المغرب وفرنسا

من جراح الماضي إلى مستقبل الشراكة الاستراتيجية

خلال الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون للمغرب في أكتوبر 2024، والتي وضعت حدا لتوتر العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتم فيها التوقيع على ما سماه ماكرون “شراكة استثنائية”، أشار الرئيس الفرنسي إلى زيارة مرتقبة للملك محمد السادس إلى فرنسا معتبرا أن تلك الزيارة ستكون مناسبة لاستلهام وإحياء روح وثيقة تاريخية تم توقيعها من قبل بن البلدين لإعلان استقلال المغرب، وهي إعلان “لاسيل سان كلو” يوم 6 نونبر 1955 بضاحية باريس، هذا الإعلان الذي نص على الانتقال بالعلاقة بين البلدين من الوصاية والاستعمار إلى التعاون المبني على الاعتراف المتبادل بالسيادة الوطنية.

وإذا كانت زيارة الرئيس ماكرون قد اعتبرت من قبل الخبراء والملاحظين “لقاء مصالحة” بعد سنوات من التوتر وسوء التفاهم، فإن النخب المغربية مع اقتراب موعد الزيارة الملكية لفرنسا تتطلع إلى لقاء قمة يضع قطار العلاقات بين البلدين على سكة مفصلية غير مسبوقة، وبعمق استراتيجي يتيح لهما معا بلوغ آفاق جديدة من الشراكة المبنية على الندية والتعاون العميق، والقطيعة التامة مع ملف الذاكرة وجراح الماضي، ومع روح مؤتمر “إكس ليبان” الذي عرف تسويات مؤلمة للنخبة الوطنية المغربية في فجر الاستقلال.

وقد أعادت زيارة رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنوهذه الأيام للمغرب ملف العلاقات الثنائية بين البلدين إلى الواجهة، أسفرت الزيارة، هذه الزيارة التي عرفت توقيع 12 اتفاقية استراتيجية وإرساء أسس ما سماه الوزير الفرنسي “معاهدة الصداقة الكبرى” لتأكيد مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية. ومن بين ما يثيره بعض المهتمين بهذه الزيارة موضوع “المصالحة الكبرى” التي تتمثل في نوع من “الاعتراف الأخلاقي” بضرورة طي صفحة الماضي الاستعماري المؤلم، حتى تكون الشراكة الجديدة قائمة فعلا على فلسفة اعتراف وندية واحترام متبادل.

ولعل من أهم العوامل التي ساعدت على تبلور هذا الطموح السياسي ما عاشته فرنسا من صعوبات وتوترات مع دول الساحل الإفريقي، التي عرفت انتفاضة كبرى ضد التواجد الفرنسي بالمنطقة، والذي ظل يتبع أسلوبا “شبه استعماري” سعت من خلاله فرنسا إلى ضمان مصالحها في المنطقة عبر الحفاظ على علاقة وصاية مع بلدان الساحل، تبين أنها لم تعد ممكنة في ظل تنامي الوعي بضرورة الاستقلال الوطني والسيادة الكاملة.

من جانب آخر لا ينبغي أن ننسى بأن هذا التحول النوعي في العلاقات المغربية-الفرنسية قد ارتبط بتحولات السياق الإقليمي والدولي، فالحروب والتوترات والأوبئة أعادت تشكيل خريطة التحالفات والمصالح بشكل كبير، مما جعل البلدين يقرران الانتقال إلى نمط جديد من العلاقات أكثر قوة وصلابة، تسمح بإعادة توزيع الأدوار داخل فضاء متوسطي وإفريقي متغير.

ويعني هذا أن العلاقات المغربية-الفرنسية تتطور بسرعة في اتجاه مرحلة جديدة تتجاوز الروابط التقليدية التي حكمتها منذ سبعين سنة، والتي كانت قائمة على نوع من النفوذ التقليدي والامتيازات المستندة إلى الإرث التاريخي والصلات الثقافية واللغوية، بل صارت تتجه بشكل ملحوظ نحو منطق المصالح الاستراتيجية المتبادلة والشراكة البراغماتية.

ويبدو من خلال قدرة المغرب على إقناع حكام “قصر الإيليزيه” بإعلان الاعتراف بالمقترح المغربي للحكم الذاتي باعتباره الحل الوحيد الممكن من أجل إنهاء مشكل الصحراء مع الجزائر، يبدو أن العلاقة بين البلدين قد انتقلت فعلا إلى مستوى كيفي مغاير لكل ما كانت عليه خلال العقود المنصرمة، كما يبدو أن التفاوض بين البلدين لم يعد قائما على منطق النفوذ والتبعية بل على اقتناع مبدئي بضرورة رعاية المصالح المشتركة بناء على الاحترام المتبادل والتعاملات الندية، خاصة بعد ما أظهره المغرب في السنوات الأخيرة من قدرة على تنويع شركائه كالولايات المتحدة والصين وبلدان الخليج وإفريقيا جنوب الصحراء، وإسبانيا التي عقد معها المغرب لقاء قمة نتجت عنه اتفاقيات وشراكات ساهمت بشكل كبير في المصالحة الحالية مع فرنسا، كل هذا أدّى إلى الانتقال في التعامل مع المغرب نحو اعتباره شريكا إقليميا مؤثرا لا غنى عنه.

ولعل الملف الأمني من أهم أسس الشراكة الحالية بين المغرب وفرنسا، فرعاية المصالح الجيوستراتيجية تحتاج إلى توفير مناخ آمن ومستقر وخاصة في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، التي تعصف بها المواجهات العسكرية بين دول المنطقة والمجموعات الإرهابية المسلحة، والتي تعرف أيضا نشاطا كثيفا للهجرة السرية غير النظامية من أواسط إفريقيا في اتجاه دول الشمال.

ولقد كان لسبق المغرب إلى اقتراح “مبادرة أطلسية” للشراكة والتعاون مع بلدان الساحل دور جعله يحظى باهتمام أكبر من قبل فرنسا وإسبانيا، حيث تتركز الكثير من المصالح المرتبطة بالأمن الطاقي والبحري على الواجهة الأطلسية.

ومن جانب آخر لا شك أن المغرب يرى في تقوية علاقته بفرنسا عاملا أساسيا في تموقعه إزاء الاتحاد الأوروبي، عبر الحصول على دعم استثمارات كبرى ونقل التكنولوجيا والدفاع عن المصالح العليا أمام تحدي وجود خلافات حادة مع الجزائر.

ويعدّ التطور الذي عرفه المجال التقني والطاقي والصناعي والذي تجاوز القطاعات التقليدية، من أهم التحديات التي ستشكل انشغالا مركزيا للقاء القمة القادم بين البلدين، وذلك بعد الخطوات التي أنجزها المغرب في مجال الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والتحول الرقمي، مما جعله يتحول إلى منصة استراتيجية بالنسبة لأوروبا عامة وفرنسا وإسبانيا بصفة خاصة.

لكن هذه الطموحات لدى الطرفين إلى انتقال نوعي في العلاقات الدبلوماسية الاستراتيجية، ما زال يصطدم بحساسيات التحامل الإعلامي وملفات حقوق الإنسان وأنظمة التجسس ونظام التأشيرات والهجرة الذي له أثر مباشر على جزء من الرأي العام في البلدين، مما يقتضي تناول جميع تلك الملفات بشفافية ووضوح لضمان نسبة نجاح أكبر واستعادة ثقة الشعبين في أن “الصداقة الكبرى” ليست مجرد شعار.

The post المغرب وفرنسا appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress