المغرب قوة ذكية

في قلب التحولات الدولية: المغرب قوة إقليمية ذكية داخل عالم متعدد الأقطاب

تمهيد

دخل العالم بعمق اليوم مرحلة انتقالية عميقة، تتراجع فيها الأحادية القطبية التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة، في الوقت الذي تتشكل فيه بالتدريج ملامح نظام دولي أكثر تعقيداً وتعدداً في مراكز القوة والنفوذ. وتدفع هذه التحولات مختلف الدول إلى إعادة تعريف مصالحها وتحالفاتها وأدوارها، داخل بيئة دولية مضطربة تتداخل فيها الحروب والاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والأمن الغذائي والثقافة والصراع على النفوذ.

وتكشف التطورات التي تعرفها أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، أن العالم لم يعد يتحرك وفق يقين سياسي واحد أو مركز قيادة أوحد، بل أصبح العالم مفتوحاً اليوم على توازنات جديدة وصراعات مرنة وتحالفات متحركة. وفي قلب هذه التحولات تبرز المملكة المغربية باعتبارها واحدة من أكثر النماذج الإقليمية قدرة على التكيف الذكي مع التحولات الكبرى، دون السقوط في الارتباك أو في التبعية أو في وضعية المغامرة غير المحسوبة.

يعود ذلك إلى تراكم رؤية استراتيجية طويلة النفس، وإلى اعتماد سياسة خارجية واقعية ومتوازنة، وإلى استثمار ناجحٍ للجغرافيا وللتاريخ وللاستقرار المؤسسي، وإلى الدبلوماسية الاقتصادية والثقافية والأمنية الملكية البعيدة النظر.

عالم يتغير بسرعة

تعيش أوروبا منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية الجارية، واحدة من أعقد مراحلها السياسية والاقتصادية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فقد عادت أسئلة الأمن والطاقة والحدود والهوية لتفرض نفسها بقوة على المشروع الأوروبي، بينما تواجه الولايات المتحدة تحديات داخلية وخارجية تقلص قدرتها على التحكم المنفرد في مسارات النظام العالمي.

وفي المقابل، تواصل الصين تعزيز قوتها الاقتصادية والتكنولوجية، في الوقت الذي تسعى فيه روسيا إلى إعادة تثبيت حضورها الجيوسياسي، بينما تتحرك قوى أخرى مثل الهند وتركيا والبرازيل والسعودية، من أجل بناء مواقع أكثر استقلالية داخل التوازنات الدولية الجديدة.

يشير هنري كيسنجر إلى أن “النظام الدولي لا يستقر إلا عندما تنجح القوى الكبرى في بناء توازن قابل للاستمرار” (Henry Kissinger, World Order). كما يؤكد صامويل هنتنغتون أن “الصراعات المقبلة ستكون مرتبطة بالثقافات والهويات بقدر ارتباطها بالمصالح السياسية” (Samuel Huntington, The Clash of Civilizations).

وتجعل هذه التحولات من الذكاء الاستراتيجي عنصراً حاسماً في بقاء الدول وصعودها، وهو ما تبدو المملكة المغربية واعية به بشكل متزايد خلال السنوات الأخيرة.

المغرب ومنطق الدولة الهادئة

تبني المملكة المغربية موقعها الدولي وفق منطق الدولة الهادئة، التي تتحرك بثقة وواقعية بعيداً عن الشعبوية السياسية وعن الخطابات العدائية المتهورة. فهي لا تدخل في صدامات عبثية، ولا تستهلك طاقتها في معارك إعلامية فارغة، بل تركز على بناء التراكمات الاقتصادية والدبلوماسية والمؤسساتية، التي تضعها على طريق القوى الاقتصادية والسياسية الصاعدة.

نجحت المملكة المغربية خلال العقد الأخير في تطوير شبكة واسعة من العلاقات الدولية المتوازنة، تجمع بين الشراكة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والانفتاح على الصين وروسيا والهند وأفريقيا والخليج.

وتستفيد المملكة المغربية علاوة على ذلك من موقعها الجغرافي الفريد بين أوروبا وأفريقيا والأطلسي والمتوسط، كما تستفيد من استقرارها السياسي ومن قدرتها على لعب أدوار الوساطة والتنسيق الأمني في الهجرة والطاقة.

ويؤكد برتران بادي أن “الدول الذكية ليست بالضرورة الأقوى عسكرياً، بل الأكثر قدرة على تحويل الجغرافيا والدبلوماسية إلى نفوذ فعلي” (Bertrand Badie, Le Temps des Humiliés). ، لذا تبدو المملكة المغربية اليوم قريبة من هذا النموذج في إدارة علاقاتها الدولية.

قضية الصحراء المغربية

تشكل قضية الصحراء المغربية المحور الأساسي داخل العقيدة الدبلوماسية المغربية، وقد شهد هذا الملف خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة لصالح الموقف المغربي.

فقد تمكنت المملكة المغربية من إقناع عدد متزايد من الدول بجدية مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، كما شهدت مدينتا العيون والداخلة افتتاح قنصليات لدول أفريقية وعربية وأجنبية عديدة في دلالة سياسية واضحة على التحول الذي تعرفه المواقف الدولية.

ويحمل الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء أهمية استراتيجية خاصة، بالنظر إلى ثقل الولايات المتحدة داخل النظام الدولي. كما ساهمت الدبلوماسية المغربية في نقل الملف من منطق الجمود إلى منطق المبادرة السياسية والتنموية.

ويقول الملك محمد السادس: “قضية الصحراء هي النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم” (محمد السادس، خطاب ثورة الملك والشعب). يكشف هذا التصور عن مركزية القضية الوطنية داخل الرؤية الاستراتيجية المغربية.

كما تربط المملكة المغربية بين الدفاع السياسي عن الصحراء وبين الاستثمار الاقتصادي والتنموي داخل الأقاليم الجنوبية، من خلال مشاريع الموانئ والطاقة والبنية التحتية والربط الأفريقي الأطلسي الاستراتيجي.

الخليج والشرق الأوسط

تعرف منطقة الخليج والشرق الأوسط، بدورها، تحولات متسارعة بفعل التوترات المرتبطة بالصراع الإيراني الأمريكي الإسرائيلي، وما تخلقه من مخاوف أمنية واقتصادية واستراتيجية كبرى وخطيرة.

وقد أدت هذه التحولات إلى إعادة تفكير العديد من دول الخليج في طبيعة تحالفاتها التقليدية، وفي حدود الاعتماد الكامل على الحماية الأمريكية. لذلك تتجه هذه الدول نحو تنويع شراكاتها الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية.

تستفيد المملكة المغربية من هذه التحولات عبر تعزيز حضورها الاقتصادي والاستثماري والسياسي داخل الفضاء الخليجي، مع الحفاظ على قدر من الاستقلالية في مواقفها الدبلوماسية.

كما تظهر المملكة المغربية كدولة مستقرة ومعتدلة، قادرة على بناء التوازنات والحفاظ على قنوات الحوار مع أطراف متعددة، وهو ما يمنحها مكانة متزايدة داخل المنطقة من المنظور الاستراتيجي.

أفريقيا كأفق استراتيجي

أدركت المملكة المغربية مبكراً أن أفريقيا ستكون إحدى أهم ساحات النمو والتأثير خلال العقود المقبلة، لذلك جعلت القارة محوراً مركزياً في استراتيجيتها الخارجية.

عززت المملكة المغربية في هذا السياق حضورها البنكي والاستثماري والطاقي والديني والثقافي، داخل عدد كبير من الدول الأفريقية، كما شكلت عودتها إلى الاتحاد الأفريقي خطوة استراتيجية مهمة في إعادة تموقع المملكة قارياً.

يحمل مشروع أنبوب الغاز المغربي النيجيري، من جهة أخرى، دلالات جيوسياسية واقتصادية كبرى، لأنه يربط غرب أفريقيا بالفضاء الأطلسي والأوروبي، ويمنح المملكة المغربية موقعاً متقدماً داخل خرائط الطاقة المستقبلية.

ويؤكد جيفري ساكس أن “أفريقيا ستكون أحد أهم فضاءات النمو الاقتصادي في القرن الحادي والعشرين” (Jeffrey Sachs, The End of Poverty) . تبدو المملكة المغربية واعية بهذا التحول، لذلك فهي تراهن على بناء شراكات طويلة النفس داخل القارة.

القوة الناعمة

لا تبني المملكة المغربية نفوذها عبر الاقتصاد والأمن والدبلوماسية فقط، بل إنها تراهن أيضاً على القوة الناعمة من خلال الثقافة والفنون والسياحة والرياضة والتعدد اللغوي والديني.

وقد ساهمت صورة المملكة المغربية كفضاء للاستقرار والانفتاح في تعزيز جاذبيتها الدولية، كما لعبت المهرجانات الثقافية والسينما والرياضة والسياحة – موازين، مهرجان مراكش الدولي للفيلم، مهرجان فاس للموسيقى الروحية… إنجازات الفرق الوطنية لكرة القدم عالميا … إشعاع مدينة مراكش عالميا …. – دوراً مهماً في بناء حضورها الرمزي.

يحمل تنظيم كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال دلالات تتجاوز الرياضة، نحو ترسيخ صورة المملكة المغربية كفاعل متوسطي وأفريقي قادر على التنظيم والانفتاح والاستثمار في المستقبل.

يقول جوزيف ناي إن “القوة الناعمة تجعل الآخرين يريدون ما تريده أنت دون إكراه مباشر” (Joseph Nye, Soft Power). وتستثمر المملكة المغربية هذا البعد بشكل متزايد ضمن استراتيجيتها الدولية.

خاتمة

لا يخلو المسار المغربي من تحديات اقتصادية واجتماعية وتعليمية وثقافية تحتاج إلى إصلاحات عميقة ومتواصلة، غير أن ما يميز التجربة المغربية خلال السنوات الأخيرة هو قدرتها على التفكير الاستراتيجي الطويل النفس، وعلى تحويل الأزمات الدولية إلى فرص لإعادة التموضع والتوسع.

وتبدو المملكة المغربية اليوم أكثر إدراكاً لحقيقة العالم الجديد الذي يتشكل أمامها، عالم لا يرحم الدول المرتبكة أو المنغلقة أو العاجزة عن التكيف. لذلك تواصل المملكة بناء موقعها الإقليمي والدولي بهدوء وبثقة، مستفيدة من التحولات الدولية بدل الارتهان لها.

قد لا تصبح المملكة المغربية قوة عظمى بالمعنى التقليدي، لكنها تمتلك فرصاً حقيقية لتصبح قوة إقليمية ذكية ومؤثرة داخل أفريقيا والفضاء المتوسطي والأطلسي، وهي مكانة بدأت ملامحها تتشكل بالفعل داخل النظام العالمي الجديد، من خلال كل المبادرات البنيوية الملكية التي تدخل عقدها الثالث في التغلغل والثبات الاستراتيجي.

The post المغرب قوة ذكية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress