المهاجرون الجزائريون إلى بلاد الشام: شواهد من الأرشيف العثماني (2 -2)

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

مع انتقال الجزائريين إلى مناطق استقرارهم، يكشف الدكتور عبد الله صلاح مغربي، استناداً إلى وثائق الأرشيف العثماني، أن سياسة الدولة العثمانية تجاههم لم تقتصر على استقبالهم بعد الاحتلال الفرنسي للجزائر، وإنما قامت على مشروع متكامل هدفه تحويل الهجرة إلى استقرار دائم. فقد ارتبط اختيار أماكن التوطين بتأمين مقوّمات العيش والإنتاج، عبر توزيع الأراضي الزراعية، وتقديم الإعانات المالية والعينية، وتوفير البذور والأدوات الزراعية، إلى جانب إعفاءات ضريبية وعسكريّة مكّنت العائلات من إعادة بناء حياتها والانخراط سريعاً في النشاط الاقتصادي. 

وتبرز فلسطين بوصفها إحدى أهم ساحات هذا الاستقرار، إذ يرسم المؤلف، من خلال الوثائق، خريطة دقيقة للوجود الجزائري في صفد وحيفا وطبريا وعكا، وفي قرى مثل عولم وبيريا وشعارة وتليل والحسينية وعموقة وديشوم وماروس وسمخ وهوشة ومعذر، كما امتدّ الوجود الجزائري إلى دمشق وحماة والكرك، ووصلت بعض العائلات إلى جزيرة رودس. وتكشف هذه المعطيات عن انتشار سكانيّ واسع بقي حضوره محدوداً في كثير من الدراسات التاريخية، رغم استمراره في الذاكرة المحلية.

تذهب الدراسة الى أبعد من رسم خريطة الاستقرار، وتصل الى طبيعة الحياة اليومية للمهاجرين، إذ انخرطوا في الزراعة، ولا سيما زراعة الزيتون والحبوب وتربية المواشي، وأسهموا في التجارة والحياة الدينية والعلمية من خلال المساجد والزوايا، مع احتفاظهم بجزء من تقاليدهم وهويّتهم الثقافية. وتكشف هذه الصورة عن تجربة اندماج متوازنة جمعت بين الانخراط في المجتمع المحليّ والمحافظة على الخصوصيّة الجزائرية. 

 

“المهاجرون الجزائريون إلى بلاد الشام“ لعبدالله صلاح مغربي.

 

ويخصص الكتاب مساحة واسعة للوضع القانوني للمهاجرين، موضحاً كيف عملت الإدارة العثمانية على تسجيلهم في دفاتر النفوس والسجلات الرسمية، ومنحهم الجنسية العثمانية بعد التخلي عن أي تبعيّة أجنبية، إضافة إلى معالجة أوضاع فاقدي الوثائق وإصدار أوراق رسمية تثبت هويّتهم. وتكتسب هذه الإجراءات أهميّة خاصة في ظل الصراع القانوني والسياسي الذي نشأ بين الدولة العثمانية وفرنسا، بعدما أصرت الأخيرة على اعتبار الجزائريين رعايا فرنسيين، في حين تمسّك معظم المهاجرين بانتمائهم إلى الدولة العثمانية، مدعومين بموقف رسمي عثماني واجه الضغوط التي مارسها القناصل الفرنسيون في بيروت والقدس وغيرهما. كما امتدّت هذه الإشكالات إلى أوضاع النساء، وتحوّلت إلى جزء من العلاقات الدبلوماسية بين إسطنبول وباريس، التي ربطت قضية المهاجرين بحقوق المسلمين داخل الجزائر نفسها.

وتظهر الوثائق أيضاً أن سياسة الدمج لم تغفل ملف الخدمة العسكرية، إذ منحت المهاجرين إعفاءات وصلت في بعض الحالات إلى عشرين عاماً، قبل أن يخضعوا لاحقاً لقوانين التجنيد العثمانية بعد انتهاء مدد الإعفاء، في مؤشر إلى اكتمال اندماجهم داخل الدولة وتحوّلهم إلى رعايا يتمتعون بالحقوق نفسها ويؤدّون الواجبات ذاتها. وتعكس هذه السياسة إدارة دقيقة لملف الهجرة، جمعت بين الاعتبارات الإنسانية والقانونية والسياسية وربطت استقرار المهاجرين بتعزيز حضور الدولة في المناطق التي استقبلتهم.

