الملك عبد العزيز وابن خلدون: من منطق الغلبة إلى أفق العمران

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

الخوري ريمون أبي تامر

 

ليس التأسيس لحظة انتصار تُختزل في رفع راية أو تثبيت سلطة،  فهو انتقالٌ بطيء وعميق من منطق القوة إلى منطق المعنى. فالدولة، في أفق التفكير الخلدوني، لا تُفهم بوصفها حدثاً سياسياً طارئاً، إنما بوصفها تحوّلًا في بنية الاجتماع البشري: من جماعة تتماسك عبر قوة الانتماء الجمعي إلى كيانٍ يُنتِج نظامه الخاص من القضاء والعمران والمؤسسات.

 

من هنا، لا يعود السؤال عند قراءة تجربة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود سؤالًا محصوراً بالتوحيد الجغرافي، فهو سؤال أعمق: كيف يمكن للغلبة أن تتحول إلى عمران؟ وكيف يمكن للفتح أن يتجاوز لحظة السيف ليؤسس زمن الدولة؟

 

ابن خلدون: الدولة بوصفها انتقالاً لا استقراراً

 

في كتابه الشهير "المقدمة"، يقدّم عبد الرحمن بن خلدون تفكيكًا مبكراً لفكرة الدولة، يقوم على التمييز بين أنماط من الملك والسلطة. فالملك في صورته الأولى قد يكون طبيعياً، قائماً على القهر والغلبة، لكنه يبقى هشّاً، لأنه مرتبط بشخص الغالب لا ببنية الاجتماع. أما الملك السياسي، فهو الذي يتجاوز لحظة السيطرة ليؤسس نظاماً من القوانين والعمران.

 

هنا يتقدّم مفهوم "العمران" بوصفه المفصل النظري الحاسم. فهو أكثر من مجرد توسّع مادي أو ازدهار عمراني، هو نمط حياة اجتماعية متكاملة: قضاء يضبط العلاقات، وتعليم ينقل المعرفة، واقتصاد يضمن الاستمرارية، وسلطة تتحول من قوة قاهرة إلى نظام قابل للتداول والاستمرار.

 

لكن ابن خلدون يضيف بُعداً حاسماً: إن الدولة تولد من قوة الانتماء الجمعي، لكنها تميل مع الزمن إلى إضعاف شرطها الأول. فكلما اتسع العمران، خفّ وهج القوة المؤسسة التي قامت عليها الدولة، وازدادت حاجتها إلى مؤسسات تُعوّض هذا التآكل الداخلي. وهنا تتحدد هشاشة الدول أو استمرارها.

 

بهذا المعنى، لا تقوم الدولة على القوة وحدها، ولكن على قدرتها على تحويل القوة إلى نظام يتجاوزها.


الجزيرة العربية قبل التحول: من التعدد إلى التنازع

 

قبل اكتمال مشروع التوحيد في بدايات القرن العشرين، كانت الجزيرة العربية مجالًا واسعاً من التشكيلات القبلية المتجاورة والمتداخلة. لم تكن هذه البنية حالة من الفوضى سياسية، كانت نمطاً اجتماعياً قائماً على الولاءات الأولية، حيث تتقدم قوة الانتماء الجمعي المحلية على القانون، ويُدار النزاع بمنطق التوازنات أكثر من منطق المؤسسات.

 

وقد عرفت المنطقة محاولات سابقة للتوحيد في ظل الدولتين السعوديتين الأولى والثانية، إلا أن هذه التجارب بقيت محكومة بالمنطق الاجتماعي ذاته الذي أنتجها، فلم تتمكن من إنتاج جهاز مؤسسي قادر على الاستمرار بعد لحظة القوة المؤسسة.

 

وقد كشفت نهاية هاتين التجربتين أن التوحيد وحده لا يكفي لضمان الاستمرار. فالتحدي الحقيقي ليس جمع المجال السياسي تحت سلطة واحدة، إن التحدي يكمن في كيفية بناء مؤسسات قادرة على حمل هذا المجال بعد انحسار القوة المؤسسة التي أوجدته.

 

وفق القراءة الخلدونية، يمكن فهم هذا الإخفاق باعتباره تعبيراً عن غياب الانتقال من "الدولة بوصفها غلبة" إلى "الدولة بوصفها عمراناً".


الملك عبد العزيز: لحظة التحوّل من الغلبة إلى النظام

 

يشكّل إعلان قيام المملكة العربية السعودية عام 1932 لحظة مفصلية تتخطى مفهوم نهاية مسار توحيد،  لتصبح بداية سؤال الدولة. فالتحدي الحقيقي أبعد من السيطرة على المجال الجغرافي،  فهو قائم على تحويل هذا المجال إلى كيان سياسي قابل للاستمرار.

