المونديال ومصيدة الفرجة

ثمة سؤال يطاردني كلما اقترب موعد كأس العالم، سؤال لا أجد له إجابة مريحة: متى بالضبط تحوّلت كرة القدم من لعبة يلعبها البشر إلى طقس يؤدّيه الكوكب بأسره؟

لأن ما يحدث كل أربع سنوات لم يعد، في الحقيقة، بطولةً رياضية بالمعنى الذي نتخيله. صحيح أن هناك ملاعب ومباريات وأهدافاً وبكاءً خلف كاميرات الفوز والخسارة. لكن خلف كل ذلك يعمل محرك أكبر وأكثر تعقيداً: محرك إعادة تشكيل الوعي الجماعي للبشرية. المونديال اليوم ليس حدثاً يُشاهَد، بل هو حدث يُستهلك. والفارق بين الكلمتين فارق حضاري كامل.

حين تشاهد مباراة، أنت فاعل. حين تستهلك مونديالاً، أنت جزء من ماكينة. ماكينة الفرجة العالمية التي تُنتج الانبهار بالجملة، وتوزّعه على الشاشات والأجهزة والمقاهي والبارات والغرف المضاءة في منتصف الليل في بوينس أيرس ونيروبي وكراتشي وطنجة. وكلنا في هذا المشهد سواء: نجلس أمام الشاشة ونعتقد أننا نختار، بينما المشهد هو الذي يختارنا.

لكن الأخطر من هذه الماكينة هو الخطاب الذي يرافقها، الخطاب الذي يحوّل “نجاح تنظيم المونديال” إلى مقياس غريب لنجاح الدول. كأننا نعيش في عالم قررت فيه كرة القدم أن تؤدي مهام محكمة حضارية دولية، تُصدر أحكامها على الأنظمة والسياسات والشعوب بناءً على مدى قدرتها على إنتاج فرجة مبهجة. وهنا، لا هنا تحديداً، يكمن الخلل الذي لا يراه كثيرون لأنهم مشغولون بالتصفيق.

تأمّل معي كيف نتحدث عن الدول المضيفة. لا نتحدث عن بنيتها القانونية، ولا عن مؤشرات التعليم والصحة والحرية فيها. نتحدث عن الملاعب. عن الفنادق. عن ألوان الشوارع المُزيّنة. عن احتفالية افتتاح أذهلت العالم أو خذلته. صرنا نقيس الدول بعدد نجوم احتفالاتها، لا بعدد نجوم مدارسها. وحين يقول أحدهم إن دولة ما “أبهرت العالم” أثناء المونديال، فهو في الحقيقة لا يقول شيئاً عن تلك الدولة. هو يقول شيئاً عن نفسه: عن سهولة انبهاره، وعن رغبته في أن يُبهَر.

الدول التي تعرف هذه اللعبة تلعبها ببراعة مدهشة. تُجمّد تناقضاتها الاجتماعية لشهر أو شهرين. تدفع العمال إلى الخلفية وتُقدّم المنشآت إلى الواجهة. تفرد سجادة الكاميرات وتُقفل خلفها كل ما لا يصلح للبث المباشر. وتنتهي البطولة فتعود الحياة إلى مساراتها الحقيقية، وكأن شيئاً لم يكن، ما عدا أرقام السياحة والفنادق وعقود البث.

أما الدول التي ترفض هذه اللعبة، أو تُؤدّيها ببرود لافت، فتجد نفسها في قفص اتهام غريب. لا لأنها أخطأت في التنظيم، بل لأنها أخطأت في الأداء. لم تبتسم بما يكفي. لم تُنتج دهشة كافية. لم تتحوّل إلى ديكور جميل على الشاشات. وهذا بحد ذاته جريمة في عصر اقتصاد الانتباه.

هنا يصبح النقاش الدائر حول “حماسة” الدول أو “برودتها” تجاه المونديال نقاشاً في غير محله. لأنه يضع السؤال الخاطئ في المكان الخاطئ. ليس العيب في الدولة التي لا تؤدي الفرجة المطلوبة، العيب في نظام القيم الذي يجعل الفرجة معياراً للجدارة. العيب في العالم الذي صار يقيس ويُقيَّم بالصورة.

والمشكلة العميقة أن هذا النظام لا يُعلن عن نفسه. لا يقول لك: نحن نحكم عليك بمدى قدرتك على إنتاج مشهد بصري مُبهِر. يقول لك بدلاً من ذلك كلاماً عن “الروح الرياضية” و”رسالة كرة القدم” و”توحيد الشعوب”. ويُخفي خلف هذه المفردات الجميلة حسابات اقتصادية ضخمة، وتوزيعاً دقيقاً للانتباه العالمي وفق أجندات ليست بريئة دائماً.

لأن من يملك المونديال لا يملك فقط حقوق البث. يملك حق تأطير الحكايات. من يفوز ومن يخسر؟ من يستحق الإعجاب ومن يستحق الشفقة؟ أي دولة تخرج من البطولة بصورة لامعة وأي دولة تخرج منها وقد تراجعت حتى في خانة “لا يُذكر”؟ هذه ليست قرارات رياضية. هي قرارات سردية. وكل سردية تخدم من روّج لها.

أفكر أحياناً في الانسان العادي الذي يجلس في غرفته الصغيرة في مدينة لم يسمع عنها أحد في بلد لن يستضيف مونديالاً أبداً. يجلس ويشاهد ويصفق ويحزن ويفرح. وهو لا يعرف أن فرحه هذا وحزنه مُدرجان في جداول أرباح شركات بث وإعلان وتسويق. أن انفعاله الحقيقي صار سلعة تُقيَّم بالكليك والمشاهدة والتفاعل. أن اللحظة التي ظن فيها أنه يختبر إنسانيته عبر كرة القدم كان في الحقيقة يُنتج بيانات لخوارزميات لا تعرف معنى الانفعال.

هذا ليس هجوماً على المونديال. أنا شخصياً لا أستطيع مقاومة متابعة المباريات، وأعرف أن في كرة القدم جمالاً حقيقياً يصعب وصفه بالكلمات. الجمال الذي يحدث حين تمر الكرة بين أقدام عشرة لاعبين في ثوانٍ قليلة ثم تهتز الشبكة وتقف المدرجات عن بكرة أبيها. هذا جمال حقيقي. لكن الجمال الحقيقي لا يحتاج إلى هذا القدر من ماكينة الإبهار التي تُبنى حوله.

المشكلة ليست في كرة القدم. المشكلة فيما صنعناه من حولها.

في كل مونديال يتكرر نفس المشهد: نُحكم على الدول قبل البطولة بناءً على توقعاتنا من مشهدها، ونُحكم عليها خلالها بناءً على أداء شوارعها لا ملاعبها، ونُحكم عليها بعدها بناءً على ما أُنتج عنها من محتوى رقمي. وفي كل هذه المراحل الثلاث تغيب كرة القدم نفسها وراء ضجيج الصورة.

الدولة التي تُدار بشكل جيد لكنها لا تُنتج “بريقاً” كافياً تُوصف بالفتور. والدولة التي تُبهر الكاميرات لكن خلفها أزمات عميقة تُمجَّد كنموذج. وحين يُقال لاحقاً إن هذا “النموذج” كان واجهة، يكون الوقت قد فات، والصورة اللامعة قد تحوّلت إلى ذاكرة راسخة يصعب محوها.

هذه ليست مبالغة. هذه آلية عمل المونديال كما تحوّل إليه: صناعة ذاكرة بصرية جماعية أقوى من الوقائع، وأكثر ديمومة من الحقائق.

السؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس: هل أحسنت الدولة الفلانية استقبال المونديال؟ بل هو: ماذا تبقّى للدولة من نفسها بعد أن انتهى المونديال؟

هل خرجت منه وهي لا تزال تعرف من هي؟ أم أنها دخلت في اللعبة بالكامل وأصبحت جزءاً من ديكور عالمي كبير لا تملك فيه حق التحرير؟ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لدولة ليس أن تخسر في المونديال رياضياً، بل أن تربح فيه صورياً وتخسر نفسها في العملية.

وهذا درس قاسٍ لا تعلّمه كتب الجغرافيا السياسية، وتعلّمه كرة القدم كل أربع سنوات لمن لديه صبر أن ينظر إلى ما خلف الكاميرا.

The post المونديال ومصيدة الفرجة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress