المخرجة والناجية من الحرب في أوكرانيا أليسا كوفالينكو لـ"النهار": فيلمي عن نساء حوّلن الألم إلى قوّة

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في "ندوب"، فيلمها الفائز بجائزة الجمهور في "برليناله 2026"، تتناول المخرجة الأوكرانية أليسا كوفالينكو، إحدى أكثر القضايا إيلاماً وتهميشاً في زمن الحروب: العنف الجنسي كسلاح ممنهج. من خلال متابعة رحلة إيرينا دوفهان، الناجية التي تحوّلت إلى ناشطة توثّق شهادات النساء في المناطق الأوكرانية المحرّرة، يقدّم الفيلم مساحة نادرة لكسر الصمت وتجاوز الوصمة، حيث تتحوّل التجارب الفردية إلى صوت جماعي يطالب بالعدالة والكرامة. الفيلم أكثر من توثيق لجرائم الحرب، وإنما محاولة سينمائية لالتقاط مسار التعافي، بكلّ ما يحمله من تحدّيات نفسية. في لقاء "النهار" معها، تحدّثت كوفالينكو، 38 عاماً، بصراحة مؤلمة، عن تجربتها الشخصية كناجية، التي شكّلت نقطة انطلاق لعملها هذا، وعن صعوبة تحويل الصدمة إلى مادة سينمائية من دون الوقوع في الاستغلال. حوار يكشف كيف يمكن السينما أن تكون وسيلة للشفاء الفردي، وأن تحافظ على وظيفتها الجمالية.

* قرأتُ أن الفيلم تطوّر انطلاقاً من تجربتك الشخصية…
- نعم. كلّ شيء بدأ عام 2014 عندما تعرضتُ أنا نفسي لاغتصاب بعدما احتجزني ضابط روسي في الدونباس، يوم ذهبتُ إلى هناك لتصوير وثائقي. كنت آنذاك طالبة في معهد السينما. لكنني، لم أستطع التحدّث عن الأمر لعامين تقريباً، لا مع عائلتي ولا مع المقربين منّي ولا مع شريكي حتى. ظنّنتُ أنني أستطيع تحمّل الألم وحدي، لكن ما هكذا تُعالَج الصدمة. هي تعود دائماً. لاحقاً تابعتُ علاجاً عبر المسرح، وكان ذلك أول مكان أبدأ فيه التحدّث عمّا مررتُ به. بدأتُ أفهمها من خلال اعادة تمثيلها. بدت لي لحظة تطهير داخلي. ثم تواصلت معي منظّمة تعمل على توثيق جرائم الحرب، ثم جاءت مبادرة بدعم من مؤسسة دنيس موكويغي، جمعت ناجيات في أوكرانيا. كان الهدف كسر الصمت وازالة الوصمة. في 2019، اجتمعت نحو 15 امرأة. كانت بداية حركة.

* لم يكن هناك مشروع فيلم آنذاك؟
- ليس مباشرةً. ناقشنا احتمالات مختلفة، من بينها الفيلم. لكنني خشيتُ الاقتراب من الموضوع بسبب ارتباطه بتجربتي الشخصية. بعد الغزو الروسي، تغيّر كلّ شيء. تفاقم حجم العنف، بما في ذلك العنف الجنسي ضد النساء والرجال في الأسر. شعرتُ حينها أنه عليّ التحرك.

* هناك شهادات لستّ نساء في الفيلم. لماذا "هؤلاء" النساء تحديداً؟
- الناجيات أكثر بكثير. داخل مجموعتنا وحدها هناك نحو 80. لكننا بدأنا بتوثيق الشهادات تدريجاً. لم نخطّط مسبقاً. كلّ قصة حملتنا إلى أخرى. بعض النساء وافقن على المشاركة، وأخريات رفضن، وأنا أتفهّم رفضهن. إحدى النساء لم توافق إلا في مرحلة متأخّرة جداً، بعدما راحت تتعافى نفسياً. في البداية كانت في حالة مزرية، ثم مرت بعملية تعافٍ، وبعدها وافقت!

* مجرد البوح قد يكون بداية الطريق إلى الشفاء.
- إنه الخطوة الأولى. من دون الكلام، لا يمكن أن يبدأ التعافي. يجب أن ينكسر الصمت الداخلي أولاً. 

 

نساء على شفير التعافي.

 

* أفلام الحرب تعتمد عادةً على تجسيد العنف. هنا نحن نسمع أكثر ممّا نرى، وكأن الخيال يعمل أكثر من الصورة. هل كان هذا مقصوداً؟
- منذ البداية كان تركيزي على الشهادات. المشروع بدأ بمنحة صغيرة لتوثيق الجرائم ضد الإنسانية. الأهم بالنسبة لي كان تسجيل أصوات الناجيات. في تلك المرحلة، لم أصوّر الوجوه حتى، مكتفيةً بتسجيل الحكاية الشفهية. وددتُ بناء ثقة. الكاميرا أحياناً تخلق حاجزاً، لكن عندما يتحوّل الأمر إلى حوار مباشر، يصبح الأمر مختلفاً. لاحقاً، بدأتُ أبحث عن لغة بصرية، الا ان الصوت ظلّ محور الفيلم. لم يعد مجرد كلام، وإنما صار رمزاً وطبقة أعمق. حتى الموسيقى في الفيلم ارتكزت حول هذا المفهوم. أصوات بشرية تتجمّع كأنها جوقة. ليست موسيقى تقليدية، بل أصوات غناء. بعضها صوتي أنا، وبعضها لامرأة أخرى. الفكرة هي الانتقال من الصمت إلى الصوت، من الصمت الكامل إلى القدرة على الكلام. كان علينا ألا نبالغ في العاطفة. فالفيلم أصلاً مليء بالمشاعر. لذلك، كان علينا العمل بحذر شديد، بين البساطة والعمق، دون إفراط أو افتعال.

* رغم طابعه الحقوقي، فإن الفيلم شديد الامعان في اللغة السينمائية. كيف اشتغلت على هذا الجانب؟
- هناك الكثير من أفلام حقوق الإنسان المهمّة، لكنني كنت أبحث عن العمق. وددتُ أن يكون الفيلم وثيقة وعملاً فنياً في الوقت نفسه. طبقات رمزية، استعارات، وعلاقة مع الطبيعة ودوراتها، كأنها انعكاس لدورات الصدمة والتعافي. الجمع بين البُعدين الحقوقي والفنّي يجعل التجربة أعمق، عاطفياً وفكرياً.

* التقطت المَشاهد بنفسك. الصورة جميلة جداً رغم قسوة الموضوع.
- اعتمدتُ على الغريزة. عندما ذهبتُ إلى خيرسون بعد التحرير، رأيتُ آثار الحرب في كلّ مكان: مبانٍ مدمّرة، حقول محترقة، طبيعة مستباحة. رؤية الأشجار وهي تحترق شكّلت صدمة لي. شعرتُ وكأن القلب يحترق. من هنا صرتُ أبحث عن لغة بصرية تتناول الطبيعة باعتبارها مرآة للإنسان. حتى الناجيات يرتبطن بالطبيعة: الزراعة، إعادة الحياة الى الأرض، التشجير. إحداهن قالت لي إن أول شيء زرعوه بعد العودة كان الثوم، حتى في أرض مليئة بالألغام. التجربة كانت ثقيلة جداً. الاستماع إلى الشهادات لساعات طويلة جعلني أشعر بفراغ داخلي. كنت أرى كوابيس كلّ ليلة، خليطا من قصص سمعتها وتجارب عشتها. في لحظة معينة، ما عدت قادرة على التنفّس، بعدما فقدتُ الطاقة على الاحتمال. وجدتُ نفسي في حالة تجمع بين المخرجة والناشطة والناجية. لكني اعتبرتُ أنني مكلّفة مهمّة. وعندما بدأت النساء بالتعافي، شعرتُ أنني أنا أيضاً أتعافى. شفاؤهن انعكس عليّ.

* فاز فيلمك بجائزة الجمهور في مهرجان برلين الأخير. شاهدته أمس هنا في تسالونيك، وبصراحة، فوجئتُ لأنه فيلم شديد السوداوية، وغالباً ما تذهب جوائز الجمهور إلى أفلام أكثر خفّة أو تفاؤلاً!
- هذا فاجأني أيضاً. لم أتوقّع جائزة الجمهور. لكن في العرض الأول في برلين، وفي قاعة كبيرة جداً، شعرتُ بشيء مختلف. كان هناك أكثر من 800 شخص، وحصل الفيلم على تصفيق طويل جداً. نظرتُ إلى الجمهور فرأيتُ أن المشاعر لم تكن حزناً فحسب. رأيتُ ضوءاً في العيون. كثيرون قالوا لاحقاً: "الفيلم صعب، لكنه يحمل شيئاً من النور. لا مجرد ألم". فيلمي لا يرينا الضحايا فقط، بل النساء اللواتي نجون، واللواتي حوّلن الألم إلى قوة. مشاهدة هذا التحوّل - ما نسمّيه أحياناً "التعافي بعد الصدمة" - تمد المُشاهد بقوة. لذلك، قد لا يكون ربما فيلماً سقيماً تماماً، رغم موضوعه الثقيل.

* هل لا يزال الانتهاك الجنسي مستمراً اليوم؟
- نعم، للأسف. هناك شهادات كثيرة لأسرى الحرب عن تعذيب جنسي ممنهج. في بعض الحالات يُستخدم بشكل منظّم كأداة حرب. ولهذا نعمل على توثيقه والمطالبة بمحاسبة المسؤولين.

* كثيراً ما يُنظَر إلى هذه القصص كتفاصيل صغيرة بلا أهمية داخل حرب كبيرة.
- صحيح، لكنني أؤمن أن الفيلم جزء من معركة دولية ضد استخدام العنف الجنسي كسلاح حرب. إني جزء من شبكة تضم أكثر من 30 دولة: البوسنة، الكونغو، وغيرهما. مجتمع من الناجين يقاتلون من أجل الكرامة والعدالة.

* هل هو عنف مقصود؟
- بالتأكيد. الهدف ليس الجنس للجنس، بل كسر الإنسان، تحطيم كرامته وإرادته. لكن الكرامة لا تُكسَر بالكامل. النساء يجدن طريقاً لاستعادتها ومواصلة الحياة.

* هل التعافي الكامل ممكن؟
- الضحية لا يمكنها العودة إلى ما كانت عليه سابقاً. لكن يمكن أن تتعلّم كيف تعيش مع الواقعة.

* بعيداً من الشعارات والمثاليات، ألا يتم إنزال عقوبات حقيقية على المجرمين؟
- العدالة تحتاج إلى وقت طويل. ربما 10 أو 20 سنة. لكن يجب الاستمرار في المطالبة بها. وإلا أصبح العالم مكانا غير صالح للعيش. حتى الخطوات الصغيرة مهمّة. الفيلم نفسه يمكن أن يكون جزءاً من هذا المسار: كسر جدار الصمت.

كييف في زمن الحرب… والصقيع!
في بداية حوارنا، سألتُ أليسا كوفالينكو عن الوضع حالياً في كييف، فهل ثمّة خطر مباشر على سكّانها، ذلك ان المشهد من بعيد يبقى مشوّشاً. كان ردّها: "الحال متقلّبة باستمرار. هناك ضربات جوية وقصف بشكل متكرر. وقبل نحو أربعة أسابيع كانت الظروف كارثية، إذ انقطعت الكهرباء بالكامل لمدة ثلاثين ساعة. بعد ذلك، وعلى مدى أسبوعين، كانت الكهرباء تأتي أحياناً لثلاث ساعات فقط يومياً، أو ساعتين ليلاً، وأحياناً أقل من ذلك. كان الوضع شديد الصعوبة، ذلك ان الحرارة خارجاً قاربت العشرين تحت الصفر، إلى درجة أننا "تجمّدنا" داخل منازلنا. أعيش في بيت مستقل، وعندما تنقطع الكهرباء ينقطع معها كلّ شيء: لا غاز، لا ماء، لا تدفئة، لا ضوء. لا شيء. لدي طفل عمره ثماني سنوات، وكنت أجمع كلّ الأغطية في المنزل كي يشعر ببعض الدفء. لكننا نجونا. واليوم في أوكرانيا نقول إننا تجاوزنا أصعب شتاء. حتى أمي، وهي امرأة قوية جداً، بدأت تبكي. لم يكن البرد فقط، بل الضغط النفسي، الظلام الكامل، قسوة المناخ، والاعتماد فقط على ضوء الهاتف".

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية