القطاع العقاري اللبناني: بين تراجع الأرقام وصمود الطلب… أسواق متعددة داخل بلد واحد

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

وليد موسى*

تعكس أرقام الربع الأول من عام 2026 حجم الضغوط التي يعيشها القطاع العقاري اللبناني، مع تراجع عمليات البيع بنسبة 29.3% وانخفاض القيمة الإجمالية للمبيعات بنسبة 18.2% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، إضافة إلى تراجع واضح في حجم الاستثمارات الأجنبية، في ظل استمرار الضبابية السياسية والأمنية والاقتصادية التي تضغط على السوق.
لكن خلف هذه الأرقام، تكمن أزمة أعمق بكثير من مجرد تراجع في حركة البيع والشراء. فلبنان اليوم لا يعيش سوقاً عقارية واحدة، بل عدة أسواق مختلفة داخل بلد واحد، لكل منها منطقها الخاص، وأسعارها المختلفة، وطبيعة الطلب فيها، وحتى الفئات القادرة على الدخول إليها.

فالقطاع العقاري اللبناني لم يعد يتحرك وفق أسس اقتصادية تقليدية، بل أصبح انعكاساً مباشراً للأزمات السياسية والأمنية والمالية التي تضرب البلاد منذ سنوات، ما جعل السوق يعيش حالة من الضبابية وغياب الرؤية وتراجع الثقة.

أي سوق عقاري في العالم يحتاج إلى عنصر أساسي للنمو: الاستقرار. وهذا العنصر مفقود في لبنان منذ سنوات طويلة. فالحروب والتوترات الأمنية والانقسامات السياسية والأزمات الاقتصادية المتلاحقة دفعت المستثمر الأجنبي إلى الابتعاد عن لبنان، كما أضعفت ثقة المستثمر المحلي نفسه.
واليوم، يكاد يغيب الاستثمار الأجنبي بالكامل عن القطاع العقاري اللبناني، فيما يعيش المستثمر المحلي حالة ترقب دائمة بسبب غياب أي رؤية اقتصادية أو مالية واضحة للدولة.
لكن الأزمة الأكبر تبقى في غياب القطاع المصرفي الفاعل.

 

 

 فالقطاع العقاري اللبناني كان تاريخياً مرتبطاً ارتباطاً مباشراً بالمصارف، التي كانت تؤمن القروض السكنية وتمول المطورين العقاريين وتوفر السيولة اللازمة لتحريك السوق. أما اليوم، فقد انهارت هذه المنظومة بالكامل: لا قروض سكنية، لا تمويل للمطورين، لا تسهيلات للمشترين، ولا ثقة بالمصارف.
ومن هنا، لا يمكن الحديث عن نهوض حقيقي للقطاع العقاري من دون معالجة فعلية للأزمة المصرفية، لأن أي سوق عقاري صحي في العالم يقوم أساساً على التمويل.

في المقابل، ما زالت أموال المودعين محتجزة داخل المصارف، ما جمّد القدرة الشرائية لشريحة واسعة من اللبنانيين، ولا سيما الطبقة الوسطى التي كانت تاريخياً المحرك الأساسي للسوق السكني.

وفي السنوات الأخيرة، شكّل الدفع النقدي أحد العناصر التي ساهمت في تحريك جزء من السوق العقاري اللبناني، ولا سيما في المشاريع قيد الإنشاء، حيث كان بعض المطورين العقاريين يفضلون تلقي جزء من المدفوعات نقداً، بما يسمح لهم باستخدام هذه السيولة لتغطية بعض النفقات التشغيلية، مثل أجور اليد العاملة وشراء بعض المواد والخدمات التي كانت تتم جزئياً خارج القنوات المصرفية التقليدية.
ولا يزال هذا النموذج قائماً في بعض الحالات، إلا أن استخدام النقد في المعاملات العقارية أصبح أكثر محدودية مقارنة بالسنوات السابقة، خصوصاً بعد الإجراءات التنظيمية والرقابية التي اتخذتها الدولة اللبنانية بالتنسيق مع مصرف لبنان، والتي فرضت ضوابط إضافية على حركة الأموال وآليات الدفع في العمليات الكبرى، ما انعكس على طبيعة بعض المعاملات وحجم التداولات في السوق.

 

 

 

وفي المقابل، لا تزال شريحة من الصفقات العقارية الكبرى تُنجز عبر تحويلات مصرفية نظامية، إلا أن جزءاً مهماً من هذه الأموال يرتبط بثروات وملاءة مالية مصدرها الأساسي أعمال اللبنانيين المنتشرين في الخارج، ولا سيما في القارة الأفريقية، الذين لا يزالون يشكلون أحد المكونات الأساسية الداعمة لشريحة من السوق العقاري اللبناني، خصوصاً في العمليات ذات القيمة المرتفعة.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت أسعار العقارات وكلفة البناء بشكل كبير نتيجة التضخم، وارتفاع أسعار مواد البناء والطاقة والخدمات، فيما بقيت الرواتب منخفضة جداً مقارنة بحجم الأسعار. وهذا ما خلق فجوة هائلة بين الدخل الحقيقي وأسعار العقارات، حتى أصبح نحو 90% من اللبنانيين غير قادرين فعلياً على شراء منزل.

 

 

ولم يعد الطلب يتركز على العقارات ذات القيمة المرتفعة كما كان في السابق، بل أصبح جزء كبير من المشترين يبحث عن خيارات أكثر واقعية وأقل كلفة، نتيجة تراجع القدرة الشرائية وارتفاع حالة الحذر لدى الأسر اللبنانية.
ورغم ذلك، بقيت الأسعار مرتفعة في العديد من المناطق، في ظل غياب أي معايير واضحة للتسعير. فأصبح السعر في كثير من الأحيان مرتبطاً بالتقديرات الشخصية، أو بالخوف من التضخم، أو بالحاجة إلى السيولة، أو حتى بالعامل النفسي والعاطفي، ما جعل السوق يعيش حالة فوضى حقيقية من حيث التقييم والأسعار.

 

 

ومن أبرز الظواهر التي يعيشها لبنان اليوم أيضاً، وجود عدة أسواق عقارية متوازية داخل البلد نفسه. فهناك سوق فاخرة تستهدف اللبنانيين المقتدرين والمغتربين وأصحاب السيولة بالدولار “الفريش”، فيما توجد سوق شبه مجمدة تخص الطبقة الوسطى التي خرجت عملياً من القدرة على التملك بسبب غياب التمويل وتراجع القدرة الشرائية.

كما ظهرت سوق قائمة على الفرص والاستثمارات الانتقائية وعمليات البيع الاضطراري، حيث تغيب المؤشرات الواضحة للأسعار والقيمة الحقيقية للعقارات.

ورغم التباطؤ الواضح في السوق، لا تزال بعض مؤشرات البناء تُظهر نوعاً من الصمود الجزئي، خصوصاً في بعض المناطق التي ما زالت تستقطب طلباً مستقبلياً أو استثمارات طويلة الأمد، ما يعكس استمرار إيمان شريحة من اللبنانيين بأهمية العقار كاستثمار استراتيجي على المدى البعيد.

 

ورغم الأزمة، ما زال العرض محدوداً في العديد من المناطق، لأن عدداً كبيراً من المالكين يفضل الاحتفاظ بعقاراته بدل بيعها، باعتبار أن العقار ما زال يشكل بالنسبة للبنانيين ملاذاً آمناً أفضل من الاحتفاظ بالأموال النقدية أو وضعها في المصارف.

وفي المقابل، لا تزال الدولة اللبنانية تفتقد إلى أي سياسة إسكانية فعلية أو رؤية واضحة للإسكان الميسر. فلا توجد خطط وطنية للإسكان، ولا برامج تمويل مستدامة، ولا شراكات حقيقية بين القطاعين العام والخاص، ولا حوافز فعلية لتطوير مشاريع سكنية بأسعار مقبولة.

 

هل يستعيد القطاع حيويته؟

ورغم كل هذه الأزمات، يبقى هناك عنصر أساسي يميز لبنان: اللبناني ما زال يؤمن بالعقار. فالعقار بالنسبة له ليس مجرد استثمار، بل هو جزء من ثقافة المجتمع، ورمز للاستقرار والأمان والنجاح الاجتماعي والعائلي.

 

ولهذا السبب، لا يموت الطلب بالكامل في لبنان حتى في أصعب الظروف، لأن العلاقة بين اللبناني والعقار تتجاوز المنطق الاقتصادي التقليدي.
لكن الحقيقة تبقى واضحة: لا يمكن بناء قطاع عقاري صحي ومستدام من دون قطاع مصرفي سليم، واستقرار سياسي وأمني، وسياسات إسكانية واضحة، وتمويل حقيقي يعيد الطبقة الوسطى إلى السوق.

 

فالقطاع العقاري في لبنان ليس مجرد قطاع اقتصادي عادي، بل هو أحد الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني، لما له من تأثير مباشر على عشرات القطاعات المرتبطة به، من البناء والهندسة والمقاولات إلى المصارف والخدمات والتجارة والاستثمار.

 

وعلى الرغم من التحديات الحالية، يبقى هذا القطاع من أكثر القطاعات قدرة على استعادة دوره متى توفرت الظروف المناسبة، نظراً لارتباط اللبناني التاريخي بالعقار ولأهمية هذا القطاع في تكوين الثروة وتحريك الاقتصاد.

ومع الأمل بانتهاء الحرب الدائرة اليوم وعودة الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي، يبقى القطاع العقاري اللبناني مرشحاً لأن يكون واحداً من أول القطاعات التي يمكن أن تستعيد حيويتها وتزدهر في لبنان الجديد الذي نأمل جميعاً أن نراه.

نقيب الوسطاء والاستشاريين العقاريين في لبنان*

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية