"المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية": هل يناور نتنياهو لكسب مزيدٍ من الوقت؟
تباين في التصريحات والنيّات، هكذا يمكن وصف الجولة الافتتاحية من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية. فبينما تتحدث واشنطن عن مسار سياسي نحو "سلام شامل وتطبيعٍ للعلاقات"، تؤكد بيروت أولوية وقف إطلاق النار، وتشدّد إسرائيل على ضرورة "تفكيك كل التنظيمات المسلحة".
لكن ما اتفق عليه سفيرا لبنان لدى واشنطن ندى حمادة معوض وإسرائيل ياحيئيل لايتر برعاية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال ساعتين من التفاوض، انحصر في إطلاق مفاوضات مباشرة، في خطوة تُعد الأولى منذ عقود وسط مساعٍ لوضع إطار سياسي وأمني بين لبنان وإسرائيل.
وبحسب مصادر تحدّثت إلى صحيفة "هآرتس"، فإن فتح مسار المفاوضات ينظر إليه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو على أنه "مناورة" تتيح له كسب الوقت من دون وقف الحرب على لبنان وعلى "حزب الله"، مع إظهار "حسن نيّة" تجاه الإدارة الأميركية.
فهل هناك فرصة سانحة لإنجاز اتفاق؟
في موازة ذلك عنونت صحيفة "يديعوت أحرونوت" مانشيتها الرئيسي "مفاوضات تاريخية في واشنطن وإطلاق صواريخ على الشمال"، وأشارت الصحيفة إلى أنه رغم "المحادثات التاريخية" في الولايات المتحدة، يشهد الشمال مزيداً من القصف ما أثار الشكوك في جدوى المفاوضات.
وخصّصت الصحيفة مساحة للحديث عن الجبهة اللبنانية المشتعلة وكتبت: "على الأقل في الوقت الراهن يبدو الواقع في الشمال بعيداً كل البعد عن الهدوء، وسيواجه حزب الله صعوبة بالغة في التخلي عن طموحاته، ومن المؤكد أنه لن يوافق على نزع سلاحه".
ونقلت الصحيفة عن رئيس مجلس مستعمرة المطلة دافيد أزولاي قوله: "لا يمكن للجيش الإسرائيلي تفكيك حزب الله، أنا بالتأكيد أؤيد إجراء محادثات مباشرة مع الحكومة اللبنانية، لكن يجب أن نتذكر أنه في نهاية المطاف، مهما بلغت قوة الجيش الإسرائيلي، ومهما مُنح من وقت فلن يتمكن من تفكيك حزب الله. دعونا لا ننخدع، لا يمكنه الوصول إلى كل منزل أو كل بندقية كلاشينكوف. في النهاية، من المفترض أن تقوم الحكومة اللبنانية بهذه المهمة".
أما رئيس بلدية كريات شمونة أفيخاي شتيرن فقال: "لا يوجد سبب للمفاوضات، فلبنان غير قادر ولن يستطيع نزع السلاح". وأضاف: "لو تفاوضت حكومة يسارية مع لبنان اليوم نعلم جميعاً كيف سيكون رد فعل اليمين، نحن في كريات شمونة وفي المجتمعات الواقعة على خط المواجهة لسنا مستعدين لأن نكون ضحايا للسلام".
وقال رئيسا المجلسين الاستيطانيين إن المعنيين "في الإدارة الأميركية لا يُغلقون الأمور بالطريقة التي نريدها، إذا أردتم صنع سلام فعليكم فتح معبر الناقورة أو السياج الحدودي في المطلة والجلوس للتفاوض، انصبوا خيمةً على الجانب اللبناني وخيمةً على الجانب الإسرائيلي وتحدثوا هنا، وفي غضون عامين إلى أربعة أعوام يُمكننا تطبيق اتفاقيات أبراهام أيضاً".
مفاوضات مباشرة في زمان ومكان يُتفق عليهما
يشكك الكثير من الإسرائيليين في جدوى هذه المفاوضات، وتعتقد مصادر تحدثت إلى المحللة السياسية في"هآرتس" ليزا روزوفسكي أن الاجتماع يهدف إلى إعلان وقف إطلاق النار وتحديد موعد لجولة أخرى من المفاوضات، بينما صرّح لايتر بأنه لن يناقش وقف إطلاق النار مع "حزب الله". ويُعدّ نزع سلاح الحزب أولوية قصوى لإسرائيل، لكن من غير الواضح ما إن كانت إسرائيل تنوي ربط أي تقدم في الاتصالات بنزع السلاح.
يأتي ذلك في الوقت الذي أعلن فيه الجيش الإسرائيلي المنتشر حالياً على بُعد حوالى 10 كيلومترات جنوبي نهر الليطاني، أنه لا ينوي التقدم شمالي النهر.
وكشفت هيئة البث الإسرائيلية "كان" أنها ليست المرة الأولى التي تلتقي فيها السفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة السفير الإسرائيلي، وأن هذه اللقاءات عُقدت برعاية رجل الأعمال اللبناني أنطوان الصحناوي، الذي يُقال إنه أصبح "حبيب" مبعوثة إدارة ترامب السابقة إلى لبنان مورغان أورتاغوس.
وأضافت"كان" أن أي اتفاق لبناني/إسرائيلي عبر واشنطن بمعزل عن أي اتفاقٍ مع إيران من المحتمل أن لا يكون مستقراً ودائماً، وبالتالي يجب وقف كل الهجمات الإسرائيلية في المنطقة، لأن وقف إطلاق النار في لبنان شرط وليس مطلباً، ما يعني أنه لا يمكن عقد جولة أخرى من المفاوضات مع الجانب الأميركي من دونه. فإما أن يقبل الأميركيون كل الشروط دفعة واحدة، أو أن معارضة أحدها ستُعدّ معارضة لكل الشروط.
"الفرصة الأخيرة" للبنان
في المقابل كتب شاحر كلايمان في"إسرائيل اليوم" أنه "بعد عقود من الخوف، أدى اغتيال القيادة العليا لحزب الله وسقوط نظام الأسد إلى كسر حاجز الخوف في بيروت، يُدرك اللبنانيون أنه السبيل الوحيد للعودة إلى دول الخليج والتحرّر من النفوذ الإيراني، سباق مع الزمن في مواجهة التركيبة السكانية الشيعية، إن لم يبتلع لبنان حزب الله فسوف يبتلعه الحزب".
بالنسبة إلى إسرائيل في هذه المعادلة، الهدف واضح تماماً، نزع سلاح "حزب الله" يتطلب تعاوناً لبنانياً، ومن دون قوة لفرضه سيجذب الفراغ العناصر "المسلحة" وستواصل تهديد سكان الشمال، وإسرائيل لا تفتقر لأعداء سيغتنمون هذه الفرصة، أضاف كلايمان.
وأوضح كلايمان أنه ليس مبالغة القول إنها ربما تكون الفرصة الأخيرة لكثيرين في لبنان، فالتغيرات الديموغرافية تصب في مصلحة "حزب الله"، إذ ينتمي معظم مؤيديه إلى الطائفة الشيعية التي تنمو على حساب الطوائف الأخرى، ولا سيما الطائفة المارونية المسيحية، ومن هذا المنطلق يُعدّ التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل مسألة لا رجعة فيها.
وكتبت آنا بارسكي في"معاريف": "تتجلى المشكلة في كونه لا يزال في إسرائيل من يعتقد أن لبنان دولة مركزية منظمة، قادرة على اتخاذ قرار واحد صباحاً وفرضه على جميع الأطراف مساءً، بالطبع هذا ضرب من الخيال".
ورأت باراسكي أن لبنان يدخل المفاوضات حذراً وضعيفاً ومنقسماً وقبل كل شيء خائفاً. يرغب بشدة في وقف النزف والحدّ من حجم الدمار، واستعادة بعض السيادة، لكنه لا يعمل في ساحة خالية، فأمامَه يقف حزب الله، غير مستعدّ للتخلي عن مكانته وأسلحته وحقّه في تقرير مسائل الحرب والسلام. ليس من قبيل المصادفة أن يكون الخطاب اللبناني منقسماً بينما يسعى المستوى السياسي إلى تعزيز محادثات تُفضي على الأقل إلى وقف إطلاق النار أو ضبط النفس، يُعلن حزب الله جهاراً أنه لن يعتبر نفسه ملتزماً أي اتفاق يُبرم من دونه. في الوقت نفسه يُشير استعداد الحكومة اللبنانية إلى أنها تُدرك أن استمرار الوضع الراهن لا يقلّ خطورة عليها عما هو عليه على إسرائيل.