القري: شغب الملاعب يحول المدرجات إلى مرآة مكبرة للتوترات المكبوتة

يرى الكاتب المغربي إدريس القري أن كرة القدم تبدأ بوعد بسيط: لعبة توحّد البشر، غير أن هذا الوعد لا يصمد دائماً أمام ضغط الانفعال الجماعي، حيث تنقلب المدرجات، في لحظة كثافة عاطفية، إلى طاقة انفجارية تكشف هشاشة الإنسان حين يُستدرج إلى الحشد.

وأفاد القري، في مقال خص به “هسبريس” حول عنف الملاعب، أن ما يظهر في مشاهد الشغب لا يختزل في سلوك عابر، بل يكشف عن بنية اجتماعية ونفسية مركبة، يتلاشى فيها الفرد داخل جماعة فاقدة للحدود، تتحرك بمنطق مختلف عن منطق الأفراد. لافتاً إلى أن عنف الملاعب لا يمكن فهمه بوصفه حادثاً معزولاً، بل ظاهرة اجتماعية ونفسية ومادية معقدة تمس الأمن والنظام العام، في وقت تُجمع فيه الأبحاث المتخصصة على أن ما يحدث داخل المدرجات يعكس اختلالات أعمق في منظومة التربية والإعلام، وفي بنية الأسرة، ويرتبط أيضاً بضعف أدوار الأطر الاجتماعية من أحزاب ونقابات وجمعيات، ضمن سياق تتداخل فيه العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وسجل الناقد المغربي أن ملعب كرة القدم يتحول، في هذا السياق، إلى مرآة مكبرة لتوترات مكبوتة يعيشها المجتمع، حيث تجد البطالة والهشاشة والشعور بالإقصاء وفقدان الأفق طريقها إلى المدرجات. مبرزاً أن المشجع لا يأتي فقط لمتابعة مباراة، بل يحمل معه شحنة انفعالية واجتماعية وسياسية يسعى إلى تفريغها، وهو ما يجعل فهم الشغب رهيناً بفهم الشروط التي ينتج فيها.

وفي قراءته لديناميكيات الحشود، اعتبر القري أن السلوك الجماعي لا يعكس مجموع السلوكيات الفردية، بل يفرز نمطاً جديداً من التفاعل تحكمه آليات ذاتية التنظيم، وهو نمط يقود في كثير من الأحيان إلى انفجارات مفاجئة، حيث يفقد الفرد وعيه الأخلاقي والمدني لصالح ما يشبه “العقل الجماعي” ذي الطابع القطيعي. منبهاً إلى أن العنف داخل الحشد ينتشر بسرعة كما تنتقل الإشارات العصبية داخل الجسد، في انسجام مع ما ذهب إليه غوستاف لوبون حين أكد أن الحشود تنفعل أكثر مما تفكر، وهو ما يفسر تحول الصراخ إلى سلوك عدواني في زمن وجيز.

وفي ما يتعلق بدور التعصب، أبرز الكاتب المغربي أن الدراسات تؤكد أنه عنصر حاسم في توليد العنف، إذ إن خسارة الفريق قد تدفع المشجعين إلى حالة من القلق والغضب والانفعال السريع، لأن الفريق يتحول لديهم إلى امتداد للذات، وتُستقبل الهزيمة كإخفاق شخصي. الأمر الذي يترجم الإحباط إلى سلوك عدواني، كما يفسر تحوّل بعض المباريات إلى مواجهات رمزية بين جماعات ترتبط أحياناً بعوامل طبقية أو إثنية أو سياسية، وفق ما توضحه الأدبيات المتخصصة في تفسير الشغب.

وفي تقييمه لدور الفاعلين داخل المنظومة الرياضية، نبه إلى أن اختزال المسؤولية في الجمهور وحده يبقى تبسيطاً مخلاً، إذ إن سلوك اللاعبين داخل الملعب وقرارات الحكام وطبيعة المعالجة الإعلامية تشكل جميعها عناصر تسهم في تأجيج التوتر. مع تسجيل أن بعض الدراسات تشير إلى أن تصرفات اللاعبين نفسها قد تكون عاملاً مباشراً في تفجر العنف إذا غابت عنها روح الانضباط، وهو ما يجعل الملعب يتحول إلى منظومة متكاملة لإنتاج التوتر، تتفاعل داخلها كل المكونات في اتجاه التصعيد.

وفي سياق أوسع، توقف القري عند ارتباط عنف الملاعب بأزمة المعنى في الرياضة الحديثة، مستحضراً قول الكاتب الأوروغوياني إدواردو غاليانو: إن كرة القدم حين تتحول إلى صناعة تفقد جمالها. معتبراً أن هيمنة المال والسياسة والرهانات غيّرت طبيعة اللعبة، بحيث لم تعد المباراة دائماً مجالاً للمتعة، بل تحولت في حالات كثيرة إلى ساحة صراع رمزي، تصبح فيها النتيجة مسألة شرف أو كرامة أو حتى انتقام.

وعلى المستوى التربوي، سجل أن نسبة مهمة من مثيري الشغب تنتمي إلى فئة الشباب وأحياناً القاصرين في ظل غياب التأطير، مع الإشارة إلى أن بعض هذه السلوكيات ترتبط بسياقات الانحراف أو تعاطي المخدرات، ما يعزز الطابع الاجتماعي للظاهرة، ويؤكد أن جذورها تربوية بالأساس، في ظل ضعف التأطير الأسري والمدرسي وغياب برامج جدية لغرس القيم الرياضية، الأمر الذي يجعل الملعب فضاءً بديلاً للتعبير عن العنف بدل أن يكون مجالاً للتنافس المنضبط.

وفي تحليله لوظيفة العنف، اعتبر الكاتب المغربي أن غياب قنوات التعبير السلمي داخل فضاءات الشباب من مدارس وأحياء وجمعيات يدفع إلى تحويل العنف إلى لغة بديلة، حيث يلجأ الجسد إلى الصراخ أو الضرب حين يعجز الكلام. وهو ما يعكس، في نظره، أزمة أوسع في التعبير الاجتماعي والثقافي والفني والسياسي، ويطرح أسئلة عميقة حول أسباب لجوء بعض الشباب إلى العنف لإثبات وجودهم، وحول تحوّل لحظات الفرح المفترض إلى لحظات تدمير.

وفي ما يتعلق بسبل المعالجة، شدد على أن الحل الأمني وحده لا يكفي، مستنداً إلى تقارير تدعو إلى اعتماد مقاربة شاملة تجمع بين الوقاية وتطبيق القانون وإشراك المجتمع. معتبراً أن العنف ليس مجرد جريمة بل عرض لخلل اجتماعي أعمق، وهو ما يستدعي إعادة تأهيل الثقافة الرياضية، وتعزيز التربية على الاختلاف، وتحسين شروط عيش الشباب، وتنظيم الإعلام الرياضي، إلى جانب إشراك الجماهير في تحمل المسؤولية.

وختم القري بأن عنف الملاعب يطرح سؤالاً يتجاوز الرياضة نحو فهم الإنسان داخل الجماعة، حيث لا يكون المشجع مجرد فرد يصرخ، بل كائن يبحث عن معنى وانتماء واعتراف. وعندما يغيب ذلك في المجتمع يعيد إنتاجه داخل الملعب ولو عبر العنف، في مؤشر على أزمة أعمق تتحول فيها الاختلافات غير المدارة إلى صراعات مفتوحة تكشف الكثير عن طبيعة العلاقة بين الفرد والجماعة وعن حدود قدرة المجتمع على استيعاب توتراته.

The post القري: شغب الملاعب يحول المدرجات إلى مرآة مكبرة للتوترات المكبوتة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress