المناسبات الرياضية في الإمارات: دورة اقتصادية كاملة

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

لم تعد المناسبات الرياضية في الإمارات مجرد منافسات تُقام ثم تنتهي مع صافرة الحكم أو خط النهاية. تحوّلت الرياضة إلى قطاع اقتصادي قائم بذاته، يدخل في صلب السياحة، والضيافة، والنقل، والإعلام، والرعاية التجارية، والتجزئة، والعقارات، وصناعة الترفيه. في أبوظبي و دبي خصوصاً، صار الحدث الرياضي جزءاً من نموذج اقتصادي أوسع: مدينة تستضيف، وتسافر إليها الجماهير، وتُباع فيها التذاكر، وتمتلئ فنادقها، وتظهر صورتها على شاشات العالم.

هذا التحول لا يقوم على الانطباع فقط، بل على أرقام واضحة. في دبي وحدها، تشير الخطة الرياضية 2033 إلى أن مساهمة القطاع الرياضي في الناتج المحلي للإمارة تبلغ حالياً نحو 10.17 مليارات درهم سنوياً، مع هدف رفعها إلى 18.3 مليار درهم بحلول 2033. كما تستهدف الخطة زيادة الحضور السنوي في الفعاليات الرياضية الكبرى من 1.67 مليون مشارك إلى 4.1 ملايين... أرقامٌ تعني أن الرياضة لم تعد نشاطاً جانبياً، بل رافعة اقتصادية ضمن استراتيجية دبي لتنويع مصادر الدخل وتعزيز مكانتها العالمية.

 

السائق الهولندي ماكس فيرستابن عشية جائزة أبو ظبي الكبرى للفورمولا 1 على حلبة ياس مارينا بأبوظبي. (فرانس برس)

 

الرياضة صناعة سياحية

اقتصاد المناسبة الرياضية يبدأ قبل يوم الحدث. يبدأ مع الإعلان، وبيع التذاكر، وحجوزات الطيران، وارتفاع الطلب على الفنادق، ثم يمتد إلى المطاعم، النقل، المراكز التجارية، شركات الأمن والتنظيم، الإعلام، والمنصات الرقمية. وكلما كان الحدث دولياً، ارتفعت قيمة هذا الأثر، لأنه يستقطب جمهوراً من خارج الدولة، لا جمهوراً محلياً فقط.

هنا تكمن قوة الإمارات: تمتلك بنية تحتية سياحية قادرة على تحويل الحدث الرياضي إلى باقة اقتصادية كاملة. دبي استقبلت 18.72 مليون زائر دولي في 2024، ثم ارتفع الرقم إلى 19.59 مليون زائر في 2025. هذه الكتلة السياحية الضخمة تجعل من المناسبات الرياضية أداة فعالة لملء الروزنامة السياحية على مدار السنة، خصوصاً في المواسم التي ترتفع فيها حركة السفر والإنفاق.

في أبوظبي، يظهر المنطق نفسه من خلال جزيرة ياس، حيث لا يأتي الزائر لحضور سباق أو مباراة فقط، بل يدخل في منظومة كاملة تشمل الفنادق والمطاعم والمدن الترفيهية والحفلات والمراكز التجارية والمعالم الثقافية. لذلك، يصبح الحدث الرياضي بوابة لتسويق المدينة، لا مجرد نشاط ضمنها.

 

الفورمولا 1: النموذج الأوضح لاقتصاد الحدث الكبير

يُعد سباق جائزة أبوظبي الكبرى للفورمولا 1 أحد أبرز الأمثلة على قدرة الرياضة على خلق اقتصاد مؤقت عالي القيمة. السباق لا يقتصر على يوم الأحد، بل يمتد على عطلة كاملة تشمل التجارب الحرة، التجارب التأهيلية، السباق، الحفلات، الضيافة الفاخرة، وأجنحة الشركات. هذا يعني أن الإيرادات لا تأتي من المدرجات فقط، بل من حزم السفر، الضيافة، الرعايات، النقل، الإنفاق السياحي، والتغطية الإعلامية العالمية.

أهمية الحدث تتضاعف لأن أبوظبي غالباً ما تستضيف ختام موسم الفورمولا 1، ما يمنحها قيمة إعلامية مضاعفة. في رياضة تتابعها جماهير عالمية، يصبح اسم المدينة جزءاً من السردية النهائية للموسم. اقتصادياً، هذا النوع من الظهور لا يُقاس فقط بعدد التذاكر المباعة، بل بقيمة "الانتباه العالمي" الذي تحصل عليه المدينة، وبالزوار ذوي الإنفاق المرتفع الذين تجذبهم رياضة مثل الفورمولا 1.

هذه المناسبات تصنع أيضاً طلباً كبيراً على الضيافة الفاخرة. فالجمهور القادم لمشاهدة الفورمولا 1 ليس جمهوراً رياضياً عادياً فقط، بل يتداخل مع سياحة الأعمال، وسياحة الرفاه، والشركات التي تستخدم الحدث لاستضافة العملاء والشركاء. لذلك تصبح الحلبة منصة رياضية وتجارية في الوقت نفسه.

 

من إحدى مباريات دوري WASL في دبي. (الموقع الرسمي لـ FIBA WASL)

 

كرة السلة: من WASL إلى آسيا وأوروبا

كرة السلة مثال مهم على انتقال الإمارات من استضافة الأحداث إلى محاولة بناء موقع في خريطة اللعبة نفسها. بطولة WASL، أي دوري غرب آسيا الممتاز لكرة السلة، منحت المنطقة منصة عابرة للحدود تجمع أندية من الخليج وغرب ووسط وجنوب آسيا. وقد استضافت دبي النسخة الافتتاحية من Final 8 في 2023، بمشاركة أندية من بينها شباب الأهلي دبي، إلى جانب أندية من الكويت والبحرين ولبنان وإيران وكازاخستان والهند.

اقتصادياً، لا تضاهي كرة السلة في المنطقة حتى الآن حجم الفورمولا 1 أو سباقات الخيل، لكنها تؤسس لسوق واعدة. البطولة تعني انتقال فرق ولاعبين وأجهزة فنية وجماهير وإعلاميين، وتعني استخدام صالات، خدمات تنظيم، بث، رعايات، وتذاكر. وفي 2024، استضافت دبي النسخة الأولى من Basketball Champions League Asia بين 9 و15 حزيران/يونيو، بمشاركة 8 أندية بطلة من 8 دول آسيوية. هذه البطولة شكّلت خطوة إضافية لأن الفائزين يمكن أن يعبروا إلى كأس الإنتركونتيننتال للأندية، أي أن دبي لم تستضف بطولة محلية أو إقليمية فقط، بل منصة مؤهلة إلى مستوى عالمي.

الأهم أن كرة السلة دخلت أيضاً في طموح دبي الرياضي طويل المدى. فالخطة الرياضية 2033 تضع كرة السلة ضمن الرياضات ذات الصدى العالمي، إلى جانب الغولف والكريكت. وهذا مهم لأن الاستثمار في كرة السلة لا يقوم فقط على مباراة منفردة، بل على جمهور شاب، محتوى رقمي، رعايات، مدارس تدريب، أكاديميات، وبناء نادٍ قادر على تمثيل المدينة خارج حدودها.

من هذه الزاوية، تصبح WASL أكثر من بطولة. إنها اختبار لسوق كرة السلة في الخليج، ولمدى قدرة دبي على تحويل اللعبة إلى منتج ترفيهي وسياحي وإعلامي. ومع دخول دبي Basketball إلى المنافسات الأوروبية في السنوات الأخيرة، صار هناك بعد آخر: تصدير اسم المدينة عبر فريق، لا عبر حدث فقط.

 

سباقات الخيل: جائزة عالمية وصورة فاخرة

إذا كانت الفورمولا 1 تمثل اقتصاد السرعة الحديثة، فإن سباقات الخيل تمثل اقتصاد الفخامة والتراث والضيافة. كأس دبي العالمي في مضمار ميدان هو أحد أكبر أيام السباقات في العالم من حيث الجوائز. يعلن دبي ريسنغ كلوب أن إجمالي جوائز يوم كأس دبي العالمي يبلغ 30.5 مليون دولار عبر ستة سباقات من الفئة الأولى وثلاثة سباقات من الفئة الثانية.

هذه الجائزة أداة اقتصادية. الجوائز الكبرى تجذب ملاك الخيول، المدربين، الفرسان، الرعاة، والإعلام الدولي. وكل فئة من هؤلاء تنفق على السفر، الإقامة، الخدمات البيطرية، الشحن، الضيافة، التسويق، والمزادات. كما أن يوم كأس دبي العالمي ليس سباقاً فقط، بل مناسبة اجتماعية تشمل الموضة، المطاعم، الضيافة، والترفيه، ما يوسع دائرة الإيرادات خارج المضمار.

سباقات الخيل في الإمارات تحمل أيضاً قيمة رمزية. فهي تربط الحداثة بالتراث، وتحوّل الفروسية من تقليد اجتماعي إلى صناعة عالمية. وميدان، كبنية تحتية، لا يعمل كملعب ليوم واحد، بل كمنصة موسمية للسباقات والفعاليات. لذلك فإن العائد الاقتصادي لا يأتي فقط من يوم الكأس، بل من موسم كامل، ومن صورة دبي كوجهة للفعاليات الفاخرة.

 

مشاركون في سباق للخيل بمضمار نادي أبوظبي للفروسية. (وام)

 

السباقات البحرية: الاقتصاد الهادئ للتراث والساحل

الرياضات البحرية في الإمارات تقدم وجهاً مختلفاً من اقتصاد المناسبات. فهي لا تقوم دائماً على الجوائز الضخمة أو البث العالمي وحده، بل على دمج التراث بالسياحة الساحلية. نادي دبي الدولي للرياضات البحرية أعلن موسم 2025-2026 بروزنامة تشمل سباقات القوارب الشراعية التراثية بفئات 22 و43 و60 قدماً، وبطولات التجديف، والجت سكي، والكاياك، والصيد، وسباقات XCAT العالمية، وصولاً إلى سباق القفال للمحامل الشراعية 60 قدماً.

هذا النوع من الفعاليات يخلق أثراً اقتصادياً موزعاً. فهناك إنفاق تنظيمي، مشاركة محلية، حضور جماهيري، تغطية إعلامية، تشغيل للمراسي، طلب على معدات بحرية، وخدمات لوجستية وسياحية. كما أن إدراج بطولة مثل XCAT يربط دبي بالرياضات البحرية العالمية، بينما يحافظ سباق القفال على هوية محلية عميقة تعود إلى تاريخ الغوص والبحر.

في أبوظبي أيضاً، أعلنت أبوظبي للرياضات البحرية ومجلس أبوظبي الرياضي روزنامة 2026 التي تضم 19 سباقاً بحرياً تراثياً، تشمل سباقات المحامل والقوارب الشراعية، إضافة إلى بطولة أبوظبي الكبرى للكنعد. هذه الأرقام تؤكد أن الرياضات البحرية ليست حدثاً عابراً، بل موسم كامل له أثر على المجتمعات الساحلية، والسياحة الداخلية، وحفظ التراث.

 

الغولف والتنس: بطولات صغيرة نسبياً بجمهور عالي القيمة

لا تحتاج كل الفعاليات الرياضية إلى جماهير ضخمة كي تكون مؤثرة اقتصادياً. بعض الرياضات تحقق أثراً كبيراً بسبب نوعية الجمهور لا عدده فقط. في دبي، بطولة دبي ديزرت كلاسيك وبطولة DP World Tour Championship في الغولف تجذبان جمهوراً دولياً وشركات راعية ولاعبين من الصف الأول. بطولة DP World Tour Championship 2025، مثلاً، بلغت قيمة جوائزها 10 ملايين دولار، وهي أكبر جائزة ضمن موسم Race to Dubai لذلك العام.

الغولف يرتبط بسياحة عالية الإنفاق، وبالعقارات، والضيافة، ونوادي الأعمال. فالمتفرج أو الشريك التجاري الذي يأتي إلى بطولة غولف لا يشتري تذكرة فقط، بل غالباً ما يدخل في تجربة ضيافة وشبكات علاقات. ولهذا السبب يحمل الغولف قيمة اقتصادية تتجاوز عدد الحضور المباشر.

الأمر نفسه ينطبق على التنس. بطولة دبي ديوتي فري للتنس، وهي من بطولات ATP 500، بلغت جوائز نسخة 2025 للرجال 3.237 ملايين دولار، مع التزام مالي إجمالي قدره 3.415 ملايين دولار. هذه الأرقام تجعل البطولة نقطة جذب للاعبين الكبار، وتمنح دبي أسبوعاً رياضياً عالمياً يتزامن مع حركة سياحية وتجارية قوية.

 

مشهد من إحدى منافسات رياضة الغولف بدبي (فرانس برس)

 

الدراجات والكريكت والرياضات الجديدة

طواف الإمارات للدراجات مثال على نوع آخر من الاقتصاد الرياضي: رياضة تتحرك عبر الجغرافيا وتسوّق الدولة كلها. نسخة 2025 امتدت على سبع مراحل في إمارات ومناطق مختلفة، من الظفرة إلى رأس الخيمة والفجيرة وأبوظبي ودبي والعين. هذه الصيغة تجعل الحدث منصة ترويج سياحي متنقلة، لأن الكاميرات لا تعرض الملعب فقط، بل الصحراء، الجبال، المدن، الطرق، والسواحل.

أما الكريكت، فيحمل أهمية خاصة بسبب التركيبة السكانية في الإمارات، ووجود جمهور واسع من جنوب آسيا. مباريات الكريكت الدولية في أبوظبي ودبي والشارقة تجذب جماهير كبيرة، وترتبط بسوق إعلانية وإعلامية ضخمة. ورغم أن الأرقام التفصيلية لكل بطولة تختلف، فإن الكريكت يشكّل أحد أكثر المنتجات الرياضية قابلية للتسويق في الإمارات بسبب حجم الجاليات، وعلاقة اللعبة بالهند وباكستان وبنغلادش وسريلانكا.

كما تدخل الإمارات بقوة في رياضات جديدة مثل البادل، الرياضات القتالية، الرياضات الإلكترونية، وركوب الأمواج الاصطناعية في أبوظبي. هذه الرياضات لا تُقاس فقط بمنطق التقاليد الرياضية، بل بمنطق السوق الجديدة: جمهور شاب، محتوى قصير، رعايات رقمية، وتأثير مباشر على نمط الحياة.

 

الرعاية والإعلام: المال غير المرئي

جزء كبير من اقتصاد الرياضة لا يظهر في التذكرة. الرعايات، حقوق البث، الشراكات التجارية، المحتوى الرقمي، والضيافة المؤسسية تشكل قلب الاقتصاد الرياضي الحديث. عندما تستضيف الإمارات بطولة دولية، فهي لا تبيع مقعداً في مدرج فقط؛ إنها تبيع ظهوراً للمدينة، ومساحة للعلامات التجارية، وتجربة للشركات، ومحتوى قابلاً للتداول عبر الشاشات والمنصات.

لهذا السبب، تهتم المدن الكبرى باستضافة الأحداث حتى عندما لا تكون الأرباح المباشرة مضمونة بالكامل. العائد الحقيقي قد يكون في امتلاء الفنادق، أو في عقود الرعاية، أو في تعزيز صورة المدينة، أو في استقطاب استثمارات لاحقة في السياحة والعقار والترفيه. لكن هذا لا يعني أن كل حدث مربح تلقائياً. اقتصاد الرياضة يحتاج إلى قياس دقيق، لأن بعض الفعاليات قد تُنتج إنفاقاً محلياً معاداً توجيهه لا إنفاقاً جديداً، خصوصاً إذا كان جمهورها محلياً أكثر منه دولياً.

 

إيلينا ريباكينا من كازاخستان تحمل الكأس بعد فوزها في نهائي فردي السيدات في بطولة مبادلة أبوظبي المفتوحة للتنس في 11 فبراير 2024. (فرانس برس)

 

كيف نقيس العائد؟

التحدي الأكبر في اقتصاد المناسبات الرياضية هو القياس. هل نحسب مبيعات التذاكر فقط؟ أم إنفاق الزائر في الفندق والمطعم؟ هل نحسب الرعايات؟ هل نحسب قيمة الظهور الإعلامي؟ وهل نميّز بين زائر جاء أساساً من أجل الحدث وزائر كان سيأتي إلى دبي أو أبوظبي على أي حال؟

هذه الأسئلة ضرورية حتى لا يتحول الحديث عن الاقتصاد الرياضي إلى أرقام دعائية. التجربة العالمية تثبت أن الأثر الاقتصادي للفعاليات الكبرى قد يكون كبيراً محلياً لكنه محدود على مستوى الناتج العام، إذا لم يترافق مع استراتيجية طويلة الأمد. الإمارات تبدو واعية لهذه النقطة، لأنها لا تراهن على حدث واحد، بل على روزنامة مستمرة: فورمولا 1، خيول، غولف، تنس، كرة سلة، كريكت، دراجات، رياضات بحرية، وفعاليات مجتمعية.

 

اقتصاد شبكة

اقتصاد المناسبات الرياضية في الإمارات هو اقتصاد شبكة لا اقتصاد ملعب. الحدث الرياضي يحرّك قطاعات متداخلة: السياحة، الفنادق، الطيران، النقل، الإعلام، الرعاية، التجزئة، الترفيه، الأمن، التكنولوجيا، والعقار. وتكمن قوة الإمارات في أنها لا تستضيف الرياضة بمعزل عن المدينة، بل تجعل المدينة نفسها جزءاً من التجربة.

من WASL في كرة السلة إلى كأس دبي العالمي للخيول، ومن سباقات الفورمولا 1 إلى القفال والسباقات البحرية، ومن الغولف والتنس إلى طواف الإمارات، تبدو الرياضة في الإمارات أداة تنويع اقتصادي ناعمة لكنها مؤثرة. الأرقام تؤكد الاتجاه: مساهمة رياضية بمليارات الدراهم في دبي، أهداف مضاعفة بحلول 2033، ملايين الزوار الدوليين، عشرات الملايين من الدولارات في الجوائز، وروزنامة فعاليات تتوسع عاماً بعد عام.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية