المرشح “السوبرمان” لمنصب الرجل الثاني في البروتوكول بالمغرب!
أخيرًا تأكد ما تفرق واختلف بشأنه الرأي العام الوطني، وقبله تنازع المراقبون، وقبلهم وأولهم جميعًا توجس المتوجسون منه من السياسيين. وحل اليوم الذي قطع فيه الذين يهمهم الأمر الشك باليقين، حيث أعلنت فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، رسميًا عن التحاق فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بالحزب.
وجاء الإعلان الرسمي خلال الجلسة الافتتاحية لأشغال الدورة الثانية والثلاثين للمجلس الوطني لحزب “البام”، المنعقدة يوم السبت 25 يوليوز 2026 بسلا، حيث نال “الوافد الجديد” الاستثنائي عضوية المكتب السياسي للحزب مباشرة بالصفة، باعتباره وزيرًا يمثل، على الأقل من الآن فصاعدًا، الحزب في الحكومة الحالية، وذلك بموجب مقتضيات النظام الأساسي التي تمنح الوزراء الممارسين العضوية في أعلى هيئة تنفيذية.
وخصصت قيادة الحزب وأعضاؤه استقبالًا حافلًا لـ”القيادي” الجديد فور وصوله إلى اجتماع “برلمان الحزب”، حيث أكدت القيادة أن هذه الخطوة تأتي في سياق انفتاح الحزب على الكفاءات الوطنية الكبرى لتأثيث مشروعه المجتمعي والسياسي.
إذن، ها هو الجانب الأكبر من الجواب عن السؤال الذي شغل المغاربة في الأيام والأسابيع الأخيرة قد تحقق، وهو ما قد يغني عن باقي عناصر الجواب، بشأن ما إذا كان الرجل سيقود الحزب في المرحلة المقبلة، أم سيكتفي بعضوية المكتب السياسي فقط، والترشح للانتخابات التشريعية المقبلة بدائرته في بركان. وفي كلتا الحالتين، فإن كلا الطريقين قد يقودان ابن مدينة بركان إلى ترؤس حكومة “الخريف المقبل”، أي “حكومة المونديال”، لما يتوفر لديه من شروط ومؤهلات يفتقدها غيره، في حال توفرت، طبعًا، لدى “الجرار” الظروف المواتية ليحرث كما يشاء ويحصد كما يشاء زرع انتخابات 23 شتنبر 2026، وهو أمر وارد جدًا لاعتبارات عديدة.
وقبل أن ندلي بدلونا بخصوص خلفيات وحيثيات قيام هذه القيامة، وهذا الهرج والمرج الذي رافق الحديث عن عزم فوزي لقجع الالتحاق بحزب “الأصالة والمعاصرة”، دعونا نورد أولًا هذين المؤشرين القويين اللذين يحددان مدى أهمية وقيمة انضمام فوزي لقجع، رجل الدولة الآخذ في التضخم والاستقواء، لا سيما على المستويين الرياضي والبيروقراطي، إلى هذا الحزب، الذي، شئنا أم أبينا، يبقى “حزب الدولة/الإدارة”. وقد كتب لنا، كصحافيين ومراقبين، أن نشهد نشأته الأولى، ونواكبها بحذافيرها وهي تدب على الأرض خارجة من المشور السعيد بالقصر، ثم منتقلة إلى وزارة الداخلية ليشتد عضدها، قبل أن تتبوأ مكانة بارزة، منذ يومها الأول، بين الأحزاب كتجربة حزبية فريدة.
أما المؤشر الأول، فيمكن للمتتبع والرأي العام أن يستشفاه من البلاغ المتوجس لحزب إدريس لشكر (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية)، نهاية الشهر الماضي، عندما هاجم ما وصفه بـ”الترويج المبكر لاسم رئيس الحكومة المقبلة”، وكذا التعديلات الانتخابية الاستباقية.
