المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية يسلط الضوء على تطور التقاليد الموسيقية
تخليدا لليوم العالمي للموسيقى، الذي يوافق 21 يونيو من كل سنة، نظم المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (IRCAM)، اليوم الجمعة، جلسة علمية تحت عنوان “الموسيقى الأمازيغية والتحولات الراهنة”، جمعت عددا من الباحثين الذين استعرضوا مختلف التقاليد والعادات التي تولدت عن التجارب الفنية الأمازيغية، على غرار فن “الروايس” و”أحيدوس”.
وركزت المداخلات التي ألقيت في هذه الجلسة على نشأة وتطور الموسيقى الأمازيغية، باعتبارها نموذجًا حيًا يعكس تفاعل الذاكرة الجماعية مع مختلف العوامل التي ساهمت في تشكيل ملامح المشهد الفني الأمازيغي، وبوصفها أيضا حلقة وصل للإنسان الأمازيغي للتواصل مع الآخر، مع استعراض جملة التحولات التي طرأت على استعمال الأدوات الموسيقية، ومدى تأثرها بالتحولات البنيوية والاجتماعية التي شهدها المجتمع المغربي على العموم.

وفي حديثه عن فن “الروايس” والأسس التي تكوّن خصوصياته وفرادته قال أبو القاسم الخطير (أفولاي)، باحث بمركز الدراسات الأنتربولوجية والسوسيولوجية التابع للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، إن “العودة إلى بعض الوثائق التي تعود إلى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين تمكننا من فهم واستيعاب طريقة تشكّل هذا الفن كقالب موسيقي يتكيف، ويمتلك قدرة أكبر على التأقلم مع مختلف التحولات”.
وأضاف الخطير أن “أول وصف لفرقة من فن ‘الروايس’ كُتِب من قِبل الباحث الفرنسي بروسبير ريكار، الذي كان يشغل في ذلك الوقت منصب رئيس مصلحة فنون السكان الأصليين بالمغرب، وكان المسؤول عن الفنون، أي عن مختلف التعبيرات الثقافية والفنية”، مشيراً إلى “وجود شهادات في هذا الشأن، كشهادة الدكتور شاتينيي، وهو طبيب استعماري قام برحلة إلى الأطلس الكبير”، وزاد: “تُعد هذه من بين الوثائق الأولى التي تسمح لنا برؤية الشكل المكتمل لفن ‘الروايس’ في ذلك الوقت”.
وتابع الباحث ذاته بأن “تقليد ‘الروايس’ تشكّل تدريجياً بالاعتماد على أنماط كانت موجودة قبل نشأة هذا الفن”، مردفا: “النمط الأول هو نمط المداحين أو الوعاظ الدينيين، وكانوا يُسمون في تلك الحقبة ‘إمداحن’ أو ‘إمازراين’، وهم الذين كانوا يغنون الشعر في الفضاء العام، ويستعينون بآلة الرباب التي كانت تعتبر في ذلك الوقت الآلة النبيلة للوعاظ الدينيين”، ومسجلاً أن “شهادة الرايس الحاج بلعيد تؤكد أنه هو من أدخل هذه الآلة إلى فن ‘الروايس’، وقد استعارها من المداحين”.

وبيّن المتحدث نفسه أن “فرق ‘الروايس’ كانت تنتظم في مجموعات تُعرف بـ’تارابوت’ أو ‘الربيعت’ بقيادة ‘الرايس’، وفي الوقت نفسه استعانت بالأطفال لأداء أدوار الرقص”، وواصل: “في البداية كانت الفرقة ذكورية بالكامل، غير أنه تدريجياً، وبحلول خمسينيات وستينيات القرن الماضي، أصبحت النساء تؤدين أدوار الرقص. وقد كانت هناك نساء مغنيات منذ العشرينيات والثلاثينيات، لكن في الفضاء المنزلي والخاص، كما كنَّ يغنين في الإقامات الخاصة للقياد، كما هو الشأن بالنسبة لقصر ‘الكلاوي’ بمراكش”.
وذكر الخطير أن “فن ‘الروايس’ استفاد بعد الاعتراف الاستعماري الرسمي في إطار مصلحة ‘فنون السكان الأصليين’، ومنذ نهاية ثمانينيات القرن التاسع عشر يستفيد من صناعة الترفيه للمشاركة في المعارض الدولية وكذلك في الأنشطة المنظمة في المغرب”.
من جهته أوضح حمو بلغازي، باحث بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، في مداخلة له خلال هذه الجلسة العلمية حول فن “أحيدوس”، أن “أبرز التحولات التي طرأت على هذا الفن هو استعمال الطبل المعروف بأسماء من قبيل ‘ألون’، ‘تالونت’، و’البندير’، رغم أن كلمة ‘تالونت’ في منطقة زمور لا تعني الطبل، بل تعني الغربال الذي يُستعمل لتصفية الحبوب الكبيرة؛ ومن ثم هناك فرق بين معنى هذه الكلمة في زمور وفي الجنوب، حيث تعني البندير”.

وسجَّل الباحث ذاته أن “ما يثير الانتباه هو الرهيب في استخدام ‘ألون’ التقليدي، مقابل التوسع الكبير والانتشار الواسع لـ’البندير’ الذي يمكن أن نسميه الطبل شبه الصناعي أو العصري”، مشيراً إلى “وجود منافسة شرسة في طريقة صناعة هذه الأداة، لأن صناعة ‘البندير’ التقليدي تتم محلياً، وكل من يمارس فن ‘أحيدوس’ ويتشبع بهذه الثقافة يصنع ‘ألون’ الخاص به بنفسه، ولا يحتاج في ذلك إلا إلى ما يُسمى محلياً ‘أغاس’، وهو الإطار الخشبي”.
وزاد المتحدث شارحاً: “في هذا الصدد يتم اختيار الجلد بعناية، لأننا لا نصنع ‘البندير’ من أي جلد كان، بل يُصنع من جلد الماعز، وليس أي ماعز، بل الجدي أو ما يسمى ‘إغيجْد’، لأن جلده لا يحتوي على الدهون التي تؤثر سلباً على مستوى النبرة الصوتية، فتصبح ناقصة وغير مضبوطة. أما ‘البنادير’ التي تُباع في عاشوراء فكلها تُصنع من جلد الغنم لكونه أقل تكلفة. وفي المقابل فإن الطبول المهنية الاحترافية تُصنع من جلد الماعز، وتحديداً من صغار الإناث أو صغار الذكور”.
ومن جملة التحولات التي رصدها بلغازي في هذا الصدد “سير العديد من التقنيات المرتبطة بهذا الفن نحو الاختفاء”، مبرزاً أن “صناعة ‘ألون’ التقليدي لا تستدعي شراء سوى الإطار الخشبي، بينما في ‘ألون’ الحديث نشتري الأداة كاملة جاهزة، حتى إن هناك شبه إجماع لدى الممارسين لهذا الفن بأن نبرة الطبل الحديث تفتقر إلى الرنين والصوت النقي، عكس التقليدي الذي يتم تسخينه كلما ارتخى الجلد المصنوع منه؛ غير أن بعض العوامل المناخية هي التي تدفع نحو تفضيل الحديث”.
The post المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية يسلط الضوء على تطور التقاليد الموسيقية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.