القري والذكاء الاصطناعي
تمهيد
يأتي كتاب «الذكاء الاصطناعي ومستقبل الثقافات والفنون والديمقراطية» للكاتب والباحث والناقد المغربي إدريس القري في لحظة عالمية لم تعد فيها التقنية مجرد وسيلة للسرعة والرفاه والإنجاز، بل صارت بنية عميقة تعيد ترتيب علاقة الإنسان بذاته وبالعالم. لا يتعامل هذا الكتاب مع الذكاء الاصطناعي باعتباره اختراعاً محايداً، ولا ينظر إليه بوصفه أداة ذكية تضاف إلى أدوات الإنسان القديمة، بل يضعه في قلب سؤال حضاري كبير: ماذا سيبقى من الإنسان حين تبدأ الآلة في إنتاج المعنى، والصورة، والذوق، والقرار، والذاكرة، والاختيار؟
من هنا تنبع أهمية هذا العمل؛ فهو لا يكتب عن الذكاء الاصطناعي من زاوية تقنية ضيقة، ولا يكرّر خطاب الانبهار السائد الذي يرى في الخوارزميات وعداً خلاصياً مطلقاً، كما لا يسقط في خطاب الرفض العدمي الذي يتعامل مع الآلة كما لو كانت شراً خالصاً. يختار إدريس القري طريقاً ثالثاً: طريق النقد الثقافي والفلسفي والجمالي والسياسي. يسأل عن السلطة التي تسكن التقنية، وعن القيم التي يمكن أن تضيع داخل سرعتها، وعن الهويات التي يمكن أن تُهمّش حين تحتكر مراكز القرار الكبرى هندسة المستقبل الرقمي للإنسانية.
يُعدّ هذا الكتاب، بهذا المعنى، من الأعمال العربية النادرة التي قاربت الذكاء الاصطناعي من زاوية الثقافة والفنون والديمقراطية مجتمعة. وربما جاز القول، بتحفظ معرفي لا بادعاء قطعي، إنه من بين أوائل الكتب العربية التي انتبهت إلى أن أخطر ما في الذكاء الاصطناعي لا يتمثل فقط في تهديد الشغل، أو تعويض بعض المهن، أو تسريع الإنتاج، بل في قدرته على إعادة صياغة المخيال الجمعي، وتوجيه الذوق العام، والتحكم في شروط الظهور الرمزي للثقافات، والتأثير في المجال العمومي، ثم زعزعة الأسس العميقة للديمقراطية.
الثقافات والصراعات الدولية
ينطلق الكتاب من قناعة مركزية مفادها أن الثقافة صارت اليوم إحدى الجبهات الكبرى للصراع الدولي. لم تعد الحروب الحديثة تدور فقط حول الأرض، والطاقة، والمعابر، والسلاح، بل باتت تدور أيضاً حول اللغة، والصورة، والسردية، والتمثيل، والذاكرة، والحق في تسمية الأشياء. في هذا السياق، لا يظهر الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تقنية بريئة، بل كقوة رمزية قادرة على أن تنتج تصورات عن العالم، وأن تعيد توزيع المرئي واللامرئي، وأن تمنح بعض الثقافات حضوراً واسعاً، بينما تدفع ثقافات أخرى إلى الهامش أو تختزلها في صور فولكلورية جاهزة.
يُنبّه إدريس القري إلى أن الذكاء الاصطناعي، حين يتغذى على قواعد بيانات ضخمة تنتجها أساساً اللغات الأقوى، والاقتصادات الأقوى، والصناعات الثقافية الأوسع انتشاراً، قد يعيد إنتاج الهيمنة الثقافية القديمة في شكل جديد. لن تكون الهيمنة هنا مباشرةً، خشنةً، أو استعماريةً بالمفهوم التقليدي، بل ستكون هيمنةً ناعمةً وخوارزميةً. فالآلة لا تقول للمستخدم: عليك أن تفكر بهذه الطريقة. لكنها تقترح، وتُرتِّب، وتنتقي، وتُظهر، وتحجب، وتدفعه تدريجياً إلى رؤية العالم من زاوية معينة، ثم تتركه يعتقد أنه اختار بحرية.
بهذه الرؤية، يمنح الكتاب للثقافات المحلية، ومنها الثقافة المغربية والعربية، موقعاً أساسياً داخل النقاش. فالمسألة لا تتعلق بمجرد حضور اللغة العربية في واجهات التطبيقات، ولا بترجمة بعض الخدمات إلى لهجات محلية، بل تتعلق بسؤال أعمق: من يملك أرشيفنا؟ من يصف تراثنا؟ من يصنف صورنا؟ من يترجم رموزنا؟ من يقرر ما يستحق أن يظهر من ذاكرتنا وما يمكن أن يظل في الظل؟ هنا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى اختبار حقيقي للسيادة الثقافية. فالثقافة التي لا تُرقمن ذاتها، ولا تُنتج بياناتها، ولا تحمي لغتها، ولا تُطور أدواتها النقدية، قد تجد نفسها حاضرة داخل العالم الرقمي بوصفها مادةً مستعملةً لا ذاتاً فاعلة.
سؤال الديمقراطية
لا يقف الكتاب عند حدود الثقافة بمعناها الهوياتي، بل ينتقل إلى سؤال الديمقراطية. يطرح إدريس القري واحداً من أكثر الأسئلة إلحاحاً في عصرنا: كيف يمكن للديمقراطية أن تحافظ على جوهرها حين تصبح الخوارزميات قادرة على توجيه الانتباه، وصناعة الرأي، وترتيب الأخبار، وتضخيم الغضب، وتغذية الانقسام، والتحكم في ما يراه المواطن وما لا يراه؟ فالديمقراطية لا تقوم فقط على وجود صناديق اقتراع ومؤسسات منتخبة، بل تقوم أيضاً على مواطن قادر على التفكير الحر، وعلى مجال عمومي يسمح بالنقاش العقلاني، وعلى إعلام لا يخضع كلياً لمنطق الإثارة والتلاعب.
في هذا المستوى، يذهب الكتاب إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في إلغاء الاختيار، بل في تشكيله قبل أن يمارسه الفرد. فالإنسان الحديث يظن أنه يختار بحرية ما يشاهده، وما يقرأه، ومن يتابع، وبأي قضية يغضب، ولأي خطاب يصفق. غير أن أنظمة التوصية قد تكون قد رتبت له سلفاً جزءاً كبيراً من هذا المسار. إنها لا تفرض عليه الرأي فرضاً، بل تخلق حوله بيئة إدراكية ونفسية تجعله يقترب من رأي بعينه، أو يعيش داخل فقاعة مغلقة، أو يرى المختلف عنه باعتباره خطراً. وهكذا قد تتحول الديمقراطية إلى واجهة شكلية إذا فقد المواطن القدرة على المسافة النقدية.
من أهم ما يميز هذا العمل أيضاً أنه يربط الذكاء الاصطناعي بالفنون، لا باعتبارها حقلاً ثانوياً أو ترفيهاً، بل باعتبارها المجال الذي تنكشف فيه علاقة الإنسان العميقة بالخيال، والذاكرة، والجسد، والحساسية. يتوقف الكاتب عند السينما، والمسرح، والفوتوغرافيا، والفنون البصرية، ليطرح سؤالاً بالغ الدقة: ماذا يحدث للفن حين تصبح الآلة قادرة على إنتاج الصورة، والسيناريو، والمشهد، والموسيقى، والوجه، والصوت، واللون؟ هل يكفي أن يكون المنتوج جميلاً حتى نسميه فناً؟ وهل يمكن للعمل الفني أن يحتفظ بروحه إذا انفصل عن تجربة الألم، والحب، والخسارة، والانتظار، والقلق، والذاكرة؟
الإبداع دون روح
يستعمل الكتاب فكرة «المنتوج بلا روح» ليحذر من لحظة قد يتحول فيها الفن إلى تركيب سريع لعلامات جمالية ناجحة، لا إلى تجربة إنسانية عميقة. فالآلة تستطيع أن تحاكي الأساليب، وأن تمزج المرجعيات، وأن تنتج صورة مذهلة، لكنها لا تعيش العالم. لا تعرف معنى الفقد، ولا معنى الشيخوخة، ولا معنى أن يرى الإنسان وجه أمه في الضوء، أو أن يحمل في داخله جرحاً قديماً يتحول إلى قصيدة أو صورة أو لقطة سينمائية. لذلك لا يكمن الخطر في استعمال الفنان للذكاء الاصطناعي كأداة، بل في أن يتنازل الفنان عن موقع السؤال، وأن يترك للآلة مهمة الحلم بدلاً عنه.
يبلغ الكتاب ذروته حين يتحدث عن خطر «الاستلاب الإبداعي». والمقصود هنا ليس أن تفقد البشرية بعض الحرف أو المهارات، بل أن تفقد علاقتها الحية بالمخيال. فالإبداع ليس وظيفة إنتاجية فقط، بل هو طريقة الإنسان في مقاومة العدم، وفي تحويل التجربة إلى معنى، وفي منح الألم شكلاً قابلاً للمشاركة. إذا صار الإنسان مستهلكاً لخيال تنتجه الآلة نيابة عنه، فقد يدخل مرحلة خطيرة من الكسل الوجودي والجمالي، حيث لا يعود يُبدع لأنه يريد أن يفهم نفسه، بل يطلب من النظام أن يمنحه صيغة جاهزة لما كان ينبغي أن يكتشفه ببطء.
التفاؤل والثقة في الإنسانية
مع ذلك، لا يسقط إدريس القري في نزعة تشاؤمية مغلقة. فالكتاب لا يرفض الذكاء الاصطناعي، بل يدعو إلى نموذج بديل يضعه في خدمة القيم الإنسانية. يدافع عن ذكاء اصطناعي يحترم الكرامة، والحرية، والتنوع، والعدالة، والحق في الاختلاف، ويخدم الثقافة بدل أن يبتلعها، ويدعم الفن بدل أن يفرغه، ويقوي الديمقراطية بدل أن يحولها إلى مسرح موجَّه من خلف الشاشة. غير أن الكاتب يدرك أن هذا النموذج لا يتحقق بالنوايا الحسنة وحدها. يحتاج إلى قوانين، وتربية، ومؤسسات، وسيادة رقمية، واستثمار في البحث، وانخراط للفلاسفة والفنانين والمربين والقانونيين إلى جانب المهندسين والمبرمجين.
لهذا تبدو قيمة الكتاب مضاعفة؛ فهو من جهةٍ يُنبه إلى مخاطر لا تزال كثير من النقاشات العربية تتعامل معها بسطحية أو تأخر، ومن جهةٍ أخرى، يقترح أفقاً نقدياً لا يعادي العصر، بل يطالب بدخوله بوعي. ولعل ما يثير الاستغراب أن كتاباً بهذه الحساسية الفكرية، وبهذا السبق في ربط الذكاء الاصطناعي بالثقافات والفنون والديمقراطية، لم يلقَ بعد ما يستحقه من اهتمام مغربي وعربي. ربما لأن النقاش العام ما زال مفتوناً بالجانب الاستعراضي للذكاء الاصطناعي: كتابة نص، صناعة صورة، تركيب صوت، إنجاز عمل بسرعة. أما الأسئلة العميقة حول المعنى، والسيادة، والخيال، والديمقراطية، فما تزال في حاجة إلى من يمنحها مكانها المستحق.
تتويج اهتمام طويل بالسينما والفلسفة والتكنولوجيات
يعرف المتابعون لمسار إدريس القري أنه لا يأتي إلى هذا الموضوع من فراغ. فهو كاتب وناقد وباحث اشتغل طويلاً عند تقاطع الصورة، والجماليات، والثقافة، والسينما، والفنون البصرية. لذلك يحمل الكتاب بصمة صاحبه: عين الناقد، وحس الفنان، وقلق الفيلسوف، وانتباه الباحث إلى التحولات الكبرى التي لا تظهر آثارها كاملة في اللحظة الأولى. إنه لا يكتب عن الذكاء الاصطناعي كما يكتب عنه التقنيون، بل يكتبه من جهة الإنسان؛ من جهة ما يمكن أن يربحه الإنسان وما يمكن أن يخسره.
كتاب يستحق القراءة
يمكن القول إن هذا الكتاب يستحق أن يُقرأ لا باعتباره عملاً عن تقنية جديدة فقط، بل باعتباره نصاً في مستقبل الإنسان العربي داخل عالم يُعاد تشكيله بسرعة هائلة. إنه يذكرنا بأن السؤال لم يعد: هل سيغير الذكاء الاصطناعي حياتنا؟ فقد بدأ يغيرها فعلاً. السؤال الأكثر خطورة هو: هل سنشارك في توجيه هذا التغيير، أم سنكتفي باستهلاكه؟ هل سنجعل الآلة امتداداً لعقل الإنسان وحساسيته، أم سنسمح لها بأن تعيد تعريف الثقافة والفن والديمقراطية بالنيابة عنه؟
في زمن تتسابق فيه الشركات والدول نحو الأتمتة الشاملة، يرفع كتاب إدريس القري نبرة مختلفة: نبرة لا تكتفي بالإعجاب، ولا تستسلم للخوف، بل تطالب باليقظة. وربما تكمن قوة الكتاب كلها في هذه الفكرة: لا نخاف من أن تصبح الآلة أذكى، بل نخاف من أن يصبح الإنسان أقل وعياً بما تفعله الآلة بذاكرته، وذوقه، وخياله، وحريته.
The post القري والذكاء الاصطناعي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.