وهو موقف لا يحتاج إلى كثير اجتهاد لتفسيره بأنه رد مباشر وضمني على تقارير سابقة تحدثت عن رغبة لقجع في الترشح للانتخابات المقبلة باللون “البامي”، وركوبه “التراكتور” كأول “ركوب” حزبي للرجل، وهو ما يفهم منه، ويجعل قراءات عديدة ترجحه لقيادة حكومة ما بعد انتخابات 2026، لاعتبارات وخلفيات سنتحدث عنها لاحقًا.
لقد عبّر حزب “الاتحاد الاشتراكي”، الذي يعرف الجميع أن بياناته، ولا سيما تلك التي “تقطّر الشمع” على “الذين بيدهم الأمر” في صناعة القرار المغربي، يصوغها في الغالب كاتبه الأول “المحنك” في قراءة الأحداث، وهو السبّاق، كما نعرف، إلى نعت فؤاد عالي الهمة، مستشار الملك، وحزبه الوليد، ذات سنوات الولادة، بـ”الوافد الجديد”. وقد عبّر الحزب، في بيانه، عن “استنكاره الشديد” لما أسماه “الإشاعات التي تكاد تحسم مسبقًا في هوية رئيس الحكومة القادم”، معتبرًا أن هذه المحاولات تمثل تضليلًا للرأي العام وتدخلًا سافرًا في توجيه إرادة الناخبين قبل الاحتكام إلى صناديق الاقتراع.
ومع ذلك، فقد أبقى حزب “الوردة الذابلة” الباب مواربًا، والأمل معلقًا ومفتوحًا على كل الآفاق، عندما شدد، في البلاغ نفسه، على أن تعيين رئيس الحكومة هو “اختصاص دستوري حصري لجلالة الملك”، يمارسه بناءً على النتائج النهائية لصناديق الاقتراع، وليس بناءً على تفاهمات وتكتيكات حزبية مسبقة لكولسة المناصب.
والظاهر من لهجة “الاتحاديين”، التي لا تستطيع دبلوماسية الغزل بـ”الدستور” و”جلالة الملك” أن تخفيها، أنهم استشعروا خطورة أمر ما يُحاك بليل، وهو ما قد ينسف آمالهم وأمنياتهم بالعودة إلى الواجهة، ولِمَ لا استعادة زمام “التناوب” المفقود، الذي أخرجهم، في تسعينيات القرن الماضي، من غياهب معارضة “سنوات الرصاص”، ليقودهم طيب الذكر الراحل عبد الرحمن اليوسفي إلى ترؤس آخر حكومة في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، وهي الحكومة نفسها التي انتقل خلالها العرش إلى الملك محمد السادس. ليأتي اليوم الذي يرون فيه سيناريو “وافد جديد” آخر على حزب طالما انتظر “نوبته”، أو دوره، في تولي رئاسة الجهاز التنفيذي، بعدما حالت دون ذلك ظروف مختلفة، ومجتمعة أحيانًا، في استحقاقات انتخابية سابقة، بما في تلك الظروف من عبث، وعدم استغلال أمثل للملاعق الذهبية التي ازداد قادة الحزب (البام) وهي في أفواههم.
أما المؤشر الثاني القوي، الذي يشير إلى جسامة وضخامة ورجّة حادث “إنزال باراشوت” (Parachute) فوزي لقجع على الملعب السياسي الوطني، فهو القبول غير الحسن والمرتبك الذي تلقى به “معسكر” الحزب الأغلبي الحالي، حزب عزيز أخنوش، بكل ما أوتي من قواعد وقيادات و”ذباب إلكتروني” وأذرع إعلامية، هذا النبأ غير السعيد. ففي الوقت الذي كان حزب “الحمامة” يكاد يجمع على ترديد المعزوفة نفسها، بأنه ذاهب إلى تكرار ما حققه الحزب “الإسلامي” (العدالة والتنمية) سابقًا، والفوز مجددًا في الانتخابات التشريعية المقبلة، ومن ثم نيل شرف ترؤس الحكومة مرة أخرى، بدأ مبكرًا في ترتيب بيته الداخلي.
وكان أول ما بدأ به استبدال ربانه، عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، الذي أحرق، على ما يبدو، معظم أوراقه لدى الناخبين، ومع “أولي أمره ونعمه”، بعدما تورط، بحسب منتقديه، في الجمع بين الثروة والسلطة بطريقة فجة، ومرر إلى “هولدينغه” صفقات عمومية بطريقة صفيقة، تسير بحديثها الركبان ويعرفها القاصي والداني. وهو ما جعل “حزب الأعيان”، هذا الابن البكر الآخر للإدارة، يقتنع بضرورة الظهور بمظهر الهيئة السياسية القادرة على تداول مناصب المسؤولية الحزبية، ولكن بطريقة لم يكن فيها كثير من الذكاء، حتى لا نقول بسذاجة، بعدما استقدم الحزب اسمًا غير محنك سياسيًا، وأكثر من ذلك، تحوم حوله شبهات استغلال النفوذ مع ظهوره الأول في واجهة الحزب.
ولذلك حاول حزب “التجمع الوطني للأحرار”، الذي صدمه “الوافد الجديد” غير العادي إلى حزب “البام”، وبتسخير أبواقه الدعائية، التقليل من أهمية التحاق فوزي لقجع بالحزب “الشقيق”، ولكنه الخصم اللدود هذه الأيام. بل إن الآلة الدعائية لحزب “الأحرار” لم تخف، أحيانًا، رفضها الصريح لسيناريو قدوم فوزي لقجع لخوض الانتخابات المقبلة على متن “الجرار”، وقيادة “حكومة المونديال”، كما باتت ملامح ذلك تلوح في الأجواء، وكما أصبحت رائحة مطبخ السياسة في البلاد تنبعث بقوة تزكم الأنوف، بينما كان ذلك حلمًا طالما راود قيادات حزب عزيز أخنوش، بل وأخنوش نفسه أيضًا. غير أن رياح الإدارة، أو “المخزن”، تجري بما لا يشتهي فلان أو فرتلان.
الرجل المناسب في المكان المناسب؟
من اللافت للانتباه، في خضم هذا النقاش المحتدم على الساحة السياسية المغربية اليوم، أن حتى الذين لم تكن لديهم حاسة حدس قوية تتنبأ بخريطة الوضع السياسي لما قبل وما بعد الانتخابات المغربية، باتوا اليوم أكثر قدرة على تقديم قراءة استشرافية لنتائج تلك الانتخابات، بل ويستطيعون حتى التنبؤ بمن سيكون رئيس الحكومة المقبلة بناءً على ما ستفرزه من نتائج. وليس هنا أي سر أو قدرة خارقة على قراءة فنجان (Tasseography) السياسيين، بل إن الأمر يتعلق فقط بتسمية أحداث ووقائع وتقاليد مغربية، أو بالأحرى “مخزنية”، بأسمائها التي تستحقها، والتي تكشفها الظروف والشخوص المصاحبة لها.
وعندما يتعلق الأمر بالوضع المغربي الحالي، حيث توشك أن تنتهي ولاية حكومية يقودها حزب “الأحرار”، الذي أبان، بقيادة ربانه الأول عزيز أخنوش، عن غير قليل من الجشع والطمع في الاستغلال الفاحش للسلطة من أجل مراكمة الريع وضخ رساميل إضافية في شركات قياداته، وحيث تورطت “المرأة الحديدية” في الحزب الحليف الثاني للحزب الأغلبي في ملف عقارات بمراكش تشوبه اختلالات في استغلال السلطة والنفوذ، وتفوح منه روائح “شبهة فساد”، وهو ما اضطر “ابنة الباشا”، فاطمة الزهراء المنصوري، الوزيرة، وعائلتها إلى الخروج لتبرير ورفض ما اتُّهموا به من ترامٍ على أراضٍ وتحويلها إلى “فيلات كلاص” تقدر قيمتها بالملايير، مما خدش صورة المحامية الصنديدة والسياسية القوية بوصفها “وجهًا نسائيًا” كان كثيرون، ومنهم كاتب هذه السطور، يرشحونها يومًا لأن تكون “امرأة المرحلة” بدل “رجل المرحلة”، لتقود “حكومة المونديال”، لما قد يحققه ذلك للمملكة من مكاسب، لا سيما على مستوى الترويج السياسي دوليًا، وتلميع صورة المملكة باعتبارها داعمة لحق المرأة في تقلد المناصب العليا.
