الكاتب ألكسندر نجار لـ"النهار": "لبنان يستعيد دولته!"
يُعدّ الكاتب ألكسندر نجار من الأصوات الثقافية البارزة في لبنان والعالم الفرنكوفوني، وقد نال أوسمة عدة وجوائز أدبية منها جائزة الفرنكوفونية الكبرى للأكاديمية الفرنسية، وجائزة آسيا للآداب وجائزة البحر الابيض المتوسط وجائزة سعيد عقل وجائزة جبران خليل جبران، وجائزة حنا واكيم عن "رواية بيروت" الصادرة عن "دار النهار".

*"النهار" كانت دائماً حاضنة للنهضة الثقافية اللبنانية. اليوم، في ظل الأزمات المتلاحقة التي يعيشها لبنان، كيف يمكن للثقافة والكلمة أن تقاوما التفكك الاجتماعي والسياسي؟
"النهار" هي أكثر من جريدة؛ إنها ذاكرة وطن، ومساحة للحرية، ومنبر للعقل النقدي، وحاضنة حقيقية للنهضة الثقافية اللبنانية. لقد تسنى لي معرفة الأستاذين غسان وجبران تويني عن قرب، خصوصاً أنني نشرت لدى "دار النهار" كتباً وترجمات عدة لرواياتي إلى العربية. كان الأستاذ غسان شخصية مميزة وفذة ذات ثقافة موسوعية، يحلو الاستماع إليه والاستفادة من المعلومات الوفيرة التي كانت بجعبته. أما جبران، فكان شجاعاً، مقداماً نجح في تحديث الجريدة قبل أن يصبح شهيداً للصحافة.
الذاكرة حصن لبنان...
في زمن الأزمات، لا تُقاس الثقافة بما تحققه على مستوى السياسة أو الاقتصاد، بل بمدى حمايتها للهوية والإنسان ورفضها كل ما يهدد الوطن. ولنكن واقعيين: الأدب لا يغيّر العالم بشكل مباشر، فالكاتب أشبه بدون كيشوت الذي يواجه الطواحين، لكنه يغيّر نظرة الإنسان إلى العالم. وأخطر ما نعيشه اليوم ليس فقط الأزمة، بل اعتياد الأزمة. حين يصبح الانهيار مألوفاً، يفقد الإنسان قدرته على المقاومة. وهنا يأتي دور الثقافة: أن ترفض التطبيع مع الانهيار، وأن تبقي الأمل فعلاً فكرياً وأخلاقياً، لا مجرد شعور.

*أسست مجلات ثقافية تُعنى بالفرنكوفونية (مثل L'Orient Littéraire) وترأستها. كيف ترى واقع الصحافة الثقافية اليوم في لبنان والعالم العربي، هل تراجع دورها أمام منصات التواصل، أم أنها ما زالت خط الدفاع الأخير عن الوعي؟
الصحافة الثقافية تحتضر، خصوصاً أن غالبية الملاحق الثقافية والأدبية توقّف إصدارها. فهي تعيش اليوم تحوّلاً عميقاً كون وسائل التواصل فرضت إيقاعاً سريعاً مختزلاً، فيما الثقافة بطبيعتها تحتاج إلى نمط أطول، وقراءة متأنية.
عندما أطلقتُ "L’Orient Littéraire"، عام 2006 كان الهدف أن يشكّل مساحة حوار بين الأدب العربي والفرنكوفوني، وقد نجحنا في ذلك، كما كنا نطمح الى أن يساهم في نهضة لبنان الثقافية، لكنّ الحوادث الأليمة التي توالت منذ 20 سنة عاكست النهضة المرجوة.
برأيي، الصحافة الثقافية ليست ترفاً، بل مقاومة فكرية ضد الجهل والتطرف والتبسيط، وضد تحويل الإنسان إلى مستهلك للصور بدل أن يكون قارئاً للمعنى.

الرواية شاهدة على التاريخ... وبيروت لا تموت
*في رواياتك التاريخية، تعيد البحث عن الجذور وتوثيق محطات مفصلية من تاريخ بيروت ولبنان. هل تكتب التاريخ روائياً خوفاً من ضياع الذاكرة الجماعية اللبنانية، أم رغبةً في إعادة قراءة الحاضر من خلال مرآة الماضي؟
إنّ الشعوب التي تفقد ذاكرتها تعيد إنتاج أخطائها بأشكال مختلفة. فعندما كتبت "دروب الهجرة" اتخذت الشعب الشركسي نموذجاً لتناول مفهوم الهجرة وتداعياته، وعندما كتبت "حصار صور" عن احتلال الإسكندر المقدوني للمدينة الفينيقية التي قاومته ببسالة، تناولت مفهومي المقاومة والتضامن في زمن الحرب. الرواية التاريخية تمكّن الكاتب من سد ثغرات التاريخ، فيحل الخيال ليكمل القصة ويعطي الشخصيات بعداً إنسانياً.
أما بيروت في كتاباتي فليست مدينة فحسب، بل كائن حي. مدينة تنهض من رمادها باستمرار، لكنها تحمل في داخلها طبقات من الألم والذاكرة. وكل كتابة عنها هي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذه الذاكرة قبل أن يبتلعه النسيان. بيروت كالحرية في لوحة أوجين دولاكروا تبقى صامدة رغم الجروح والآلام.

لا دولة بلا عدالة... ولبنان يستعيد دولته
*يمر القضاء اللبناني اليوم بمراحل دقيقة جداً وتحديات وجودية. كمثقف وكرجل قانون، كيف تنظر إلى أزمة العدالة في لبنان، وهل يمكن للأدب أن يكون ملجأً للحق عندما تعجز المحاكم؟
لا يمكن لأي دولة أن تقوم من دون قضاء مستقل. وما يمر به القضاء اللبناني اليوم يثير القلق، لأنه يعكس أزمة المؤسسات بأكملها. لكنّني أرفض الاستسلام للتشاؤم. فما دام هناك قضاة شرفاء ومحامون متمسكون برسالتهم، يبقى الأمل قائماً.
في الواقع، إنّ العدالة لا تُختزل بالمحاكم فقط. فحين تتعثر العدالة الرسمية، تصبح الذاكرة الأخلاقية للمجتمع ضرورية. وهنا يأتي دور الأدب، لا كبديل من القضاء، بل كشاهد على الحقيقة. فالرواية لا تحكم، لكنّها ترفض النسيان وتوثق الحقيقة. وهذا في ذاته شكل من أشكال العدالة!

*وضعت مؤلفات مهمة عن جبران خليل جبران. لو كان بيننا اليوم، ما الذي سيقوله لإنسان القرن الحادي والعشرين؟
لو عاد جبران اليوم، لأسف لغياب التضامن العربي، خصوصاً بعد الثورات العربية التي كان يدعو إليها قبل قرن من حصولها، ولحذّر من فقدان المعنى وسط التطور التكنولوجي الذي يشهده عالمنا اليوم. فالخطر الأكبر هو أن يتحوّل الإنسان إلى عبدٍ للتكنولوجيا بدل أن يكون سيدها. وقد تناول البابا لاوون الرابع عشر هذا الموضوع بالذات في رسالته العامة "Magnifica Humanitas" (الإنسانية العظيمة)، حين حذّر من مخاطر انحراف الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن التقنية يجب أن تبقى في خدمة الإنسان وكرامته، لا أن تتحول إلى قوة تتجاوز الإنسان أو تنتقص من حريته ومسؤوليته...
*إذا طُلِب من ألكسندر نجار كتابة 'مانشيت' أو عنوان رئيسي على الصفحة الأولى لـ"النهار"، فماذا سيكون هذا العنوان؟
قد يكون العنوان: "لبنان يستعيد دولته!"
في كلمة ألقاها في الجامعة اليسوعية في بيروت عام 1931، تمنى شارل ديغول، الذي كان لا يزال مقدّماً، أن يسعى اللبنانيون إلى "بناء دولة". وبالفعل، يحتاج لبنان اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى إعادة بناء فكرة الدولة وبسط سيادتها على أراضيها كاملة.

*هل تعدّ لعملٍ أدبي جديد؟
نعم، أنا في صدد إكمال كتاب "ديغول ولبنان" مع تسليط الضوء على موقف الجنرال الحذر من إسرائيل ودعمه للبنان بعد الاعتداء على مطار بيروت عام 1968. كم نحن بحاجة إلى مواقفه النبيلة والشجاعة في هذه الظروف العصيبة! كما سيصدر في باريس أوائل تشرين الأول/أكتوبر المقبل كتاب "لبناني في باريس" يروي تجربتي كطالب حقوق في ثمانينات القرن الماضي في فرنسا، وهي تجربة عاشها أيضاً العديد من الطلاب اللبنانيين.
