الكلمة مسؤولية والإنسانية لا تُبنى بالكراهية

في الثامن عشر من جوان من كل عام، يحيي العالم اليوم الدولي لمكافحة خطاب الكراهية، تأكيدا على خطورة هذه الظاهرة التي باتت تهدد المجتمعات والدول، وتنال من القيم الإنسانية والأخلاقية التي قامت عليها الحضارات.
لقد أصبح خطاب الكراهية في عصرنا أكثر انتشارا بفعل وسائل التواصل الاجتماعي والمنابر الإعلامية غير المنضبطة، إذ تُستخدم الكلمات أحيانا سلاحا للتحريض والتفرقة ونشر الأحقاد بين أبناء الوطن الواحد أو بين الشعوب المختلفة. والكلمة التي خُلقت لتكون وسيلة تواصل وبناء، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى أداة هدم وتشويه وإقصاء.
إن أخطر ما في خطاب الكراهية أنه لا يقف عند حدود التعبير، بل يتجاوز ذلك ليؤسِّس لثقافة العنف والتمييز والعنصرية، ويغذي الانقسامات الطائفية والمذهبية والسياسية والعرقية. وعندما يُزرَع الحقد في النفوس، يصبح السلام الاجتماعي هشًّا، وتصبح الدولة معرَّضة للاهتزاز من الداخل قبل أي خطر خارجي.
ولا يمكن الحديثُ عن مكافحة خطاب الكراهية من دون التمسك بقيم العدالة والحرية والمساواة واحترام الكرامة الإنسانية، فالمجتمعات التي يسود فيها الظلم والتهميش والإقصاء تصبح بيئة خصبة لانتشار التطرف والكراهية. لذلك فإن بناء دولة القانون والمؤسسات، التي يشعر فيها المواطن بالأمان والإنصاف والانتماء، يشكل السدّ الحقيقي في وجه خطابات التحريض والانقسام.
إن مسؤولية مكافحة خطاب الكراهية لا تقع على الحكومات وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تشمل الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام ورجال الفكر والدين والقانون، لأن التربية على قبول الآخر واحترام التنوع هي الأساس في بناء مجتمعات سليمة ومتوازنة. كما أن على وسائل الإعلام ومنصات التواصل أن تتحمل مسؤولياتها الأخلاقية والمهنية، وأن ترفض تحويل الحرية إلى فوضى أو إساءة أو تحريض.
ومن موقعنا القانوني والإنساني، نؤكد أن حرية التعبير حقٌّ مقدَّس، لكنها لا تعني الاعتداء على كرامة الآخرين أو التحريض ضدهم، فالحرية الحقيقية ترتبط دائما بالمسؤولية، والإنسان الواعي هو من يستخدم الكلمة لبناء الجسور لا لهدمها.
إن العالم اليوم بأمسِّ الحاجة إلى ثقافة الحوار والتسامح والتلاقي، لا إلى منطق الإلغاء والكراهية، فالأمم لا تتقدم بالحقد، بل بالتعاون والاحترام المتبادل والإيمان بأن الاختلاف بين البشر هو مصدر غنى حضاري وإنساني، لا سببا للصراع والانقسام.
ويبقى الأمل قائما بأن تستعيد الإنسانية صوت العقل والضمير، وأن تتحوَّل هذه المناسبة الدولية إلى محطة دائمة للتأكيد على أن الكلمة الطيبة قادرة على حماية المجتمعات وصون كرامة الإنسان وبناء مستقبل أكثر عدلا وسلاما.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post الكلمة مسؤولية والإنسانية لا تُبنى بالكراهية appeared first on الشروق أونلاين.