المخاطر التي يتعرّض لها التراث والقوانين الدولية التي تحميه في كتاب "الصراع على التراث والاستنزاف الحضاري"
صدر عن مركز أبوظبي للغة العربية كتاب "الصراع على التراث والاستنزاف الحضاري: رؤية مستقبلية" للباحث الدكتور أحمد عادل زيدان، مقدّماً حلولاً لصون التراث الثقافي وإدارته في أوقات الأزمات والصراعات في منطقة الشرق الأوسط، نظراً لكمّ الانتهاكات التي يتعرّض لها التراث خلال الصراعات، من تدمير وإبادة ونهب، كما يكشف عن وسائل وإجراءات الحماية الدولية والمحلية للتراث في حالتي السلم والحرب. ويلقي أيضاً الضوء على تاريخ دولة الإمارات الحضاري والثقافي، وإسهاماتها في مجال صون التراث الثقافي محلياً وإقليمياً وعالمياً.
في الفصل الأول، المعنون "التراث الثقافي ومآلات الصراع"، يستعرض الباحث ماهية التراث الثقافي وأهميته الكبيرة، باعتباره ممثلاً لهوية المجتمع وحضارته الإنسانية وتاريخه. ويبيّن أن الكتابة والتدوين والتوثيق كانت من أهم أدوات حفظ التراث والحضارة، وأن ما تم توثيقه في مخطوطات وكتب ومجلدات وجد سبيلاً للحفظ والعرض في المكتبات. ومع التطور ظهرت مؤسسات المعلومات وتطورت عبر العصور.
ثم يعرض المؤلف لماهية التراث والثقافة لغةً واصطلاحاً، موضحاً أن التراث هو كل ما خلّفه السلف من آثار علمية وفنية وأدبية، سواء كانت مادية كالكتب والآثار وغيرها، أو معنوية كالآراء والعادات والتقاليد المنتقلة عبر الأجيال. أما الثقافة فهي نتاج إنساني يختص به الإنسان، يكتسبه الأفراد من المجتمع وينقلونه جيلاً بعد جيل، وهي قابلة للنمو المستمر والتغير الدائم.
قسّم الكتاب التراث إلى نوعين: التراث المادي، الذي ينقسم إلى تراث مادي ثقافي مثل القصور والمعابد والنقوش والقلاع وغيرها، وتراث مادي طبيعي مثل المحميات الطبيعية. أما التراث غير المادي، فيشمل العادات والتقاليد وأشكال التعبير الشفاهي المتنوعة.
وتوجد العديد من المهددات للتراث، منها المهددات الطبيعية كعوامل الرطوبة والحرارة والأمطار والفيضانات والزلازل والملوحة والسيول والتغيرات المناخية، وكذلك مهددات بشرية مثل الحرائق المفتعلة وأعمال الهدم والتخريب والسرقة والنهب والصراعات المسلحة، والترميم الخاطئ للتراث.
كما توجد العديد من الدوافع والأسباب التي تدفع الأفراد إلى تدمير التراث الثقافي، منها ثقافة التدمير وطباع المدمّرين نتيجة التطرف في الفكر والرأي، وعدم القدرة على تحمّل النقد، والأنانية. ويُعدّ تدمير التراث انتهاكاً لحقوق الإنسان، مثل حق الكرامة وحق الهوية وحق المعرفة والحق في استكمال الذاكرة المكتوبة للأمم والأفراد.
يعرض المؤلف بعد ذلك أمثلة لمصير التراث الثقافي أثناء النزاعات والاضطرابات في عصور مختلفة، فيذكر تراث العصور القديمة الذي يمتد من بداية التاريخ حتى سقوط روما عام 476م، مثل مكتبة رمسيس الثاني التي حوت أكثر من 20 ألف لفافة بردي ونهبت على يد الفرس عند دخولهم مصر، ومكتبة آشور بانيبال التي كانت تحوي أكثر من خمسة آلاف كتاب ونصف مليون لوحة صغيرة ومخطوطات قديمة، وتعرضت للاعتداء أثناء غزو البابليين لمدينة نينوى، إضافة إلى المكتبة الملكية في إيبلا، ومكتبة الإسكندرية القديمة، ومكتبات أوغاريت في سوريا، ومكتبة القسطنطينية، وجميعها تعرّضت لاعتداءات مختلفة ذكرها المؤلف تفصيلاً مع محتويات تلك المكتبات.
في العصور الوسطى، ظهرت الحضارة الإسلامية التي قامت على العناية بالكتب والمكتبات، ورغم ذلك لم تسلم تلك المكتبات من الفتن والاضطرابات أو هجمات الأعداء، مثل الحروب الصليبية والاجتياح المغولي لبغداد وسقوط غرناطة. وقد تعرّضت العديد من المكتبات للتدمير والنهب، منها مكتبة دير القديس بنديكت في روما، ومركز الوثائق البابوية في فرنسا، ومكتبة جامعة نالاندا في الهند، وبيت الحكمة في بغداد، ودار العلم في طرابلس، ومكتبة قرطبة، وخزانة جامع القيروان في تونس، والمكتبة الحسامية في تركيا، ومكتبة الجامع الأموي في دمشق، ومكتبات بلاد فارس وبخارى، ومكتبات الأندلس.

في العصور الحديثة، انتقلت الحضارة العربية الإسلامية إلى أوروبا عبر صقلية وجنوب إيطاليا والأندلس، فترجمت أوروبا العديد من المخطوطات العربية في مختلف المجالات، مما أسهم في استعادة مجدها الحضاري. غير أن أوروبا أيضاً لم تسلم من الحروب والصراعات التي أثّرت في التراث، إذ تعرّضت العديد من المكتبات للتدمير، منها مكتبة البلاط في ألمانيا، والمكتبات الإنجليزية في القرن السادس عشر، ونهب الفرنسيين للمكتبات والمخطوطات والآثار المصرية أثناء الحملة الفرنسية على مصر، وحريق مكتبة الكونغرس في واشنطن، وحرق دار المحفوظات التاريخية في ليبيا، إضافة إلى مكتبات أخرى تعرّضت للاعتداء في اليابان وبولندا وألمانيا وفرنسا وبلجيكا والمملكة المتحدة والجزائر والكويت وأفغانستان والعراق وسوريا. وقد عرض المؤلف تفصيلاً تاريخ تأسيس تلك المكتبات ومحتوياتها والكوارث التي تعرّضت لها، والعبر المستخلصة من ذلك.
في الفصل الثاني، المعنون "الحماية الواجبة للتراث الثقافي في المواثيق الدولية"، يوضح المؤلف أنه نتيجة لكثرة الصراعات والحروب التي يشهدها العالم، يتعرّض التراث الثقافي لأخطار عديدة تهدد بقاءه وتعرّضه للفناء، ما فرض على المجتمع الدولي ضرورة وضع حد للتعديات على هذه الممتلكات أثناء النزاعات المسلحة، وفرض التزامات بالحماية والاحترام على جميع الأطراف من خلال الاتفاقيات والمواثيق الدولية، وأهمها اتفاقية لاهاي لعام 1954. كما أصدرت الدول تشريعات محلية تهدف إلى إضفاء الحماية القانونية على تلك الممتلكات وإقرار عقوبات لحمايتها.
إلى ذلك، يتناول الكتاب مؤسسات المعلومات في المواثيق الدولية، التي أُدرجت تحت مسمى "الممتلكات الثقافية"، وهو مصطلح قدّمته اتفاقية لاهاي عام 1954 للدلالة على طائفة واسعة من فئات التراث الإنساني المشتركة في صياغة هوية المجتمع، مثل الآثار والفنون والعادات والتقاليد ومؤسسات المعلومات. وتشمل هذه الممتلكات الممتلكات المنقولة والثابتة ذات الأهمية الكبرى، كالمباني المعمارية الفنية والتاريخية والدينية، والتحف والمخطوطات والكتب، وكذلك المباني المخصصة لحفظها وعرضها كالمتاحف والمكتبات ومخازن المخطوطات، إضافة إلى الآثار التي يزيد عمرها على مئة عام، والمخطوطات النادرة والوثائق والمطبوعات القديمة، والطوابع، والمحفوظات الصوتية والفوتوغرافية والسينمائية والآلات الموسيقية.
ثم يعرض الكتاب لمفهومي الآثار والتراث والفرق بينهما، فالآثار هي كل عقار أو منقول أنتجته الحضارات المختلفة من الفنون والعلوم والأديان منذ عصور ما قبل التاريخ وخلال العصور التاريخية، مع اختلاف الفترة الزمنية من دولة إلى أخرى، أما التراث فهو مفهوم أوسع لا يخضع لفترة زمنية محددة، ويعبّر عن خلاصة المعارف والتجارب التي يورثها كل جيل للجيل الذي يليه.
وتبرز إشكاليات في تحديد الممتلك الثقافي، منها تحديد الجهة المسؤولة عن تقدير قيمته وأهميته والمعايير المعتمدة لذلك، إذ يؤيد فريق وجود اتفاق دولي موحّد، بينما يفضّل آخرون الاعتماد على المعايير الوطنية.
بعد تحديد الممتلكات الثقافية، تأتي الحماية القانونية للتراث، التي تعود جذورها إلى القيم الإنسانية في الحضارة الإسلامية، حيث حُظر المساس بدور العبادة والأماكن المقدسة، كما أوصى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومنع الخليفة عمر بن الخطاب المساس بالمقدسات عند فتح القدس. وتُعد هذه المبادئ أساساً لما تسعى القوانين والاتفاقيات الدولية إلى ترسيخه. ومع عصر النهضة في أوروبا، برز مفكرون دعوا إلى حماية الممتلكات الثقافية، وتزايدت هذه الدعوات مع القرن التاسع عشر نتيجة الخسائر التي لحقت بالتراث بسبب التوسعات الاستعمارية. وفي عام 1970، صدرت اتفاقية اليونسكو لحظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية.
تتنوع صور الحماية القانونية للتراث الثقافي بين الحماية العامة والخاصة والمعززة، التي تمنع استخدام الممتلكات كثكنات عسكرية، وتضمن نقلها بطرق آمنة، والحد من الأضرار، وتطبيق الحماية في فترات الحرب والاحتلال، إضافة إلى آليات دولية ومحلية تشمل الاتفاقيات الدولية، وتوعية الجمهور، ومكافحة الاتجار غير المشروع، وسنّ القوانين والتشريعات، إلى جانب الحماية المادية كأعمال الترميم والصيانة والتوثيق.
كما توجد جهود دولية وإقليمية لصون التراث الثقافي، تقودها منظمات مثل الأمم المتحدة التي تؤكد ضرورة إعادة الممتلكات الثقافية إلى بلدانها الأصلية، ومنظمة اليونسكو، ومنظمة الدرع الأزرق التي تأسست عام 1996 لحماية التراث المهدد بالكوارث والحروب، إضافة إلى منظمات عربية مثل "ألكسو" والمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم.
يشير المؤلف إلى أن انتهاك قواعد حماية التراث يرتّب مسؤولية دولية لا تقتصر على الأفراد بل تشمل الدول أيضاً، التي تلتزم بتعويض الأضرار ورد الممتلكات، إلى جانب المسؤولية الجنائية الفردية. وتتولى المحاكم الجنائية الدولية والوطنية تطبيق العقوبات، وقد عرض المؤلف نماذج لملاحقة مرتكبي هذه الجرائم.
خصّص الفصل الثالث للتراث الحضاري والثقافي لدولة الإمارات، مستعرضاً جذوره التاريخية منذ العصر الحجري مروراً بالعصور البرونزية والحديدية والهلنستية والإسلامية، وصولاً إلى العهود البرتغالية والهولندية والبريطانية، كما عرض التراث الشعبي الإماراتي بمختلف مكوناته من عادات وتقاليد وأدب شعبي وفنون وأزياء وحرف.
كما استعرض الحياة الثقافية في الإمارات قبل قيام الاتحاد وبعده، وتطور التعليم والمؤسسات الثقافية، وصولاً إلى مرحلة ما بعد الاتحاد التي شهدت نهضة ثقافية واسعة.
في الفصل الرابع، تناول مظاهر اهتمام دولة الإمارات بالتراث، وظهور المؤسسات الثقافية والمبادرات والمشروعات المعنية بحفظه، إلى جانب التشريعات المحلية والانضمام إلى الاتفاقيات الدولية.
أما الفصل الخامس، فعرض لإسهامات الإمارات في صون التراث الثقافي، ومنها إعادة إحياء المجمع العلمي المصري بعد الحريق الذي تعرّض له عام 2011.
في الفصل السادس، قدّم المؤلف رؤية مستقبلية لحماية التراث الثقافي العربي، تشمل وضع إطار قانوني واستراتيجي، وتعزيز علاقته بالتنمية المستدامة.
يُعدّ هذا الكتاب مرجعاً مهماً للباحثين والمتخصّصين في مجال التراث الثقافي، لما يقدّمه من عرض شامل لأنواع الممتلكات الثقافية وأهميتها وطرق حمايتها، إضافة إلى القوانين والاتفاقيات الدولية والمؤسسات المعنية، فضلاً عن المبادرات المقترحة لصون التراث للأجيال القادمة.