المفاوضات... ومرتكزات السلام في لبنان
فرصة تاريخية جديدة. وكم أضعنا من فرص تاريخية من قبلها! ألم يكن القرار 1701 فرصة تاريخية؟ لقد كان. إلا أن الحكم يومها لم يتمكن من بلورة موقف صلب وحاسم بالنسبة إلى تطبيقه، وتراجع أمام تهديد "حزب الله" بالفتنة. فاختار مسارا خاطئا يلتزم التراضي مع "حزب الله"، بدل الطلب منه التزام تطبيق القرار. هذه المرة، نرجو من الحكم ألا يقع في الخطيئة مرة ثانية، ويخاف أمام هؤلاء الذين يهددونه.
نذهب اليوم إلى مفاوضات مفصلية على أعلى المستويات الديبلوماسية، تُعقد بناء على طلب من الولايات المتحدة وبرعايتها. إنها المرة الوحيدة في تاريخ لبنان المعاصر تقف الولايات المتحدة بجانب لبنان في موقف صارم وواضح وقوي يدعم قيامته. ربما لا تكون أميركا هي الوسيط الأمثل بين لبنان وإسرائيل، لكنها بالتأكيد الوسيط الوحيد الذي يمكنه تنفيذ الاتفاق. وهي الدولة الوحيدة التي يمكنها أن تفرض على إسرائيل التزامه.
ولكي تنجح هذه المفاوضات، يجب أن يعرف لبنان ماذا يريد، وأن يحدد الطريق للوصول إلى ما يريد. من الطبيعي أن يطالب لبنان بوقف دائم لإطلاق النار، وبانسحاب الجيش الإسرائيلي من كل الأراضي اللبنانية التي يحتلها، وعودة النازحين إلى قراهم، وترسيم الحدود البرية والبحرية، والاتفاق على كل النقاط الخلافية. كلها أمور مهمة وضرورية، لكنها وحدها لا تأخذنا إلى السلام. هذه المرة نحن لسنا ذاهبين للتفاوض على الأرض والبحر والنفط والغاز فقط، بل للتفاوض على ما هو أهمّ، وهو ألا يزول لبنان. وأن يبقى هذا اللبنان لبناننا. ولكي يبقى لبناننا، ها نحن نقترح إطاراً لهذه المفاوضات، وموقفاً حاسماً وواضحا للبنان يرتكز على الأسس الثلاثة:
أولا: السلام.
في هذه المفاوضات لن يكون الكلام على اتفاق أمني أو العودة إلى اتفاق الهدنة. سيكون الكلام على السلام الشامل والدائم بيننا وبين إسرائيل. نحن، بكل وضوح وجرأة، ومن دون تردد، نريد السلام. كفى بنا حروبا. لقد شبعت الأرض دماء، وشبعت السماء ضجيجا. ضجيج الثورات والشعارات الفارغة. فكل الثورات والشعارات في سبيل تحرير فلسطين لم تؤدّ إلى الفشل فقط، بل أدت أيضا إلى تدمير ما تبقى من فلسطين وتدمير لبنان. ها قد حان وقت العودة إلى العقل. يبقى "العقل هو الإمام". ها قد انتفض لبنان، انتفض على الموت. إنه يريد الحياة. يريد السلام. يريد السلام نفسه الذي صنعته دول عربية أخرى كمصر والأردن. ولماذا فرض على لبنان، هذا البلد الصغير، أن يلتزم وحده "النضال" لتحرير فلسطين؟ كان ذلك بسبب ضعف الحكم، ولأن لبنان لم يكن دولة بقدر ما كان إدارة فاسدة لدول الطوائف.
ثانيا: نزع السلاح.