المجموعة السعودية تنتزع "الثقافية" من إم بي سي
في غضون أقل من اثني عشر شهراً، باتت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) تستقطب عقدين حكوميين بارزين كانا في حوزة مجموعة إم بي سي (MBC)، في مؤشر لافت على إعادة رسم خريطة النفوذ الإعلامي في المملكة.

أفصحت المجموعة السعودية، اليوم الأحد، عن فوزها بعقد من وزارة الثقافة لتشغيل وتنفيذ خدمات البثّ الفضائي والرقمي لقناة "الثقافية"، إلى جانب إدارة وإنتاج محتواها الإعلامي والتسويق لها، لمدة ثلاث سنوات تبدأ من تاريخ الترسية في 23 نيسان/ أبريل 2026.
وكشف الإفصاح المُقدَّم لسوق "تداول" أن القيمة السنوية للعقد تتجاوز الـ 5% من إجمالي إيرادات المجموعة البالغة نحو 713 مليون دولار، وفق أحدث قوائمها المالية المدقّقة لعام 2025، وهو ما يُشير إلى أن قيمة العقد السنوية تتخطى الـ 35.5 مليون دولار، والإجمالية على مدار ثلاث سنوات قد تتجاوز الـ 106.7 مليون دولار.
نتائج 2025: تباين حادّ بين المنافسين
حققت "إم بي سي" نمواً قوياً في 2025 بإيرادات بلغت نحو 1.44 مليار دولار، بارتفاع 28.5% على أساس سنويّ، وبصافي ربح 102 مليون دولار، مدعومةً بقطاعات البثّ والاشتراكات عبر منصّة "شاهد".
في المقابل، تراجعت إيرادات المجموعة السعودية إلى نحو 713 مليون دولار بانخفاض 18%، وأنهت العام بخسارة صافية بلغت نحو 97.6 مليون دولار، مقارنةً بربح بلغ 53.9 مليون دولار في 2024، تأثراً بتراجع الإعلان والطباعة وارتفاع المخصّصات والإهلاكات.

"الثقافية": من إم بي سي إلى المجموعة السعودية
أُطلقت قناة "الثقافية" في 23 أيلول/ سبتمبر 2023 تزامناً مع اليوم الوطني السعودي، وكانت ثمرةً لاتفاقية وقّعها الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان، وزير الثقافة، مع وليد الإبراهيم رئيس مجلس إدارة "إم بي سي" في آب/ أغسطس من العام ذاته. كانت القناة تبثّ ضمن باقة "إم بي سي" الفضائية، ورقمياً عبر منصة "شاهد"، مستهدفةً النخب الثقافية والجمهور العام بمحتوى يعكس الهوية السعودية ويدعم مستهدفات رؤية 2030 الثقافية.
وجذور "الثقافية" تمتد إلى أبعد من ذلك، إذ سبقتها قناة حكومية بالاسم ذاته، توقفت عن البث في نيسان/ أبريل 2018، قبل أن تُبعث من جديد عبر شراكة بين وزارة الثقافة والقطاع الخاص. والمفارقة أن الشراكة مع "إم بي سي" لم تدُم سوى ثلاث سنوات تقريباً قبل أن تُعاد الوصاية على القناة إلى المجموعة السعودية عبر آلية تنافسية.
سابقة الدوري تُمهّد الطريق
لم تكن "الثقافية" الحلقةَ الأولى في مسلسل التحوّل؛ ففي حزيران/ يونيو 2025، فازت شركة "ثمانية" التابعة للمجموعة السعودية بحقوق النقل الحصريّ لمنافسات بطولات كرة القدم السعودية الكبرى (دوري روشن)، وكأس الملك، والسوبر السعودي، و "دوري يلو" في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حتى موسم 2030–2031. وكانت هذه البطولات تُبثّ في السابق عبر منصة "شاهد" ذراع إم بي سي الرقمية، ومن قبلها قنوات إس إس سي (SSC)، التي احتفظت بالحقوق بين عامَي 2022 و2025.
وأطلقت "ثمانية" تطبيقها وقنواتها الفضائية في أغسطس 2025، مُوفِّرةً بثاً مجانياً عالي الجودة، في خطوة وصفتها الشركة بأنها "إعادة تعريف لتجربة مشاهدة المحتوى في العالم العربي".
تنتهج المجموعة السعودية، المدرجة في السوق المالية السعودية، والمُصنَّفة أكبر تكتل إعلامي في منطقة الشرق الأوسط، استراتيجية نمو تتكئ على الفوز بعقود حكومية كبرى، إلى جانب محفظة إعلامية متنوعة تشمل "الشرق للأخبار"، و"اقتصاد الشرق مع بلومبرغ"، و"الشرق الأوسط"، و"عرب نيوز"، و"إندبندنت عربية"، و"أرقام"، و"مانجا العربية"، ومجلتَي "سيدتي" و"هي".
لكن هذا التوسّع يأتي في توقيت بالغ الحساسية مالياً، إذ تقف المجموعة على أعتاب موجة إنفاق رأسماليّ ضخمة، تشمل نقل مقرّ شبكة "الشرق" الإخبارية من دبي إلى الرياض، وافتتاح مقرها الرئيسي الجديد في مركز الملك عبدالله المالي "كافد"، الذي يتّسع لأكثر من 1200 موظف، ويُمثّل قاعدة الانطلاق نحو توسّع عالمي.
ويُفيد تتابع هذين العقدين الكبيرين بأن الحكومة السعودية تُعيد توجيه عقودها الإعلامية نحو الكيان المدرج في السوق، في إطار سياسة أشمل لتعزيز الشفافية والرقابة على القطاع الإعلامي ضمن مستهدفات رؤية 2030. أما السؤال الذي يطرحه المحللون فيبقى مفتوحاً: هل تُعوّض هذه العقود الحكومية خسائر المجموعة، وتُخفف أعباء إنفاقها الرأسمالي المتصاعد؟ وما تأثير ذلك على نموذج عمل إم بي سي، التي لم تُعلّق على هذه التحولات حتى الآن؟