ولأن احتمالات “نوبة” حزب “البام” في “تناوب” ترؤس الحكومة قد اقتربت، بل باتت وشيكة أكثر من أي وقت مضى، لا سيما في ظل استمرار تدهور وتراجع ما يسمى “الأحزاب الوطنية”، بما في ذلك المكون الثالث في التحالف الحكومي الحالي، حزب الاستقلال، الذي ذاب وبهت لونه الوردي في التحالف مع حزبي الإدارة ذوي اللون الأزرق الفاقع، بالإضافة إلى حزبي الرفاق التائهين، “الاتحاد” و”التقدم والاشتراكية”، اللذين جعلتهما الأنانية الحزبية والانتهازية السياسية يفترقان ولا يلتقيان، حتى وإن كانا معًا يرزحان في خندق المعارضة. علاوة على تقهقر حزب الإسلاميين (البيجيدي)، وانكفائه وتقوقعه على ذاته، وعلى ذات كبيره الذي علّم أعضاءه التمادي في “الأنا” الضاربة جذورها في الإيديولوجية الدينية المفترى عليها.
وحيث إن فوزي لقجع كان محظوظًا بأن يحظى بأقوى وأطول حملة انتخابية غير معلنة يمكن أن يحصل عليها “زعيم” ما، من خلال ترؤسه للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، حيث تمكن المغرب، خلال مرحلة ولايته المتواصلة إلى أجل غير مسمى، من تحقيق نتائج مبهرة وغير مسبوقة كرويًا، مما جعله يحشد جماهير غفيرة تؤيده كرجل دولة ومسؤول ناجح في تدبير قطاعه الرياضي، على الأقل، إضافة إلى تزكيته من قبل رئيس الدولة، ملك البلاد، من خلال إناطته بمسؤولية تدبير الاستعداد والتجهيز لتنظيم التظاهرة الرياضية العالمية المقبلة، كأس العالم 2030.
كل هذا آنف الذكر من معطيات موضوعية، عدا، طبعًا، عما تسبغه “السدة العالية بالله” من رضا عليه، جعل فوزي لقجع يبدو، في صحراء سياستنا الوطنية القاحلة والفاسدة، مثل ذلك الرجل البطل الخارق، أو المرشح الـ”سوبرمان” (Superman)، وفوق العادة، لخوض غمار السباق نحو الكرسي الوثير لرئيس الحكومة بالمشور السعيد.
وهذا، طبعًا، لا يعني أن الرجل يُعد من الطاهرين المطهرين، العتقاء من شبهات اختلالات التسيير الإداري وتحمل المسؤولية العمومية، بل إنه أيضًا طالما تحدثت بعض التقارير عن طريقة تدبيره للجامعة الرياضية، التي تُشبَّه بالدجاجة التي تبيض ذهبًا. ولكن، على ما يبدو، فقد أكلت حسناته الرياضية، بإسعاد الجماهير، سيئاته التدبيرية، وهذه، على الأقل، مزية توفرت لديه ولم تتوفر لغيره من باقي خصومه ومنافسيه الآخرين على المنصب الثاني في هرم الدولة المغربية الموعود.
*صحافي وباحث في الاتصال السياسي