 

اقرأ أيضاً: المهاجرون الجزائريون إلى بلاد الشام: شواهد من الأرشيف العثماني

 

ويبلغ الكتاب ذروته في قسمه الوثائقي، الذي يشكّل الركيزة الأساسية للدراسة. فقد جمع المؤلف مئات الوثائق المحفوظة في الأرشيف العثماني، ورتّبها وربط بينها، محوّلاً سجلات إداريّة متفرّقة إلى رواية تاريخية متماسكة تضم أوامر سلطانية، ومراسلات رسمية، وعرائض، وتقارير مالية، ووثائق تتعلّق بتوزيع الأراضي، وبناء المساكن، وتنظيم السجلات المدنية، وتسوية النزاعات العقارية، ومتابعة أوضاع العائلات الجزائرية في مختلف أنحاء بلاد الشام. ولا يكتفي بعرض هذه الوثائق، وإنما يقرأها في سياقها التاريخي، مستخرجاً منها آليات عمل الإدارة العثمانية وأهدافها، بحيث تتحوّل الوثيقة من مجرّد مصدر إلى عنصر أساسي في بناء السرد التاريخي.

وتكتسب بعض هذه الوثائق أهميّة إضافية لأنها تتجاوز تنظيم شؤون المهاجرين لتضيء تحوّلات سياسية أوسع، ومنها الجهود العثمانية لحماية الأراضي التي استقرّ فيها الجزائريون، ولا سيما في محيط بحيرة الحولة، ومنع انتقال ملكيّتها إلى جهات أجنبية مع بدايات النشاط الاستيطاني في فلسطين. كما تكشف الوثائق استمرار القضايا العقارية داخل العائلات الجزائرية نفسها، وهو ما يظهر في المراسلات المتعلّقة بالأمير علي بن الأمير عبد القادر عامي 1911 و1913، بما يعكس انتقال المهاجرين من مرحلة البحث عن الاستقرار إلى إدارة ممتلكاتهم والدفاع عن حقوقهم.

ومن أبرز نقاط قوّة الكتاب منهجه القائم على الوثيقة الأصلية بوصفها نقطة الانطلاق في كتابة التاريخ. فالمؤلف ينتقل بين المراسلات الرسمية وعرائض الأفراد وقضايا الجنسية والملكية والنزاعات العقارية، فيمنح الدراسة بعداً إنسانياً يروي تجربة المهاجرين من الداخل، مع المحافظة على سلاسة السرد من دون أن تتحوّل المادة الأرشيفية إلى عرض جاف للوثائق. كما تسهم هذه المقاربة في إعادة النظر في صورة الإدارة العثمانية خلال سنواتها الأخيرة، إذ تظهرها الوثائق جهازاً إدارياً يتابع أوضاع المهاجرين، ويدير الأراضي والميزانيات، ويعالج النزاعات، وينظّم مسائل الجنسيّة والخدمة العسكريّة، بالتوازي مع مواجهة الضغوط الدبلوماسية والتحدّيات الداخلية والخارجية. 

وتتابع الدراسة أوضاع الجزائريين حتى السنوات الأخيرة التي يغطّيها الكتاب، فتستعرض أحوالهم خلال الحرب العالمية الأولى، واستمرار الإشكالات المرتبطة بالهويّة القانونية حتى عام 1919، كما ترصد تأسيس جمعية المهاجرين الأفارقة في بيروت عام 1914، في دلالة على انتقال الجالية من مرحلة الاعتماد على رعاية الدولة إلى بناء مؤسساتها الأهلية وتنظيم مصالحها بصورة أكثر استقلالاً. وفي الوقت نفسه، يعيد الكتاب الاعتبار إلى تجربة الجزائريين بوصفها تجربة بناء وتنمية، بعدما شاركوا في الزراعة والتجارة والحياة الدينية والعلمية، وأصبحوا جزءاً من النسيج الاجتماعي في بلاد الشام مع احتفاظهم بخصوصيّتهم الثقافية.

وفي ختام الدراسة، ينجح الدكتور عبد الله صلاح مغربي في إعادة وصل صفحات متباعدة من التاريخ العربي الحديث، رابطاً بين المقاومة الجزائرية، والاحتلال الفرنسي، والهجرة إلى المشرق، والإدارة العثمانية، والتحوّلات التي شهدتها فلسطين وبلاد الشام ضمن سياق تاريخي واحد. وتبرز قيمة الكتاب في اعتماده على مصادر أولية أعادت بناء الرواية التاريخية من أساسها، وفي نجاحه في الجمع بين الدقّة الأكاديمية وسلاسة السرد، ليقدّم مرجعاً مهماً في تاريخ الجزائر وبلاد الشام والدولة العثمانية، ويوثق واحدة من أبرز حركات الهجرة العربية في العصر الحديث استناداً إلى الأرشيف العثماني.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية