الكنيسة الكلدانية تنتخب بطريركاً جديداً يواجه تحدّيات التهجير والهجرة... والهوية
الكنيسة الكلدانية. كثيرون لا يعرفون عنها شيئا. هي عراقية الانتماء. لكنها انتشرت مع النازحين والمهاجرين. قبل مدة استقال بطريركها لويس ساكو، بعد مشكلات كثيرة واجهته، ولم يتمكن في نهاية الأمر من التصدي لها. حتى ان الحكومة العراقية سحبت منه الاعتراف فلجأ مدة الى كردستان، قبل ان يعود الى مقره في بغداد.
استقال ساكو، ليجتمع مطارنة الطائفة في الفاتيكان وينتخبوا بطريركاً جديداً، هو بولس الثالث نونا، العراقي الذي شغل قبل ذلك مطران الكلدان في سيدني- اوستراليا. وقد حددت الكنيسة الكلدانية 29 ايار المقبل، موعداً للاحتفال بتسلمه مهماته البطريركية رسميا في بغداد.
انتخاب البطريرك الجديد لا يقتصر على كونه استحقاقاً كنسياً داخلياً، بل يفتح الباب أمام إعادة تسليط الضوء على واحدة من أقدم الكنائس في العالم، وعلى انتشارها ودورها في العالم عموماً وفي لبنان خصوصاً، حيث تحتفل هذا العام بمرور 150 عاماً على وجودها.
في هذا السياق، يشرح المونسنيور رافائيل طرابلسي، النائب الأسقفي العام في أبرشية بيروت الكلدانية، جذور هذه الكنيسة وتطوّرها، في حديث لـ"النهار"، قائلاً "الكنيسة الكلدانية تنتمي إلى كنيسة المشرق، وهي من أقدم الكنائس في العالم، إذ تعود جذورها إلى القرن الأول، وتُنسب إلى القديس توما الرسول. وقد شهدت انتشاراً واسعاً ابتداءً من القرن الثاني، لا سيما في بلاد ما بين النهرين، ووصلت إلى الهند والصين وإيران وتركيا".
ويضيف "بحسب التقليد، توجه القديس توما إلى الهند لنشر البشارة، كما ساهم تلميذاه "أداي" و"ماري" في نشر المسيحية في العراق ومحيطه، ما أدى إلى نشوء كنيسة واسعة الانتشار، ضمّت مؤمنين من خلفيات دينية متعددة، من الوثنيين إلى اليهود".
ويشير طرابلسي إلى أن تسمية "الكنيسة الكلدانية" لم تظهر إلا في القرن السادس عشر، موضحاً "لم يكن اسم الكنيسة كلدانياً قبل العام 1552، إذ كانت تُعرف بكنيسة المشرق. وفي ذلك العام، حصل انقسام أدى إلى نشوء الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية المرتبطة بروما، إلى جانب الكنيسة الآشورية الشقيقة. وقد كان البطريرك يوحنا سولاقة أول بطريرك بعد الاتحاد مع الكرسي الرسولي".
واليوم، تنتشر الكنيسة الكلدانية في مختلف أنحاء العالم، نتيجة موجات الهجرة، لا سيما من العراق. ويقول طرابلسي "لم تعد هناك أرقام دقيقة لعدد الكلدان في العالم بسبب الهجرة المستمرة، لكنهم منتشرون في الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا، إلى جانب وجودهم في الشرق الأوسط. وانتقل الثقل من العراق إلى اميركا، إذ يقطن هناك أكثر من 300 ألف كلداني".
أما في لبنان، فيلفت إلى أن "عدد العائلات الكلدانية اللبنانية يُقدّر بنحو 900 عائلة، إضافة إلى نحو 1200 عائلة لاجئة، ويتوزعون في مناطق عدة أبرزها سد البوشرية، الدكوانة، الجديدة والباشورة".
ومن أبرز ما يميز الكنيسة الكلدانية، بحسب طرابلسي، حفاظها على اللغة الآرامية، إذ يقول إن أحد أهم عناصر هوية الكنيسة الكلدانية الروحية والثقافية، هي اتقانها لغة قريبة جداً من اللغة التي استخدمها السيد المسيح، وهي الآرامية.
غير أن هذه الكنيسة تواجه تحديات متزايدة، أبرزها الهجرة، التي تهدد وجودها في بلد المنشأ. ويقول طرابلسي:
"التحدي الأكبر اليوم هو تراجع أعداد الكلدان في العراق، ما يؤثر على هوية الكنيسة. كما أن الانتشار الواسع في دول تختلف ثقافياً يفرض تحديات في الحفاظ على اللغة والتراث والتقاليد".
ويتابع "تواجه الكنيسة أيضاً تحديات مرتبطة بالنازحين، حيث تتحمل مسؤولية دعمهم في بلدان اللجوء، إضافة إلى تحديات العولمة والعلمانية، خصوصاً في المجتمعات الغربية".
ورغم هذه التحديات، يؤكد طرابلسي أن الكنيسة الكلدانية في لبنان تبقى جزءاً أساسياً من النسيج الوطني، قائلاً:
"الكنيسة الكلدانية هي جزء لا يتجزأ من الطوائف في لبنان، ومن المهم التعريف بها، خاصة أنها تحتفل هذا العام بمرور 150 عاماً على وجودها في البلاد".
ويختم بدعوة الطوائف الأخرى إلى الانفتاح والتعرّف على الكنيسة الكلدانية، من خلال المشاركة في طقوسها والاستماع إلى لغتها، لما تحمله الكنيسة في لبنان من غنى وتنوع لافت.