 

في هذا السياق، يمكن قراءة سياسات الملك عبد العزيز بوصفها سلسلة من عمليات الانتقال من الشرعية القائمة على قوة الانتماء الجمعي إلى الشرعية القائمة على المؤسسة.

 

ففي مجال القضاء، جرى توحيد المرجعية القانونية ضمن إطار واحد يستند إلى الشريعة، بما أسس تدريجياً لفكرة العدالة العامة بوصفها معياراً يتجاوز الانتماءات المحلية. لم يعد النزاع يُفصل وفق أعراف متفرقة، لكن وفق سلطة قضائية واحدة، ما يعني انتقالًا من العدالة الجزئية إلى العدالة المؤسسية.

 

وفي مجال التعليم، كان الهدف أعمق من فكرة التحديث الإداري،  وارتكز التأسيس على  بنية الإنتاج المعرفي. فالدولة الحديثة لا يمكن أن تبنى على الفاعلية العسكرية فقط، لذلك هي بحاجة إلى قدرة المجتمع على إنتاج الكفاءات الإدارية والعلمية القادرة على إدارة العمران.

 

أما في المجال الإداري والاقتصادي، فقد بدأت تتبلور ملامح جهاز دولة مركزي: تنظيم مالي، مجلس للشورى، توحيد إداري تدريجي، وتأسيس بنية تحتية تربط أطراف البلاد. ومع اكتشاف النفط لاحقاً، أتاحت الموارد الجديدة للدولة توسيع استثماراتها في البنية التحتية والتعليم والإدارة، ما عزز عملية العمران المؤسساتي والاجتماعي ووسّع قدرة الدولة على تنظيم المجال الوطني.

 

هكذا يتكشف التحول الأساسي: من قائد يوحّد المجال بقوة التماسك المؤسس، إلى مؤسس يحوّل هذه القوة نفسها إلى نظام قابل للاستمرار.

 

الدولة بين الشخص والنظام

 

من منظور خلدوني،  يتحوّل معيار  قوة الدولة من قدرتها على التأسيس، إلى قدرتها على تجاوز لحظة المؤسس. فالدولة التي تبقى معلّقة بشخصيتها التأسيسية تظل أسيرة منطق الغلبة، بينما الدولة التي تنجح في إنتاج مؤسسات مستقلة تبدأ فعلًا بالتحول إلى عمران.

 

في هذا الإطار، يمكن فهم استمرارية النموذج الذي تأسس في عهد الملك عبد العزيز بوصفه نتيجة لعملية "تدوين السلطة" داخل مؤسسات: القضاء، التعليم، الإدارة، والاقتصاد. فهذه البنى هي التي تنقل الدولة من مستوى الإرادة الفردية إلى مستوى النظام التاريخي.


العمران بوصفه عملية لا حالة

 

إن أحد أهم ما يقدّمه ابن خلدون هو رفضه لفكرة الدولة بوصفها حالة استقرار نهائي. فالعمران ليس لحظة مكتملة،  ولكنه عملية دائمة من التوازن بين القوة والنظام، بين التوسع والانضباط، بين قوة الانتماء الجمعي والمؤسسة.

 

من هذا المنظور، لا تُقرأ تجربة الملك عبد العزيز بوصفها لحظة تأسيس منتهية، ولكن بوصفها انطلاق مسار طويل من إنتاج الدولة الحديثة، بكل ما يحمله هذا المسار من إمكانات وتحديات في آن.

 

فالعمران، كما يفهمه ابن خلدون، لا يُقاس فقط بحجم البناء، بل بقدرة المجتمع على إعادة إنتاج شروط استمراره.


 أثر يتجاوز لحظة التأسيس

 

لعل السؤال الذي شغل ابن خلدون كان أبعد من كيف تنتصر الجماعات؟ فالسؤال الخلدوني العميق هو كيف تنجو الدول من لحظة انتصارها الأولى؟ فالانتصار حدث، أما العمران فزمن. وإذا كانت تجربة الملك عبد العزيز تحمل دلالة فلسفية تتجاوز حدودها التاريخية، فذلك لأنها تضعنا أمام هذا الانتقال الصعب: انتقال القوة من كونها مصدراً للسلطة إلى كونها مادة تُبنى منها المؤسسات.

 

فما بدأ كحركة توحيد جغرافي لم يكتسب معناه التاريخي من التوسع وحده،  إنما من القدرة على إنتاج بنية سياسية قابلة للاستمرار بعد لحظة التأسيس. وهنا تحديداً يلتقي الملك عبد العزيز بابن خلدون: لا عند سؤال الغلبة، ولكن عند سؤال العمران. هناك فقط يبدأ العمران، وهناك فقط يبدأ التاريخ الطويل للدول.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية