المسكوت عنه في الخطاب الرسمي
بعد فترة صمت اثارت العديد من التساؤلات حول موقف الحكومة المغربية من موجة الهجرة الجماعية الى سبتة ومليلية المحتلتين، جاء البيان الأخير لوزارة الداخلية ليحمل وسائل التواصل الاجتماعي وشبكات الاتجار في البشر , علاوة على القرار الصادر عن المحكمة العليا الاسبانية بعدم جواز الإعادة الفورية للمهاجرين القادمين لإسبانيا عن طريق البحر, مسؤولية الكارثة التي نتجت عن هذه المأساة الإنسانية، والتي افجعت العديد من الاسر المغربية المكلومة بفقدان فلذات كبدها.
لا شك ان ردة الفعل المحدودة هاته ترجع الى اقتصار وزارة الداخلية على جوانب الازمة المرتبطة مباشرة باختصاصاتها الامنية، غير ان حدوث هذا الهروب الجماعي نحو الهجرة يكتسي طابعا احتجاجيا واضحا على الأوضاع المعاشية والسياسية في المغرب وارتباطها بالاختيارات الاستراتيجية التي ينهجها صناع القرار. وهذا يحيلنا الى مضمون خطاب العرش الأخير الذي تطرق الى حصيلة 27 سنة من حكم الملك محمد السادس. فتزامن تقديم هذه الحصيلة وحدوث الموجة غير المسبوقة لألاف المغربة من مختلف الاعمار نحو سبتة ومليلية السليبتين يستدعي التأمل والتفكير.
لقد ركز الخطاب الرسمي على ايجابيات ومنجزات العهد الجديد مفردا لها عدة فقرات بدءا بالاستقرار الذي يميز المغرب مرورا بالنجاحات المختلفة في مجال البنيات التحتية وبروز قطاعات اقتصادية جديدة كصناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة والسياحة، اضافة الى تنظيم عدد من التظاهرات الرياضية.
في رأيي المتواضع، تستدعي هذه الحصيلة الملاحظات التالية: أولا، من الواجب عدم تضخيم الاثار المترتبة على ظهور قطاعات جديدة داخل النسيج الاقتصادي للمغرب. فقطاع السيارات على سبيل المثال يعتمد بالأساس على أنشطة المناولة من الباطن (“الكابلاج” و”مقاعد وداخل السيارات”) والتجميع دون نقل يذكر للتكنولوجيا. إضافة الى هذا، لا يوجد هناك أثر محسوس لهذه القطاعات على مستوى معدل نمو الناتج المحلي الاجمالي الذي لا زال يخضع للتقلبات المناخية، وهذا راجع للاعتماد الكبير لهذه القطاعات على استيراد المدخلات الضرورية للإنتاج وضعف ارتباطاتها الخلفية والامامية مع القطاعات الأخرى المكونة للنسيج الاقتصاد. ويبقى الاستغلال الفاحش لليد العاملة نقطة سوداء في سجل هذه القطاعات، لا سيما ما تعلق بالأجور حيث تعتبر ما يسمى ب «التكلفة الوحدوية لليد العاملة” الارخص على الصعيد العالمي إضافة الى ظروف العمل السيئة (قطاع “الكابلاج” على الخصوص).
وتجرنا هذه النقطة الأخيرة الى أبرز خلل في الخطاب الرسمي الأخير ألا وهو موضوع تنمية الانسان المغربي والذي لم يتجاوز تناوله ثلاثة أسطر (مواصلة” تنزيل العديد من المبادرات وبرامج التنمية البشرية، وتعميم الحماية الاجتماعية، من أجل تحسين ظروف عيش المغاربة، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية”) مقابل فقرتين كاملتين خصصت للإنجازات المذكورة انفا.
اما الملاحظة الثانية، فتتعلق بنوع من الارتباك الحاصل في تقييم حصيلة العهد الجديد. ذلك ان العاهل المغربي شرع في ابداء قلقه حول “المسار التنموي” للبلاد منذ مدة (سؤال “أين هي هذه الثروة وهل استفاد منها جميع المغاربة، أم أنها همت بعض الفئات فقط”, خطاب العرش لسنة 2014) قبل ان ينبه الى فشل النموذج التنموي المتبع عندئذ ويدعو الى صياغة “نموذج تنموي جديد”. والحال ان الإجابة الموضوعية على هاذين السؤالين كفيل بالكشف عن الأسباب الحقيقية لتذمر فئات واسعة من الشعب المغربي وتزايد الإحساس ب”الحكرة” والاقصاء، ومن ثمة الإصرار على الهجرة القسرية.
نقتصر في هذه التدوينة على موضوع تركيز الثروة الذي ما فتئ يتفاقم خلال العشرية الأخيرة حيث ارتفع عدد المليونيرات (بالدولار الأمريكي) بأكثر من 16 في المئة منذ ازمة كوفيد، في وقت اضطرت اكثر من 4 ملايين اسرة مغربية لطلب الاستفادة من الدعم الحكومي لواجهة تبعات هذه الجائحة. كما يستحوذ أربع (4) مليارديرات لوحدهم على قرابة 7 في المئة على اقل تقدير من الناتج الداخلي الخام (146 مليار دولار سنة 2024) دون ان يترجم هذا الاستحواذ على مستوى التقدم الاقتصادي والاجتماعي من حيث مستوى التصنيع والتطور التكنولوجي والاستثمار المنتج وخلق فرض العمل اللائق وتوفير الخدمات العمومية الأساسية وتعميمها على مستوى كامل التراب الوطني. بل لن يكون من المبالغة في شيء اعتبار هذه الفئة من “رجال الاعمال ” مجرد أصحاب صفقات ومضاربين همهم الوحيد تعظيم الأرباح وتكديس الثروات.
في المحصلة، يتبين ان السردية المبنية على الرهان على القطاع الخاص والتقشف مع غياب إمكانية المساءلة الديموقراطية، هذه السردية أدت الى ترسيخ ” التنمية الرثة” , وهي عبارة عن جزر من النمو الاقتصادي في بحر من الهشاشة والاقصاء الاجتماعي والانتشار الواسع لدائرة القطاع غير المهيكل. في هذه الظروف، يصبح التفكير في الهروب من هذا الواقع المزري” أفقا ” لا بديل عنه، علما ان الهجرة أصبحت تطال كذلك الأطر المتعلمة (الأطباء والمهندسين على الخصوص) وفئات من الطبقة المتوسطة التي تبحث على ضمان مستقبل أمن لفلذات كبدها. (ولنا عودة للموضوع)