمة في عمليات الإحصاء والتسجيل وتتبع برامج الإدماج وإعادة التأهيل، فضلا عن تقديم الدعم التقني والمؤسساتي خلال المراحل الانتقالية التي قد تواكب أي تسوية سياسية مستقبلية.

وأجمل عبد القادر بريهما بالقول إن المؤشرات المتراكمة خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى قرارات مجلس الأمن أو على مستوى مواقف عدد من القوى الدولية المؤثرة، توحي بأن الأمم المتحدة تتجه نحو تكييف أدواتها الميدانية مع واقع سياسي جديد باتت فيه مبادرة الحكم الذاتي تحظى بحضور متزايد داخل النقاش الدولي، وهو ما قد ينعكس مستقبلا على حجم وانتشار واختصاصات بعثة المينورسو وطبيعة الأدوار المنتظرة منها في المرحلة المقبلة.

The post "المينورسو" تشرع في إعادة الهيكلة وتقليص النفقات والخدمات بالصحراء appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress