المصطفى روض في ملاحقة الشفاء على حافة الجغرافيا

في بلد يروّج لإنجازاته الرياضية واستعداداته لمونديال 2030، وتشيّد فيه المركبات الفخمة على وقع خطابات التنمية، تتوارى خلف الستار مأساة حقيقية عنوانها نزيف العقول ونزوح الشباب الفارين من انسداد الأفق…

غير أن الفارين هذه المرة ليسوا فقط فتيانا يحلمون بركوب الموج، بل هم أيضا قامات فكرية وصحفية عصامية أُغلقت في وجوهها سبل العيش والكرامة، لتجد نفسها في خريف العمر أمام خيار الهجرة مجددا، بحثا عن حق بسيط في العلاج وعن لقمة عيش تحفظ بها الكرامة.

نقف في هذا المقال عند تجربة الصحفي والباحث المغربي المصطفى روض، بوصفها سيرة إنسانية ومحاكمةً صريحة لواقعٍ مؤسساتي يهمّش كفاءاته، ومقدما شهادة حية تتقاطع فيها ذاكرة النضال والصحافة مع مرارة الاقتلاع والبحث عن كرامة مفتقدة.

***

علمت صباح اليوم أن الصديق مصطفى روض قد وصل بسلام إلى الجانب الآخر من الكوكب، إلى ساو باولو، العاصمة الاقتصادية للبرازيل أكبر دول أمريكا الجنوبية.

وفيما تناقلت الشاشات أخبار النزوح الجماعي للشباب المغربي نحو سبتة، قد تبدو هذه الهجرة المتأخرة لمتابعٍ من الخارج مفارقة غريبة، إذ كيف يفرّ الناس من بلد لا يعيش حربا أصلية ولا مجاعة ولا كوارث طبيعية؟ بلد يصرّ إعلامه الرسمي على التغني بتصنيفه الكروي المتقدم، مستظلا برتبته في المونديال ليغطي على واقع الاستبداد وحقائق الفساد، وعلى ترتيبه المخجل في التنمية والتعليم والصحة والعدالة.. بلد يستعد لاستقبال كأس العالم بمركبات رياضية هائلة تضاهي أوروبا، بينما يهجّر رأسماله الحقيقي وأبناءه نحو المجهول.

عندما بلغني صديق مشترك بنبأ وصول مصطفى روض إلى الضفة الأخرى، تساءلت بدافع الحسرة: هل خاض صاحبنا مأساة البحر مع الشباب الفارين إلى سبتة؟

ولكن من أين لجسد نحيل أنهكه العمر والمرض الجسيم أن يملك لياقة العوم وفتوة القفز في الموج؟

لقد ظل مصطفى روض منذ مدة يوزع شكواه على المقربين من أصدقائه، شكوى رجل يواجه داء كاسحا بلا مال ولا مصحات ولا تغطية صحية تضمن له أدنى كرامة. وحين أُغلقت في وجهه كل الأبواب، تطلع إلى إسبانيا علّه يجد فيها فرصةً للعلاج، وهو الذي عاش فيها من قبل كعامل مهاجر، وأتقن لغة سيرفانتيس حتى أصبح يقوم بالترجمة منها إلى لغة الضاد، بل بات يكتب بها الشعر الذي توّجه بديوان معتبر.

غير أن وطأة الداء وضيق اليد لم تكن كل المحنة، فقد بات الرجل مهددا بالتشرد الفعلي بعدما عرضت للبيع الشقة الصغيرة التي كان يقطنها بحي بوركون بالدار البيضاء، والتي تعود ملكيتها لأخته الوحيدة المقيمة ببلجيكا… فما العمل أمام الجدار المغلق؟

التنقل إلى إسبانيا يقتضي تأشيرة “شنغن” المستحيلة، وحالته الجسدية تمنعه من مجازفة قوارب الموت، لكنه ظل يفتش عن منفذ حيوي حتى هداه البحث إلى إمكانية السفر المؤقت إلى البرازيل. وبدعم أخوي من أصدقاء مخلصين تكفلوا ببطاقة الطائرة وبمصروفٍ زهيد يغطي مقامه لشهرين، طار روض نحو الجنوب. وقد اختار التوجه صوب منطقة حدودية ناطقة بالإسبانية بين البرازيل والباراغواي والأوروغواي، مستثمرا إتقانه للغة التي صقلها خلال سنوات عمله السابقة بالشيلي، على أمل أن يتيح له النظام الصحي البرازيلي فرصةً متكافئة للطبابة والتداوي.

تعيد هذه الرحلة التراجيدية التذكير بسيرة هذا الصحفي الاستثنائي، كما صغتها في بورتريه سابق، هنا أقدم ملخصا له:

المصطفى روض: سيرة صحفي عصامي بين أدب الهامش والنضال القومي

نشأ المصطفى روض يتيم الأب في أحد الأحياء الهامشية بالدار البيضاء. اضطر للانقطاع عن الدراسة في المرحلة الإعدادية عام 1970 للعمل والحد من البطالة، ليدفعه طبعه الانطوائي والقلق الوجودي نحو القراءة وتأمل واقع “أحزمة البؤس”. وفي عام 1972، انخرط في العمل السياسي السري ضمن خلايا منظمة “إلى الأمام” الماركسية بتأثير من أستاذته للفلسفة، مما ساهم في صياغة وعيه الفكري وتوجهه نحو الكتابات السياسية وقضايا التحرر.

بعد تجربة عيش قصيرة في إسبانيا (1973-1975)، عاد للمغرب ليعمل مراسلاً لجريدة “البيان” برعاية علي يعتة، متخصصا في تغطية قضايا العمال وأحياء الصفيح. وعقب مغادرتها عام 1979، التحق بجريدة “أنوال” (لسان منظمة العمل الديمقراطي الشعبي)، حيث تميز بتحقيقاته الاجتماعية الجريئة (مثل تحقيقه عن “دوار الرحامنة” عام 1983)، بالتوازي مع شغفه بالسينما وحصوله على البكالوريا كمرشح حر.

أُوفد روض إلى سوريا للتعليم العالي، فدرس الفلسفة بجامعة دمشق وانضم لهيئة تحرير مجلة “الحرية” الفلسطينية بتشجيع من داوود تلحمي، موقعاً مقالاته باسم مستعار (راوول مسيليتا). ولعب أدواراً نضالية وإعلامية بارزة ككاتب عام للاتحاد الوطني لطلبة المغرب بسوريا، ومؤسس لمكتب “أنوال” بالشرق الأوسط، ومسؤول عن نقل أفلام طباعة المجلة إلى قبرص، مما مكنه من نسج شبكة علاقات واسعة مع قادة الفصائل الفلسطينية وكبار كُتّاب ومثقفي المشرق العربي.

عاد إلى المغرب عام 1988، وعمل مراسلاً لمجلة “الفكر الديمقراطي” ثم عاد لجريدة “أنوال” حتى توقفها عام 1996. وفي عام 2011، خاض تجربة جديدة بالانتقال إلى دولة الشيلي باقتراح من صديقه الكاتب والسفير عبد القادر الشاوي، حيث عمل في “مركز محمد السادس لحوار الحضارات”، وأتقن الإسبانية عصامياً حتى أصدر بها ديوانه الشعري “تفاحة من كلام”.

ورغم أنه أنشأ موقع “مدونة روض برس”، ثم موقع “النسبية”، الذي لم يكتب له الاستمرار لأسباب مادية، ظل مصطفى روض يحمل في قلبه قدر الاقتلاع المستمر، صحفيا قضى عمره يكتب عن آلام الهامش والمهمشين، ليجد نفسه في خريف العمر مرغما على ركوب أقصى الغياب، ليس بحثا عن فرح أو رفاهية، بل مجرد طمعٍ في جرعة علاج وكرامة تقيه التشرد.

***

يحمل مصطفى روض معه في رحلته البعيدة أمنيةً بسيطة: فرصة عمل جديدة باللغة الإسبانية التي عشقها، بصفته إعلاميا وباحثا مغربيا متخصصا في الدراسات الإسبانية، أو حتى الاستثمار في شغفه الآخر بإعداد أطباق من المطبخ المغربي الأصيل الذي يجيده بكثير من الحب.

إنها سيرة محزنةٌ حقا، لكنها مكللةٌ بالإصرار والصمود والتشبث النبيل بأسباب الحياة…

يحدث كل هذا الهوان في زمن المجلس الوطني للصحافة، بتعديلاته المحوّرة، ولجانه المؤقتة المتعاقبة، من لجنة “الإيش إيش” وصولا إلى اللجنة الحالية…

اقرأ المقال كاملاً على لكم