المصير المؤجل: قراءة في أفول الهيمنة الأميركية وتداعيات مواجهة إيران

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;} أكرم بزي  - كاتب وباحث سياسي

 

في كل مرة تتجه فيها الولايات المتحدة إلى التصعيد العسكري يُطرح السؤال ذاته عمّا إذا كان ذلك تعبيراً عن قوة عظمى ما زالت تفرض إرادتها على العالم أم محاولة متأخرة لإخفاء تراجع مكانتها الدولية؛ وهو السؤال المحوريّ الذي يطرحه الاقتصادي الأميركي ريتشارد وولف الذي يرى أن المواجهة مع إيران لا تعكس الثقة بقدر ما تعكس القلق العميق الذي يرافق الإمبراطوريات عندما تبدأ بفقدان مركزها الحقيقي، لينطلق من قراءة اقتصادية متعمقة للتاريخ يقارن فيها الوضع الأميركي الراهن بمسار الإمبراطورية البريطانية في سنوات أفولها. فالإمبراطوريات بحسب رأيه لا تنهار فجأة إنما تدخل في مرحلة حرجة تحاول فيها تعويض التراجع الاقتصادي بالاستعراض العسكري، معتقدةً واهمة أن القوة الخشنة قادرة وحدها على وقف حركة التاريخ وإعادة عجلة الزمن إلى الوراء.

ومن أبرز المؤشرات الهيكلية، التي يستند إليها وولف، حجم الدين العام الأميركي المتصاعد الذي تجاوز مستويات غير مسبوقة في تاريخ البلاد الحديث، في وقت تعتمد فيه واشنطن بشكل مفرط على الاقتراض المستمر لتمويل إنفاقها العسكري الهائل والتزاماتها الخارجية الواسعة، ويرى بوضوح أن استمرار هذا النهج الخطير يضع الاقتصاد الأميركي أمام تحديات مالية متزايدة ومخاطر حقيقية، خصوصاً مع ارتفاع كلفة الحروب المفتوحة وتراجع القدرة الفعلية للاقتصاد على تحمل أعبائها على المدى الطويل، ليحذّر أيضاً من أن أيّ تصعيد عسكري واسع في منطقة الخليج، خاصة إذا تأثرت حركة الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي، لن تكون تداعياته الاقتصادية مقتصرة فقط على الشرق الأوسط، بل إن الارتفاع الجنوني لأسعار النفط والطاقة سينعكس بصورة مباشرة ومؤلمة على الاقتصاد الأميركي الداخلي حيث يعيش ملايين المواطنين الأميركيين على دخل محدود بالكاد يغطي احتياجاتهم الأساسية والمعيشية؛ وعندها، قد تتحول موجات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة إلى أزمة اجتماعية وسياسية داخلية طاحنة يصعب على الإدارة الأميركية احتواؤها. ولا يتوقف التحليل الرصين عند الجانب الاقتصادي الضيّق بل يمتدّ ليشمل البعد السياسي، إذ يؤكّد أن اللجوء المتكرّر إلى المواجهات الخارجية غالباً ما يُستخدم لأغراض تعبوية لصرف الأنظار عن المشكلات البنيوية الداخلية مثل اتساع الفجوة الهائلة بين الطبقات الغنية والفقيرة وتراجع الطبقة الوسطى والانقسامات السياسية الحادة التي تشهدها المؤسسات الأميركية.

لكن النقطة الأكثر إثارة للنقاش في طرحه تتمثل في قناعته بأن العالم لم يعد أحادي القطب كما كان عليه الحال بعد نهاية الحرب الباردة، فوفق قراءته التحليلية، لم تعد دول مجموعة السبع تمثل وحدها مركز الثقل الاقتصادي العالمي، بينما تتوسع مجموعة بريكس بخطى ثابتة وتزداد مساهمتها الفاعلة في هيكل الاقتصاد الدولي. ويشير إلى أن العديد من الدول النامية، خصوصاً في القارة الأفريقية وأميركا اللاتينية، لم تعد تعتمد حصرياً على واشنطن أو العواصم الأوروبية للحصول على التمويل اللازم والاستثمارات الحيوية، بل أصبحت تمتلك خيارات بديلة ومتعددة، في مقدّمها الصين، التي نجحت ببراعة في تعزيز حضورها الدولي عبر مشاريع البنية التحتية العملاقة والاستثمارات طويلة الأجل. ويستشهد وولف بأرقام معدلات النمو الاقتصادي ليؤكد هذا التحول الجذري، إذ بينما ينمو الاقتصاد الأميركي بوتيرة مستقرّة، وبطيئة، تحقق الصين والهند معدّلات نمو أعلى بكثير؛ وهو ما يعني أن الفجوة الاقتصادية العالمية تتحرك تدريجياً لمصلحة القارة الآسيوية، وأن موازين القوة الاقتصادية لم تعد كما كانت قبل عهود من الزمن. وفي هذا السياق التاريخي، يستحضر وولف دروس الماضي مذكّراً بأن القوة العسكرية المطلقة لم تكن كافية أبداً لضمان استمرار وبقاء الإمبراطوريات المتعاقبة؛ فالولايات المتحدة، ورغم تفوقها التسليحي الهائل، خاضت حروباً مكلفة في دول أقل قوة وإمكانيات مادية، وانتهت نتائج كثير من تلك المغامرات دون تحقيق الأهداف السياسية المعلنة. ويقارن ذلك مباشرة بما حدث للإمبراطورية البريطانية التاريخية عندما واجهت المستعمرات الأميركية في حرب الاستقلال، حيث لم تمنعها قوتها العسكرية الضاربة من الهزيمة الساحقة أمام خصم أقلّ تجهيزاً وعدداً، لأن موازين التاريخ كانت تتغيّر باستمرار.

وفي قراءة تحليلية عميقة للمشهد الجيوسياسي الراهن، يرى عالم السياسة والأكاديمي الأميركي البارز جون ميرشايمر، في مقابلة أجراها مع منصة العربي الجديد بتاريخ 20/05/2026، أن المواجهة العسكرية الأخيرة التي قادتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران تمثل خطأ استراتيجياً جسيماً وكارثة سياسية محققة لواشنطن، مستنداً في مقاربته النقدية التي نشرت تفاصيلها عبر شبكة يوتيوب إلى تفكيك الأوهام الكبرى التي بنيت عليها هذه الحرب، وموضحاً بأن الرهان على حسم سريع عبر توجيه ضربات قاصمة أو تقويض بنية النظام في طهران كان قراءة ساذجة وغير واقعية أبداً لطبيعة وتوازنات القوى الإقليمية. ويؤكد المفكر الأميركي في حواراته التحليلية المتلفزة مع الصحفي كريس هيدجز بتاريخ 25/05/2026 أن الصراع تحول سريعاً وبشكل حتمي إلى حرب استنزاف طويلة تصب مصلحتها العليا في صالح الجانب الإيراني، لافتاً الانتباه إلى قدرة طهران الكبيرة على امتصاص الصدمات الأولى وإحداث هزات عنيفة في أسواق الطاقة العالمية عبر الضغط المؤثر في ممرات الملاحة الاستراتيجية، فضلاً عن تعرية المنظومات الدفاعية المتاحة للخصوم. ومن هذا المنطلق، يشدّد ميرشايمر على أن هذه المعركة لم تخض دفاعاً عن أيّ مصالح قومية أميركية حقيقية بل جاءت حصراً تلبية لأجندة وحسابات إسرائيلية ضيّقة، وهو الأمر الذي سيتّضح جلياً ومباشرة للنخب والرأي العام الأميركي مسبباً أضراراً بالغة ومستدامة في صلب بنية العلاقات الاستراتيجية التقليدية بين البلدين. ويخلص التحليل استناداً إلى مداخلاته المكتوبة في صحيفة فايننشال تايمز بتاريخ 28/05/2026 إلى أن عجز واشنطن وتل أبيب المشترك عن بلوغ أهدافهما المعلنة يعكس تحولاً جذرياً في موازين القوة الدولية، وينذر بتراجع مظاهر الهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط، ليترك الإدارة الأميركية في النهاية أمام مأزق سياسي وعسكري حقيقي يفتقر إلى أيّ استراتيجية خروج واضحة في منطقة تزداد يوماً بعد يوم تعقيداً واشتعالاً.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية