المكسيك ومجموعة غيلمان تتنازعان التراث الثقافي... فمن يملك فريدة كالو؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

تستعدّ عشر لوحات للفنانة المكسيكية فريدا كالو لمغادرة المكسيك ضمن جولة أوروبية تمتدّ لسنوات، من دون أن تطوي النقاش الذي افتتحته حول الحق في التراث الثقافي؛ فالقضية تتجاوز انتقال الأعمال الفنية من متحف إلى آخر، وتعيد طر ح أسئلة حول صاحب الحق في التراث الثقافي: هل هو جامع الأعمال الفنية الذي يمتلكها قانوناً، أم الدولة التي تعدّها جزءاً من هويتها الوطنية، أم المتاحف الدولية التي تتيح عرضها أمام جمهور عالمي؟

تتمحور هذه القضية حول مجموعة غيلمان سانتاندر، إحدى أهم المجموعات الخاصة للفن المكسيكي الحديث في العالم. تضمّ المجموعة أعمالاً تُعدّ من روائع فريدا كالو، ودييغو ريفيرا، وخوسيه كليمنتي أوروزكو، وديفيد ألفارو سيكيروس، وروفينو تامايو، إلى جانب أعمال فنانين بارزين آخرين أسهموا في رسم ملامح الفن المكسيكي في القرن العشرين. وقد أثارت خطط تنظيم جولة أوروبية تمتدّ لسنوات عدّة للمجموعة طعوناً قانونية من نقاد وناشطين ثقافيين ومواطنين أعربوا عن خشيتهم من ألّا تعود هذه اللوحات، ولا سيما الأعمال العشرة لفريدا كالو، إلى المكسيك بصورة دائمة.

يتجاوز هذا النزاع مسائل تصاريح نقل الأعمال الفنية أو إعارتها إلى المتاحف. فهو يفرض على المكسيك، وعلى عالم الفن الدولي بأسره، مواجهة سؤال بالغ الصعوبة: متى يصبح حق الملكية الخاصة غير متوافق مع القيمة الثقافية العامة التي يكتسبها العمل الفني؟

 

مجموعة غيلمان والجدل العالمي

تُدين مجموعة غيلمان بوجودها لجاك وناتاشا غيلمان، وهما زوجان امتدّت حياتهما بين أوروبا وهوليوود والمكسيك. وُلد جاك غيلمان في روسيا، وبنى مسيرة ناجحة في مجال السينما بعد استقراره في المكسيك خلال أربعينيات القرن العشرين. وبالاشتراك مع زوجته ناتاشا، أقام صداقات وثيقة مع دييغو ريفيرا وفريدا كالو، فكلّفهما برسم بورتريهات واقتنى أعمالاً مباشرة من الفنانين على مدى عقود. وبدلاً من جمع اللوحات بأثر رجعي عبر سوق الفن، اقتنى الزوجان كثيراً من هذه الأعمال بينما كان الفنانون لا يزالون على قيد الحياة، ما أتاح تكوين سجل متماسك على نحو استثنائي للحداثة المكسيكية.

 

“العروس التي يعتريها الخوف عندما ترى الحياة مكشوفة“ (1943) بريشة فريدا كالو.

 

بعد وفاة ناتاشا غيلمان عام 1998، آلت ملكية المجموعة في نهاية المطاف إلى مؤسسة فيرغيل، التي واصلت إعارة أعمالها إلى متاحف ومؤسسات فنية حول العالم. وقد أتاحت معارض أُقيمت في مؤسسات بارزة، من بينها متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك، والقصر الكبير (غراند باليه) في باريس، لملايين الزوار فرصة تعرّف أعمال نادراً ما تُعرض مجتمعة في مكان واحد.

 

فريدا كالو أيقونة فنية وعلامة عالمية

بالنسبة إلى كثير من المكسيكيين، غدت فريدا كالو واحدة من أبرز السفراء الثقافيين للمكسيك وأكثرهم حضوراً في الوعي العالمي، وشخصية تحمل قيمة رمزية واقتصادية استثنائية. حوّلتها بورتريهاتها الذاتية، الموسومة بالمعاناة الجسدية، والرموز المرتبطة بالسكان الأصليين، والمواجهة الصريحة مع الذات، إلى واحدة من أكثر الفنانين تميزاً وحضوراً في تاريخ الفن الحديث. لم يعد حضور كالو مقتصراً على المتاحف، إذ باتت صورتها تظهر على الملابس ومستحضرات التجميل وحقائب اليد وأكواب القهوة، وفي حملات وسائل التواصل الاجتماعي، وشراكات دور الأزياء الفاخرة. وهكذا، أصبحت ملامحها علامةً تجارية عالمية بقدر ما تمثل هويةً فنية.

ترى مؤرّخة الفن هايدن هيريرا، التي أسهمت سيرتها المرجعية عن فريدا كالو في تقديم الفنانة إلى جمهور دولي أوسع، أن جاذبية كالو تكمن في الطابع الشخصي العميق لأعمالها، حيث تتداخل السيرة الذاتية والرسم إلى حدّ يستحيل معه الفصل بينهما. وقد جعل هذا الصدق العاطفي المباشر أعمال كالو قريبة من جمهور يتجاوز حدود عالم الفن التقليدي.

لكن الشعبية العالمية أفرزت مفارقة لافتة، إذ لا يزال كثير من لوحاتها الأصلية بعيداً عن متناول الجمهور لأنها مملوكة لجهات خاصة، بينما تنتشر صورتها في كلّ مكان تقريباً. وتكمن هذه المفارقة في صلب الجدل الدائر حول مجموعة غيلمان. فمن الناحية القانونية، تعود ملكية المجموعة إلى أصحابها. ووفقاً للمبادئ التقليدية لقانون الملكية، يحق لهم إعارة الأعمال الفنية وعرضها والتأمين عليها، ما دامت القوانين الوطنية تُحترم. وتعتمد المتاحف أساساً على مثل هذه الإعارات الخاصة لتنظيم معارضها الكبرى.

 

“بورتريه ذاتي مع قلادة“ (1933) بريشة فريدا كالو.

 

أما من الناحية الثقافية، فقد اعتبرت المكسيك الإنجازات الفنية لكل من دييغو ريفيرا، وخوسيه كليمنتي أوروزكو، وديفيد ألفارو سيكيروس، وفريدا كالو، جزءاً لا ينفصل عن هويتها الوطنية؛ فبعد الثورة المكسيكية، أسهم هؤلاء في صياغة لغة بصرية احتفت بتاريخ السكان الأصليين، والعدالة الاجتماعية، والسيادة الوطنية. وأدّت لوحاتهم دوراً فاعلاً في رسم ملامح المكسيك الحديثة.

ووفق ما يرى مؤرخ الفن ليونارد فولغارايت، فقد جرى تصوّر الجداريات المكسيكية بوصفها مشروعاً فنياً عاماً، لا مجرد حركة جمالية خالصة. وحتى فريدا كالو، على الرغم من الطابع الذاتي العميق لأعمالها، أصبحت جزءاً منسوجاً في هذا السرد الوطني الأوسع.

من هنا، يبرز السؤال: هل تكتسب الروائع الفنية التي تجسّد الذاكرة الثقافية لبلدٍ ما التزاماتٍ تتجاوز ما يترتّب عادةً على الملكية الخاصة؟

 

من يملك التراث الثقافي؟

تعكس اتفاقية اليونسكو لعام 1970 بشأن منع الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية هذا المبدأ الدولي الأوسع، إذ تعترف بأن التراث الثقافي يتمتع بأهمية استثنائية بالنسبة إلى الدول. ورغم أنّ مجموعة غيلمان ليست موضع نزاع يتعلق بتصدير غير قانوني، فإنّ الاتفاقية تتمحور حول أنّ بعض الأعمال الفنية تحمل قيمة تتجاوز حدود الملكية في السوق.

شهدت دول أخرى نقاشات مماثلة. فما زالت اليونان تواصل حملتها الممتدة منذ عقود لاستعادة رخاميات البارثينون من لندن، كما نجحت نيجيريا في التفاوض على استعادة عدد كبير من برونزيات بنين من مؤسسات أوروبية. أما إيطاليا، فتتدخل بصورة منتظمة لمنع خروج الأعمال الفنية ذات الأهمية الوطنية من البلاد بشكل دائم.

مع ذلك، تختلف القضية المكسيكية، لأنّها لا تتعلق بنهب استعماري أو بسرقات وقعت خلال الحروب، بل بأعمال فنية اقتُنيت بصورة قانونية، قبل أن تتضاعف قيمتها الرمزية بمرور الزمن. ويعكس هذا الجدل، في جوهره، تحولاً أوسع في نظرة المجتمعات إلى التراث الثقافي في عصر المتاحف العالمية وسوق الفن الدولية.

ولا شك في أن هواة جمع الأعمال الفنية يؤدون دوراً مهمّاً في الحفاظ على هذه الأعمال، ويستثمرون فيها - في أغلب الأحيان - موارد تعجز المؤسسات العامة عن توفيرها. كذلك، تتيح المعارض الدولية لهذه الروائع أن تصل إلى جمهور ربما لم يكن ليحظى بفرصة مشاهدتها لولا ذلك.

تنتمي لوحات فريدا كالو في الوقت نفسه إلى مالكيها القانونيين، وإلى المخيال الثقافي للمكسيك، وإلى تاريخ الفن العالمي. وهذه المطالبات المتداخلة ليست بالضرورة متعارضة، لكنّ تحقيق التوازن بينها أصبح أحد أبرز التحديات التي تواجه السياسات الثقافية في القرن الحادي والعشرين.

لهذا، يتجاوز الجدل حول مجموعة غيلمان حدود المكسيك، ويطرح سؤالاً يمسّ عالم الفن كله. فعندما تحمل الأعمال الفنية ذاكرة شعب وهويته، لا تعود ملكيتها شأناً قانونياً يخص أصحابها وحدهم، وإنما تصبح مسؤولية ثقافية تجاه المجتمع الذي تمثله وتجاه الأجيال المقبلة.

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية