المغرب وصكوك الغفران

بينما كانت فرنسا تحصي أكثر من 890 موقوفا و178 مصابا في صفوف الشرطة والدرك عقب أعمال الشغب التي رافقت احتفالات باريس سان جيرمان بإحراز دوري أبطال أوروبا للمرة الثانية على التوالي، وكان الرئيس إيمانويل ماكرون يندد بما وصفه بمشاهد العنف غير المقبولة التي شهدتها باريس ومدنا فرنسية أخرى، اختارت جريدة “لوباريزيان” أن تفتح صفحاتها لقصة مختلفة تماما، تتعلق بمواطن فرنسي من أصول جزائرية أوقف في المغرب على خلفية أحداث شغب موثقة خلال نهائي كأس أمم إفريقيا، مقدمة للقارئ رواية تكاد تختزل القضية كلها في شهادة طرف واحد، وكأن الملف لا يضم محاضر ولا وثائق ولا معطيات قانونية تستحق أن تعرض على القارئ.

ليس من حق أحد أن يعترض على اختيار صحيفة لموضوعاتها، فهذه من أبجديات العمل الإعلامي، كما أن من حق أي وسيلة إعلامية أن تنتقد وتحقق وتطرح الأسئلة الصعبة، لأن الصحافة التي تتخلى عن الأسئلة تتخلى عن نفسها، غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأسئلة إلى أحكام جاهزة، وعندما تصبح رواية واحدة كافية لبناء قصة كاملة، بينما تدفع الوقائع الأخرى إلى الهامش لأنها لا تنسجم مع الحبكة المطلوبة.

فالمقال الذي نشرته “لوباريزيان” منح مساحة واسعة لرواية المواطن الفرنسي الجزائري، الذي تحدث عن ظروف توقيفه والتحقيق معه، وقدم نفسه باعتباره ضحية إجراءات لم تحترم حقوقه الأساسية، غير أن الوثائق والمعطيات التي ظهرت لاحقا قدمت رواية مختلفة، إذ تشير إلى أن توقيفه جاء بعد معاينة مباشرة من طرف ضابط للشرطة القضائية داخل الملعب، كما تفيد بأن إجراءات البحث تمت وفق المساطر القانونية المعمول بها، وأنه أشعر بحقوقه القانونية باللغة الفرنسية، وأبلغت أسرته بواقعة التوقيف، وأتيحت له الضمانات التي يكفلها القانون، وقد يكون من حق أي شخص أن يناقش هذه الوقائع أو يشكك فيها أو يطلب التحقق منها، غير أن من واجب الصحافة أن تعرضها للقارئ ما دامت جزءا من الملف، لأن التوازن لا يعني تبني رواية بعينها، بل يقتضي عرض الوقائع كلها قبل استخلاص الاستنتاجات.

والمفارقة أن الدولة التي تنتمي إليها الصحيفة نفسها كانت في تلك الأيام تواجه أعمال عنف واسعة النطاق داخل أراضيها، حيث نفذت مئات التوقيفات خلال ساعات قليلة، وتدخلت القوات الأمنية في أكثر من مدينة، وتحدث الرئيس الفرنسي بوضوح عن ضرورة حماية النظام العام ومواجهة أعمال التخريب، ومع ذلك لم يسأل أحد إن كانت فرنسا ما تزال دولة قانون، ولم تتحول الاعتقالات إلى دليل على أزمة شرعية أو فشل مؤسساتي، ولم تُقدَّم الإجراءات الأمنية باعتبارها شبهة قائمة بذاتها، بل جرى التعامل معها باعتبارها أدوات تستخدمها دولة لحماية الأمن العام عندما تواجه الفوضى.

لكن المشهد يبدو مختلفا عندما ينتقل إلى الضفة الأخرى من المتوسط، فالقانون نفسه يصبح موضع ريبة، والإجراء نفسه يتحول إلى مادة للشك، والمؤسسات تجد نفسها مطالبة بإثبات براءتها قبل النظر في الوقائع، وكأن القانون يكتسب شرعيته عندما يطبق في باريس ويفقدها عندما يطبق في الرباط، وكأن النصوص والإجراءات والضمانات لا تكفي وحدها، بل تحتاج إلى شهادة حسن سلوك تصدر من الخارج.

هنا تحديدا تكمن المشكلة الحقيقية.

فالقضية ليست قضية مواطن فرنسي من أصول جزائرية، وليست قضية مقال نشرته صحيفة فرنسية، وإنما قضية نظرة ما زالت حاضرة في بعض المنابر الإعلامية والسياسية، نظرة تتصرف كما لو أنها تملك حق منح الشرعية أو حجبها، وتوزيع الثقة والريبة، وتحديد من يطبق القانون ومن يسيء استخدامه.

إنها النسخة الحديثة من صكوك الغفران.

صحيح أن صكوك الغفران التي عرفتها أوروبا خلال القرون الوسطى أصبحت جزءا من التاريخ، لكن الفكرة التي قامت عليها لم تختف تماما، إذ ما زال هناك من يتصرف كما لو أنه المرجع الأخير الذي يمنح الرضا ويقرر من يستحق القبول ومن يستحق الإدانة، وما زالت بعض المنابر تتعامل مع نفسها باعتبارها صاحبة الحق في منح شهادات حسن السلوك السياسي والقانوني للدول والشعوب.

ولهذا يبدو أحيانا أن بعض وسائل الإعلام تنظر إلى الوقائع بعينين مختلفتين، عين تتفهم الإجراءات عندما تقع داخل فضائها الوطني، وعين أخرى تتعامل مع الإجراءات نفسها بكثير من الشك عندما تقع خارج ذلك الفضاء، فإذا اعتقلت الشرطة الفرنسية مئات الأشخاص كان ذلك دفاعا عن النظام العام، أما إذا أوقفت دولة أخرى أشخاصا متورطين في أعمال شغب، فإن السؤال لا يعود عن الوقائع بل عن شرعية مؤسسات الدولة نفسها.

وهذا ليس خطأ مهنيا فحسب، بل خطأ في فهم العالم أيضا.

فالعالم الذي كانت فيه بعض العواصم تحتكر حق التقييم وإصدار الأحكام لم يعد قائما بالشكل الذي كان عليه، والدول التي كانت تعامل بوصفها مجرد ساحات للمراقبة والتوجيه أصبحت اليوم فاعلة في محيطها الإقليمي والدولي، تملك مصالحها وأولوياتها ومؤسساتها، وتتخذ قراراتها وفق حساباتها الوطنية لا وفق ما ينتظره الآخرون منها.

والمغرب واحد من هذه الدول.

فالمملكة لم تعد ذلك البلد الذي ينتظر الإشادة الخارجية كي يثق في نفسه، ولم تعد تتحرك داخل حدود النفوذ التقليدي الذي رسمته خرائط قديمة، بل أصبحت شريكا أساسيا في ملفات الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب والطاقة والاستثمار، كما عززت حضورها داخل إفريقيا والفضاء المتوسطي، وأصبحت رقما يصعب تجاوزه في عدد من القضايا الإقليمية.

ولهذا ليس مستغربا أن يزداد الاهتمام الإعلامي بالمغرب، فالدول التي تتحرك تصنع الأخبار، والدول التي تفرض حضورا إقليميا تثير النقاش، والدول التي تنجح في توسيع هامش تأثيرها تصبح محط متابعة دائمة، سواء بدافع الإعجاب أو بدافع المنافسة أو حتى بدافع الانزعاج.

لكن الاهتمام شيء، والتخلي عن قواعد المهنة شيء آخر.

فالصحافة لا تفقد قيمتها عندما تنتقد، بل عندما تتوقف عن الإنصاف، ولا تفقد مصداقيتها عندما تطرح الأسئلة، بل عندما تختار الإجابات مسبقا، وما كان ينتظره القارئ من صحيفة بحجم “لوباريزيان” ليس أن تدافع عن المغرب أو أن تتبنى الرواية الرسمية، وإنما أن تفعل ما تفعله الصحافة الجيدة دائما، أن تعرض الوقائع كلها، وأن تترك للقارئ حق الحكم.

أما أن تتحول رواية واحدة إلى حقيقة كاملة، وأن تتحول الوثائق والمعطيات الأخرى إلى تفاصيل ثانوية، فذلك لا يخدم الحقيقة ولا يخدم الصحافة.

وفي النهاية لا يحتاج المغرب إلى صكوك غفران جديدة، ولا إلى شهادات حسن سلوك توزعها صحف أو مراكز نفوذ أو دوائر رأي، لأن الدول لا تستمد شرعيتها من افتتاحيات الجرائد ولا من أحكام المعلقين، بل من مؤسساتها وقدرتها على حماية مصالحها وتطبيق قوانينها وصيانة استقرارها.

أما تلك الدفاتر القديمة التي ما زال بعضهم يعتقد أنه يملك حق الكتابة فيها، فقد تغير العالم أكثر مما تغيرت هي، وباتت تعكس أوهام أصحابها أكثر مما تعكس حقيقة الدول التي يحاولون إصدار الأحكام عليها.

The post المغرب وصكوك الغفران appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress