المصلحة الفضلى للطفل.. متى يصبح سحب الحضانة خيارا قانونيا بالمغرب؟
أعاد الشريط المتداول على نطاق واسع الذي يوثق إجبار طفل على شرب مادة كحولية وسط مجموعة من البالغين النقاشَ حول حدود تدخل الدولة لحماية الأطفال المعرضين للخطر، ومدى إمكانية سحب الطفل من أسرته عندما تتحول الأسرة نفسها إلى مصدر تهديد لسلامته الجسدية أو النفسية.
ففي الوقت الذي أثارت فيه الواقعة موجة استنكار واسعة داخل المجتمع المغربي، برز سؤال قانوني وحقوقي جوهري: هل يسمح القانون المغربي بإبعاد الطفل عن والديه أو سحب الحضانة منهما في مثل هذه الحالات؟
وفاء بنتهيلة، محامية عضو فدرالية رابطة حقوق النساء، أفادت بأن التشريع المغربي يتضمن مقتضيات واضحة لحماية الأطفال من مختلف أشكال العنف والإهمال وسوء المعاملة.
وأوضحت بنتهيلة، ضمن تصريح لهسبريس، أن القانون المغربي يتدخل عندما يكون الطفل ضحية إهمال خطير أو سوء معاملة أو ممارسات تعرضه لضرر نفسي أو أخلاقي أو جسدي، مشيرة إلى أن مدونة الأسرة والقانون الجنائي يمنحان للمحكمة والنيابة العامة دورا أساسيا في حماية القاصرين.
وأضافت أن سحب الطفل من أسرته ليس إجراء تلقائيا أو سهلا، بل يظل تدبيرا استثنائيا لا يتم اللجوء إليه إلا عند وجود خطر واضح ومثبت يهدد سلامة الطفل أو نموه الطبيعي.
ومن بين الحالات التي قد تستوجب هذا التدخل، ذكرت المتحدثة العنف الشديد والمتكرر، أو تعريض الطفل للخطر، أو دفعه نحو الانحراف، أو الإهمال الجسيم الذي قد يؤثر على صحته وسلامته ومستقبله.
وأشارت بنتهيلة إلى أن القانون المغربي لا يكتفي بحماية الطفل فقط، بل يعاقب أيضا الآباء أو الأمهات الذين يتسببون في أضرار جسيمة لأبنائهم بسبب الإهمال أو تقديم نماذج سلوكية خطيرة.
وفي حالة ثبوت تعريض الطفل للخطر أو الإضرار به، يمكن للنيابة العامة التحرك، بناء على شكاية أو إشعار أو معطيات تصل إليها، لتباشر الأبحاث الضرورية عبر مختلف المؤسسات المختصة.
كما تلعب خلايا التكفل بالنساء والأطفال بالمحاكم دورا محوريا في تقييم الوضعية واتخاذ الإجراءات المناسبة، قبل أن تبقى الكلمة الأخيرة للمحكمة التي تفصل وفق معيار “المصلحة الفضلى للطفل”.
وتشمل التدابير الممكنة، بحسب عضو فدرالية رابطة حقوق النساء، تغيير الحضانة أو وضع الطفل مؤقتا تحت حماية أحد أفراد الأسرة أو مؤسسة مختصة بالرعاية الاجتماعية إذا تبين أن بقاءه في محيطه الأصلي يشكل خطرا عليه.
من جانبه، أكد عز العرب لحلو، رئيس الجمعية الوطنية لحماية الطفولة، أن المغرب راكم خلال العقود الأخيرة ترسانة قانونية مهمة في مجال حماية الطفولة، سواء من خلال القوانين الوطنية أو الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها.
وأوضح لحلو، ضمن تصريح لهسبريس، أن المملكة ملتزمة دستوريا وقانونيا بحماية الأطفال من كل أشكال العنف النفسي أو الجسدي، وأن سحب الطفل من أسرته في حالة الخطر يبقى إجراء مشروعا ومؤطرا قانونيا.
غير أن لحلو يرى أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في النصوص القانونية، بل في محدودية الآليات والمؤسسات القادرة على تنفيذ هذه الحماية على أرض الواقع.
وقال إن السلطات تجد نفسها في كثير من الأحيان أمام أطفال في وضعية خطر دون توفر البنية المؤسساتية الكافية لاستقبالهم ومواكبتهم، خاصة في الحالات التي تتطلب رعاية متخصصة.
وسجل رئيس الجمعية الوطنية لحماية الطفولة وجود خصاص كبير في مراكز الرعاية الاجتماعية المتخصصة، مشيرا إلى أن بعض الفئات من الأطفال، مثل الأطفال في وضعية إعاقة أو الأطفال المتخلى عنهم، لا تجد أحيانا مؤسسات قادرة على التكفل بها بالشكل المطلوب.
وأضاف أن عددا من مراكز الرعاية تعاني من ضعف الموارد المالية والبشرية، وتعتمد في كثير من الأحيان على الإحسان والتبرعات لتغطية حاجياتها الأساسية، وهو ما يحد من قدرتها على الاستجابة للحالات المستعجلة.
واعتبر أن الحماية الفعلية للطفولة لا يمكن أن تتحقق فقط عبر سن القوانين، بل تحتاج إلى استثمارات حقيقية في البنيات التحتية الاجتماعية، وتأهيل المؤسسات المكلفة بالرعاية، وتوفير الأطر المتخصصة والتمويل الكافي.
كما انتقد لحلو بطء تفعيل عدد من الآليات الترابية الخاصة بحماية الأطفال، مشيرا إلى أن العديد من اللجان المحلية والإقليمية المحدثة لهذا الغرض لم تصل بعد إلى مستوى الأداء المطلوب.
وأوضح أن عددا من المدن لا تزال تفتقر إلى لجان حماية الطفولة التي يفترض أن تتولى التنسيق بين مختلف المتدخلين، من سلطات محلية وقطاعات حكومية ومؤسسات قضائية وجمعيات المجتمع المدني.
The post المصلحة الفضلى للطفل.. متى يصبح سحب الحضانة خيارا قانونيا بالمغرب؟ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.