المهدي المنجرة وكرة القدم
لا أحد يستطيع أن ينكر القيمة الفكرية للراحل المهدي المنجرة، ولا قدرته على قراءة التحولات الدولية قبل وقوعها. لكن احترام المفكر لا يعني تحويل أفكاره إلى نصوص مقدسة، بل يعني إعادة مناقشتها كلما تغير العالم.
من بين أكثر عباراته تداولًا قوله “أن تفوز على مصر أو الجزائر أو تونس لا يختلف كثيرًا… فنحن جميعًا متعادلون في التخلف”، وأن كرة القدم ليست مؤشرًا للتنمية، بل مجرد لعبة تلجأ إليها الشعوب المتخلفة لتنسى مشاكلها الحقيقية. ربما كان هذا التشخيص يحمل كثيرًا من الصحة في سياق تاريخي معين، حين كانت كرة القدم بالفعل وسيلة للهروب من الواقع، بينما كانت الدول تهمل التعليم والصحة والبحث العلمي.
لكن السؤال اليوم هو: هل ما زال العالم هو نفسه؟ الجواب، في تقديري، هو لا. كرة القدم في القرن الحادي والعشرين لم تعد مجرد تسعين دقيقة فوق المستطيل الأخضر. لقد تحولت إلى صناعة عالمية بمئات مليارات الدولارات، وإلى أداة دبلوماسية، وإلى وسيلة لجذب الاستثمارات، وتحسين صورة الدول، وتسريع مشاريع البنية التحتية، وخلق فرص الشغل، وتنشيط السياحة، وتطوير المدن. لقد أصبحت جزءًا مما يسمى اليوم القوة الناعمة، أي القدرة على التأثير في العالم عبر الثقافة والرياضة والصورة الدولية، وليس فقط عبر القوة العسكرية أو الاقتصادية. ولعل المغرب يقدم اليوم مثالًا واضحًا على هذا التحول. فما يجري ليس مجرد استثمار في منتخب وطني أو في تنظيم مباريات، بل رؤية تعتبر الرياضة جزءًا من مشروع تنموي متكامل.
فالملاعب الجديدة، وشبكات النقل، والطرق، والفنادق، والمطارات، ومراكز التكوين، كلها مشاريع ستظل قائمة بعد نهاية كأس العالم 2030، وستستفيد منها الأجيال المقبلة. إن الرهان الحقيقي ليس الفوز بكأس العالم، بل استغلال كأس العالم لتسريع التنمية. وهذا ليس اختراعًا مغربيًا. فالمكسيك، وإسبانيا، وكوريا الجنوبية، واليابان، وألمانيا، ودول أخرى عديدة، استفادت من التظاهرات الرياضية الكبرى لإعادة تأهيل بنيتها التحتية، وتحسين جاذبيتها الاقتصادية، وتعزيز مكانتها الدولية.
نجاح هذه التجارب لم يكن بسبب كرة القدم في حد ذاتها، بل بسبب حسن توظيفها داخل مشروع وطني. وهنا يكمن الفرق الجوهري. فالرياضة يمكن أن تكون أداة لتخدير الشعوب، كما يمكن أن تكون رافعة للتنمية. الأمر لا يتعلق بكرة القدم، بل بطريقة إدارتها. لو كانت الدولة تكتفي بالاحتفال بالانتصارات وتنسى التعليم والصحة والاقتصاد، لكان كلام المهدي المنجرة ما يزال صالحًا. أما حين تتحول كرة القدم إلى جزء من رؤية استراتيجية للاستثمار والبنية التحتية والقوة الناعمة، فإننا نكون أمام واقع مختلف تمامًا.
ربما لو كان المهدي المنجرة بيننا اليوم، وهو المعروف بقدرته على مراجعة الأفكار في ضوء التحولات، لأعاد النظر في هذه المقولة، ليس لأنها كانت خاطئة، بل لأن العالم الذي قيلت فيه لم يعد هو العالم الذي نعيش فيه اليوم. فالسؤال لم يعد: هل كرة القدم مجرد لعبة؟ بل أصبح: كيف يمكن تحويلها إلى رافعة للتنمية، وإلى أداة لتعزيز القوة الناعمة، وجذب الاستثمارات، وتسريع تحديث البنيات التحتية؟ هذا هو النقاش الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم في المغرب، خاصة ونحن نستعد لتنظيم كأس العالم 2030. فنجاح التجربة لن يقاس بعدد الملاعب التي ستُشيد، ولا بالنتائج التي سيحققها المنتخب الوطني، وإنما بقدرة هذه اللحظة التاريخية على ترك أثر اقتصادي واجتماعي وثقافي دائم. هنا بالضبط يصبح الحوار مع المهدي المنجرة ضروريًا. ليس لنقض أفكاره، وإنما لتطويرها في ضوء عالم تغيرت قواعده.
فإذا كانت كرة القدم في الماضي قد تُستعمل لتخدير الشعوب، فإن التحدي اليوم هو ألا تتحول إلى غاية في حد ذاتها، بل إلى وسيلة لبناء اقتصاد أكثر قوة، ومجتمع أكثر ثقة، ودولة أكثر حضورًا في العالم.
The post المهدي المنجرة وكرة القدم appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.