القهوة… تاريخٌ يُرتشَف

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

ريمي الحويّك

 

 

 

ليست القهوة ترفاً نرتشفه على رصيف الوقت المذبوح بين المواعيد، بل هي ظاهرة كونيّة عابرة للحدود، تختزل في جوف فنجانها الصّغير جيولوجيا من التّحولات الإنسانيّة الصاخبة.
من قمم إثيوبيا التي لمست السّحاب، إنطلقت الرّواية الأولى، صرخة برّيّة تبلورت في طين اليمن، لتغدو لاحقاً النشيد الأممي الّذي تترنّم به لُغات الأرض قاطبة.
في القرن السّادس عشر، لم تعد القهوة مجرّد قيتٍ للبدن، بل أصبحت أبجديّةً للحياة العامّة. في أزقّة إسطنبول العتيقة وحارات القاهرة، نُصبت المقاهي أرصفة للأرواح، لم تكن كراسيها للجلوس، بل كانت منابر لبناء الوعي وصياغة الرأي. وعندما عبرت "سوداء اللون" نحو أوروبا، لم تحمل معها النّكهة فحسب، بل حملت بذور التّنوير، لتتحوّل مقاهي باريس ولندن إلى برلمانات ظلّ لا تخضع لسلطة سوى سلطة العقل الذي أيقظته حدّة الكافيين.
تاريخياً، كانت القهوة دوماً في حالة اشتباك مع السّلطة. لم تكن يوماً سائلة مهادنة، بل كانت رفيقة المجال العام وحارسة حريّة التّعبير. هناك، حيث تتقاطع الأدخنة مع الأفكار، خافت الأنظمة من ذاك الفضاء المفتوح الذي يصعب تطويقه. لقد كانت القهوة الشّرارة الصّامتة في كواليس الثّورة الفرنسيّة، تمدّ الفلاسفة باليقظة وتمنح الثّوار وقود الإستمرار.
إجتماعيّاً، القهوة هي الوسيط الرّمزي الذي يروّض الوحشة. في شرقنا، تظلّ القهوة مفتاح الكلام وأيقونة الحفاوة، بينما في مدن العصر الحديث، انكسر ذاك الجمع، فأصبح المقهى مكاناً للعزلة المأهولة. يجلس المرء مع فنجانه كأنه في جزيرةٍ خاصة، يلوذ بسواده من ضجيج العالم، في مفارقة مدهشة تجمع بين الإندماج في الحشد والإنفصال عنه في آنٍ واحد.
دينياً، ولدت القهوة من رحم الوجد. كانت خمرة الصّالحين في خلوات المتصوّفة باليمن، تعينهم على السّهر في محراب الذّكر، لتمتزج رائحتها بطهر الدعاء وسكينة الليالي الرمضانية.
جسدياً، تقف القهوة على حدّ السيف بين الشفاء والقلق، تمنح القلب وثبة التّركيز، لكنّها تذكّرنا بضعفنا حين يفرط النّبض، وكأنها تعلمنا فلسفة الإتزان الهشّ في كل شيء.
القهوة ليست نوعاً، بل هي هوية تتشكل بالنار. من الأرابيكا الحالمة بنعومتها، إلى الروبوستا الصّلبة بمرارتها، وصولاً إلى طقوس التحميص الّتي هي بمثابة اختبار النضج للحبة. ثم يأتي التحضير ليرسم خارطة الروح:
الإسبريسو، تكثيف للحياة في رشفة خاطفة.
القهوة العربية، صبر ممتدّ وطقوس ترفض العجلة.
القهوة اللبنانية، هي تاريخنا في فنجان، داكنة، ثقيلة، مرّة، وذكريات ترسّبت في القاع، لا تذوب.
لم تقف القهوة عند حدود الإقتصاد الذي جعل منها ذهب البرازيل الأسود، بل تغلغلت في مسام الفن. إنها المشروب الذي يضبط إيقاع الجاز، وهي الصّمت الذي يسبق الإعتراف في الأغاني.
القهوة هي تاريخ يشرب، وإقتصاد يعاش، وموسيقى تتذوّق. هي حبة صغيرة، أغمضت عينيها في تراب الأرض، ثم استيقظت لتختصر العالم وتجلس بوقارٍ بين يدي الإنسان، تؤنس وحشته، وتوقظ فكره، وتهمس له مع كل صباح: كن حاضراً... فالحياة رشفة صغيرة.
القهوة ليست ماءً عبَر النّار، بل هي مخاض الأرض في رحلتها نحو الوعي. إنها تلك اللّحظة التي يقرّر فيها العالم أن يتوقّف عن الدوران لبرهة، ليتكثّف كلّه في سوادٍ لا يُغري العين بجماله، بل يغوي العقل بيقظته.
لا تكتمل طقوس اليقظة إلّا حين يتعانق بخار القهوة الدّاكن مع حنجرة ملائكيّة...
نحن نسكب الأماني في الفنجان.
وهي تسكب الحنين في الأغنية.
إنّ أعذب قهوة على الإطلاق، هي تلك التي ترتشف على صوت فيروز.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية