المغرب وإسبانيا: جدلية الجوار القسري والشراكة الاستراتيجية
تُعد العلاقات المغربية الإسبانية نموذجاً فريداً في الهندسة الجيوسياسية للدول المتجاورة؛ فهي علاقات محكومة بجدلية التعايش والتنافس، وبالتقارب القسري أحياناً والتكامل الاستراتيجي أحياناً أخرى. ولعل الفهم العميق لطبيعة الأزمات الدورية التي تطبع مسار هذا الثنائي الجيو–استراتيجي يتطلب تجاوز القراءات السطحية والنفوذ إلى عمق البنية المتحكمة في التفاعلات بين الرباط ومدريد. واستثمارا لمعارفنا حول الموضوع، والتي راكمناها من موقعنا كدارس لتاريخ علاقات الدولتين، ومن خلال متابعة يومية لمستجدات لدينامية هذه العلاقات الفريدة من نوعها، ارتأينا كتابة هذا المقال لإبراز أهم العوامل التي ما فتئت تفضي إلى تفجير الازمات بين المغرب وإسبانيا، دون إغفال تلك التي تساهم، من جهة أخرى، في امتصاص قوة صدماتها واحتواء حدتها وتبعاتها.
أولاً: تفكيك بنيوي لطبيعة الخلافات والأزمات:
لا يمكن اختزال التوترات المغربية الإسبانية في أسباب أحادية، بل هي نتاج تداخل معقد بين ما هو إدراكي ظرفي، وما هو مصلحي هيكلي، وما هو جيوسياسي إقليمي.
1. الخلافات الإدراكية والظرفية (حساسيات التقدير وسوء الفهم)
غالباً ما تنفجر الأزمات الظرفية بسبب تباين في الثقافة السياسية والإعلامية ونظامي الحكم في الدولتين، أو نتيجة سوء التواصل الدبلوماسي، حيث تُقرأ بعض التصرفات – وإن كانت محاطة بشرعية إدارية أو أمنية من وجهة نظر طرف – على أنها مساس بالسيادة أو استفزاز من الطرف الآخر. من حيث أن تحركات أي طرف تظل تحت مجهر الطرف الآخر، وأي خطأ، مهما كان بسيطا قد ينعس سلبا على علاقات الدولتين.
أخطاء التقدير السياسي وسوء الإدراك: تتجلى في حساسيات ناتجة عن عدم استيعاب البيئة السياسية والرمزية للطرف الآخر. ومثال ذلك حادثة اعتراض قارب للحرس المدني الإسباني ليخت العاهل المغربي الملك محمد السادس قبالة سبتة المحتلة نتيجة عدم معرفة هوية ركابه، أو تحليق مروحية عسكرية إسبانية فوق صخرة الحسيمة أثناء تواجد العاهل المغربي بالمنطقة. هذه الأحداث، وإن بدت إجراءات روتينية للمؤسسات التنفيذية، إلا أنها تحاط بحساسية سياسية وسيادية عالية.
التباين الثقافي والإعلامي: يساهم الإعلام المتبادل في شحن الرأي العام نتيجة الصور النمطية والروايات التاريخية المترسبة، مما يجعل إدارة الأزمات تحت ضغط الشارع السياسي مسألة معقدة. وقد شهد تاريخ العلاقات الثنائية حالات متعددة أسهم فيها الخطاب الإعلامي في تأجيج التوترات السياسية، وكثيرة هي الأمثلة التي كانت فيها بعض المقالات الصحفية سببا في اندلاع أزمات بين الدولتين.
2. التعارض البنيوي في المصالح
بعيداً عن الأزمات الظرفية، تظل هناك ملفات ثقيلة ذات طبيعة ترابية واقتصادية وأمنية تُشكل نقاط تماس دائم:
الملفات الترابية والبحرية: ملف المدينتين المحتلتين (سبتة ومليلية) والجزر الجعفرية، إضافة إلى ترسيم الحدود البحرية بالمنطقة الأطلسية وما يرتبط بها من ثروات طبيعية.
الملفات التجارية والاقتصادية: المنافسة الفلاحية، اتفاقيات الصيد البحري، وتدفق البضائع عبر الحدود.
الملف الأمني: إدارة تدفقات الهجرة غير النظامية، الهواجس الاستخباراتية، ومكافحة الإرهاب والشبكات العابرة للحدود.
3. تأثير البيئة الجيوسياسية والأطراف الثالثة
تتأثر العلاقات الثنائية بمواقع الدولتين في النظامين الإقليمي والدولي وبالتوازنات المعقدة في منطقة غرب المتوسط:
الموقع الاستراتيجي المتباين: إسبانيا بصفتها العضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، والمغرب بصفته قوة إقليمية وازنة في أفريقيا وحليفاً رئيسياً خارج الناتو للولايات المتحدة.
تأثير الأطراف الثالثة: تدخل وتأثير الفاعلين الدوليين والإقليميين (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، فرنسا، الجزائر، وإسرائيل) على معادلة التوازن؛ حيث يلقي النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية والتحولات الاستراتيجية المرتبطة به بظلاله المباشرة على صانع القرار في مدريد والرباط.
ثانياً: “النوابض” الممتصة للأزمات
رغم شدة الأزمات التي تعصف بالعلاقات من حين لآخر، إلا أنها سرعان ما تعود إلى السكة الصحيحة بفضل وجود “نوابض” بنيوية تمتص الصدمات وتمنع القطيعة الشاملة والحيلولة دون جر المنطقة إلى دوامة العنف.
“وسادة” المصالح المشتركة والترابط الاقتصادي: تُشكل الشراكة الاقتصادية العميقة خط الدفاع الأول. فإسبانيا هي الشريك التجاري الأول للمغرب، والمغرب بوابة الاستثمارات الإسبانية نحو أفريقيا. هذا التداخل في سلاسل الإنتاج والاستثمار يخلق “حاجة وجودية” متبادلة تتجاوز الخلافات السياسية العابرة.
الموقع الاستراتيجي ومضيق جبل طارق: تدرك الدولتان أن الأمن والاستقرار في المضيق هما مسؤولية مشتركة لا تحتمل الفراغ. التنسيق الأمني والسيطرة على تدفقات الهجرة ومكافحة الجريمة المنظمة أركانٌ لا يمكن لأي من الطرفين إدارتها بمفرده.
الإرث التاريخي والإنساني والمصير المشترك: تعيش في إسبانيا واحدة من أكبر الجاليات المغربية، في مقابل حضور ثقافي واقتصادي إسباني واسع في المغرب. هذا الامتداد البشري والتاريخي يفرض منطق الجوار والمصير الجيو–استراتيجي المتداخل.
المعاهدات والأطر القانونية الثنائية: توفر معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون (1991) والآليات الدبلوماسية الدورية أطراً مؤسساتية لاستيعاب التوترات وإعادة إطلاق الحوار عند كل نقطة تحول. وتمكن هذه الترسانة القانونية من توجيه العلاقات المغربية الإسبانية بدقة نحو أهدافها العليا وتجعلها في منأى عن التقلبات الظرفية، إذا باتت تشكل تلك المرجعية الأولى في تحديد الأولويات ورسم معالم خارطة الطريق المشتركة.
تُثبت تجربة العلاقات المغربية الإسبانية أن منطق “التشابك المصلحي” يظل دوماً أقوى من عوامل التباعد الظرفي. إن الأزمات الدورية، وإن كانت تعكس تعارضات حقيقية في بعض المصالح أو أخطاء في التقدير الإدراكي، إلا أنها تنتهي دائماً بإعادة ضبط البوصلة نحو نمط من الشراكة الاستراتيجية الأكثر نضجاً، القائمة على التوازن، احترام الخصوصيات السيادية، والإدراك العميق بأن كلا الضفتين محكومتان بالعيش والازدهار معاً. فكون العلاقات المغربية الإسبانية تعرف أزمات لم يعد حدثا في حد ذاته، بل إن الأزمات نفسها أصبحت جزءًا من آلية إدارة. ضبط العلاقة بين البلدين. بمعنى أن النظام الثنائي بين الرباط ومدريد قادر على إنتاج الأزمات ثم احتوائها دون أن ينهار؛ لكن هذا كله لا يعفي الدولتين من حتمية الجلوس الى طاولة الحوار كما هي العادة من أجل الطي النهائي لأكبر الملفات الخلافية بينهما وعلى رأسها ملف النزاع الترابي.
(باحث في العلاقات المغربية الإسبانية – حاصل على الدكتوراه في موضوع “دراسة وثائقية لمعاهدات التعاون الثنائي بين المغرب وإسبانيا: 1956-2020″)