المهاجرون يصنعون المونديال

ردًّا على الخطاب الذي رافق مونديال، والذي يسعى إلى التقليل من قيمة الإنجاز المغربي بحجة اعتماد المنتخب على أبناء المهاجرين، يبدو أن العالم يتجه إلى استنتاج مختلف تمامًا.

في كل مرة تُفتح فيها مباراة كبرى، أو يتتوج منتخب بكأس العالم، يعود سؤال قديم يطرق الأذهان من جديد، لكنه يطرقها هذه المرة بشكل مختلف، وكأنه تعلّم من الهزائم التي مُني بها في سياقات سابقة: هل تصنع الثروة الانتصارات؟ هل يكفي أن تمتلك دولة ما اقتصادًا ضخمًا وجيشًا مهيبًا وكثافة سكانية هائلة حتى تتصدر خرائط القوة الرياضية؟ الجواب الذي كان يبدو بديهيًا في عقود سابقة لم يعد كذلك.

بل إن البديهيات نفسها باتت موضع مراجعة جذرية في عالم تتشابك فيه العوامل وتتداخل فيه الأسباب والنتائج حتى يصعب عزل أحدها عن الآخر.

ما حدث في مونديال قطر، وما سيحدث في مونديال أمريكا وما يُستعدّ له في مونديال المغرب والبرتغال وإسبانيا، ليس مجرد حدث رياضي يمكن قراءته بمؤشرات الناتج المحلي الإجمالي أو عدد المراكز الأكاديمية أو ميزانيات الأندية. ثمة شيء آخر يجري في العمق، شيء يشبه إعادة توزيع الأوراق في لعبة كانت قواعدها تبدو ثابتة منذ أمد بعيد. وقد لفتت مجلة The Economist الانتباه إلى هذا الشيء بطريقتها التحليلية الرصينة حين وجّهت بوصلتها نحو عامل لطالما جرى التعامل معه بوصفه عاملًا اجتماعيًا وسياسيًا في المقام الأول، لا رياضيًا: الهجرة. وهو توجه يستحق التوقف عنده طويلًا لأنه يكشف عن معادلة جديدة لم تكتمل ملامحها بعد، لكن ملامحها الأولى باتت واضحة لمن يُجيد القراءة بين السطور.

الهجرة في التصور الشعبوي السائد في أوروبا وفي بعض السياقات العربية أيضًا هي أزمة، هي ضغط ديموغرافي، هي خطر على الهوية وتهديد للتماسك الاجتماعي. وقد بُنيت على هذا التصور خطابات سياسية بأكملها، وفاز بها زعماء وصعدوا إلى سدة الحكم في أكثر من بلد.

لكن ملعب كرة القدم، بتلك البراءة الظاهرية التي يوحي بها، يعكس صورة مغايرة تمامًا، بل يكاد يكون الفضاء الوحيد الذي تجرأ فيه الناس على الاحتفاء بالهجرة دون أن يشعروا بالحرج. فحين يسجّل لاعب من أصول مهاجرة هدفًا في شباك أحد الكبار، يهبّ الجمهور واقفًا لا يسأل عن جواز السفر الذي يحمله ولا عن الجنسية التي تُزيّن غلافه.

والحال أن المشهد في الكرة الدولية اليوم لا يمكن فهمه إلا إذا أخذنا هذا البُعد بجدية تامة. المنتخبات الكبرى في أوروبا، تلك التي كانت تُقدَّم عقودًا طويلة بوصفها نماذج مكتملة للتخطيط الرياضي طويل المدى، باتت تصطدم بظاهرة تستعصي على الحلول الكلاسيكية: أبناء الهجرة الذين نشأوا في حضنها وتشرّبوا ثقافتها وتدرّبوا في أكاديمياتها يختارون في اللحظة الحاسمة أن يرتدوا قميصًا آخر. لا قميص الدولة التي أطعمتهم واحتضنتهم ومنحتهم شهادات ميلادهم الرياضية، بل قميص البلد الذي يحتل حيزًا آخر في دواخلهم، ذاك المكان الذي لا يُعلَّم في المدارس ولا تُدرَّجه سياسات الاندماج، لكنه حاضر دائمًا: ذاكرة الجدّة، ورائحة المطبخ، وأغنية كانت تُغنيها الأم في المساءات البعيدة.

هذه ليست ظاهرة مغربية وحسب، لكن المغرب أصبح أوضح تجلياتها وأكثرها إثارة للجدل. ففي مونديال قطر، حمل المنتخب المغربي في تشكيلته عددًا كبيرًا من اللاعبين المولودين في أوروبا أو المزدوجي الجنسية، وهو ما استدعى في الوقت نفسه احتفاءً شعبيًا واسعًا وانتقادات من أصوات رأت في هذا الأمر ما يُشبه التلفيق أو الاستعارة من رصيد الآخرين. وهنا تحديدًا تكمن المفارقة المُرّة: الدول الأوروبية التي منحت هؤلاء اللاعبين الجنسية والتكوين كانت هي ذاتها تأمل في استثمارهم رياضيًا، في حين أن المغرب نجح في ما فشلت فيه تلك الدول: جعلهم يشعرون بأن ثمة وطنًا يناديهم من الطرف الآخر من البحر.

والسؤال الأعمق هنا ليس: لمن ينتمي هؤلاء اللاعبون؟ بل: ما الذي يجعل اللاعب يختار وطنًا على حساب وطن آخر حين يكون محظوظًا أو مُثقلًا بامتلاك أكثر من وطن واحد في آنٍ معًا؟ الجواب لا يكمن في العقود والمكافآت المالية والوعود ببطاقة المشاركة في بطولة كبرى، وإن كان لهذه الأمور دورها. الجواب يكمن في شيء أدق وأعسر قياسًا: الشعور. ذلك الإحساس الذي ينتاب اللاعب حين يرتدي القميص لأول مرة ويسمع النشيد الوطني يصدح في المدرجات، ويرى في وجوه الجمهور من ورائه أشباح الأجداد وأحلام العائلة وكل تلك القصص التي رُويت له في المنزل بلسان عربي أو أمازيغي أو دارجة تشبه رائحة البيت.

المغرب لم يبنِ فقط أكاديميات لكرة القدم ولم يُصدر فقط جوازات سفر، بل بنى قصة. وهذه القصة يحملها لاعبون من بروكسيل وأمستردام وباريس وإشبيلية حين يقررون بأن ذلك الجانب من هويتهم المركّبة هو الجانب الذي سيُجلّونه أمام العالم في مستطيل أخضر.

الانتماء لا يُشترى، لكنه يُزرع ببطء، وبعناية، وبفهم حقيقي لما يعنيه أن تكون ابن أرضين في آنٍ واحد. والمغرب، بكل تناقضاته وإشكالياته الداخلية، نجح في أن يُقنع جيلًا كاملًا من أبناء المهاجرين بأن هويتهم المزدوجة ليست عبئًا يجب التخلص من أحد طرفيه، بل ثروة يمكن أن تُترجَم إلى نضال في الملعب وفخر أمام الكاميرات.

وفي هذا السياق يصبح ما جرى في قطر أكثر من مجرد نتيجة رياضية مدهشة. إنه برهان على أن الدول الصغيرة أو المتوسطة الحجم بإمكانها أن تنافس وتنتصر حين تُحسن توظيف أصولها البشرية، وهي أصول موزّعة على امتداد الجغرافيا الكونية بفعل موجات الهجرة المتعاقبة. هؤلاء اللاعبون المنتشرون في أندية أوروبا الكبرى هم في الحقيقة سفارات غير رسمية للمغرب، يحملون اسمه في كل ملعب يلعبون فيه، ويُعرّفون به عند كل صحفي يسألهم عن أصولهم. وحين ينضمون إلى المنتخب الوطني يتحولون من سفارات غير رسمية إلى رمز جماعي يُعبّر عن تجربة الاغتراب والانتماء في آنٍ واحد.

غير أن الصورة لن تكون مكتملة إن أغفلنا الجانب الآخر من هذه المعادلة: البلدان الأوروبية التي تجد نفسها اليوم في وضع المُصدِّر اللاإرادي للمواهب. فرنسا التي أنجبت حكيمي وزياش وبونو، وهولندا التي رعت مسيرة سفيان أمرابط الأولى، وبلجيكا التي صنعت جزءًا من هوية عدد من اللاعبين المغاربة، هذه الدول لم تفشل في التخطيط الرياضي، لكنها أخفقت في شيء آخر لا تعترف به عادةً في خطابها الرسمي: أخفقت في جعل أبناء المهاجرين يشعرون بأن هذا البلد هو بلدهم بالمعنى الكامل، لا بمعنى الجواز والبطاقة الوطنية فحسب، بل بمعنى الروح والانتماء والقصة الجمعية التي يريدون أن يكونوا جزءًا منها.

والحقيقة أن هذا الإخفاق ليس حكرًا على أوروبا. ثمة دول عربية وأفريقية تمتلك جاليات ضخمة في الخارج ولاعبين من الجيل الثاني والثالث يتمتعون بموهبة فائقة، لكنها لم تُحسن بعد التواصل مع هذه الجاليات بما يكفي لتحويلها إلى رافد رياضي حقيقي. بعضها لا يزال يتعامل مع الجالية بمنطق العتاب والتشكيك في الولاء، وبعضها الآخر لم يبنِ بعد تلك الجسور العاطفية والثقافية التي تجعل الهوية الجمعية أقوى جاذبية من الحسابات الفردية.

وهنا تحديدًا يبرز الدرس الأعمق مما يجري في ملاعب كرة القدم. الرياضة ليست جزيرة معزولة عن محيطها الاجتماعي والسياسي والثقافي. هي صورة بامتياز، تعكس ما تُنتجه المجتمعات من قيم وما تُراكمه من متناقضات. حين تُفتح نقاشات حول مشروعية مشاركة أبناء الجالية في المنتخب الوطني، فإن هذه النقاشات تحمل في طياتها تصورات مضمرة عن الهوية والانتماء والولاء والأصالة. وكل هذه المفاهيم في أمسّ الحاجة إلى مراجعة شجاعة في عالم تتحرك فيه الشعوب عبر الحدود كما تتحرك السحب عبر السماء، دون إذن ودون استئذان.

وإذا كان ثمة ما يمكن استخلاصه في نهاية المطاف من هذا التأمل الطويل، فهو أن الخريطة الجديدة للقوة الرياضية لا تُرسمها الجغرافيا ولا تُحددها الأرقام الاقتصادية بمفردها. تُرسمها القدرة على إنتاج الانتماء. تُرسمها تلك العلاقة الحميمة والمعقدة التي تنشأ بين لاعب وُلد في المنفى وبين وطن لم يعشه بالكامل لكنه يحمله في دمه وذاكرته وطريقة نطقه لاسمه حين يُقدّم نفسه للعالم. الدولة التي ستفوز في عالم الغد ليست بالضرورة الأغنى ولا الأكثر سكانًا ولا صاحبة الملاعب الأجمل، بل الدولة التي ستُقنع أبناءها المنتشرين في أصقاع الأرض بأنها تستحق أن تُروى قصتهم الكبرى تحت رايتها.

The post المهاجرون يصنعون المونديال appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress