الفلسفة وإيلون ماسك في ميتافيزيقيا الواقع

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

الدكتور طلال الخزرجي - طبيب وكاتب


في زمن أصبح فيه المال هو الإله الجديد، والمعيار الأوحد للقيمة، تحوّلت الحقيقة إلى سلعة، والضمير إلى كلمة فارغة، والعلم إلى أداة في يد من يملك، والسياسة إلى لعبة يتقنها الأغنياء. دخلنا عصراً لا يُسأل فيه عن صدق الفكرة، بل عن حجم الميزانية التي تقف خلفها. يشتري المال الأصوات في الانتخابات، والفتاوى في الدين، والأوراق البحثية في الجامعات، بل يشتري المؤرخ نفسه فيعيد كتابته بما يخدم داعميه. لكن في هذا السوق الضخم، يبقى سؤال واحد محرجاً: هل هناك من لا يُشترى؟


الإجابة التي يعرفها الحكماء هي أن المال يشتري كل شيء... إلا الفلاسفة. ليس لأنهم أغنياء، بل لأنهم يمتلكون الاستقلال الفكري الذي لا يخضع للمزايدات، والضمير اليقظ الذي لا يُرهب بالتهديدات، والإرادة الحرة التي لا تُكسر بالمناصب. الفيلسوف الحقيقي – أو كما نسمّيه في تراثنا: ذو الحكمة – هو من يضع عقله في مواجهة العالم، وروحه في مواجهة السلطة، وضميره في مواجهة المال، ولا يرضى أن يكون أداة بيد أحد. يعلم أن غاية الفلسفة ليست الثراء، بل الحقيقة، وليست المنصب، بل العدالة، وليست الشهرة، بل الحكمة. هو من يختار أن يكون فقيراً مع نفسه، غنيّاً بفكره، حرّاً بروحه، حتى لو كلفه ذلك الجوع أو السجن أو المنفى. الفيلسوف لا يملك الحكمة، بل يبحث عنها، ولا يدّعي امتلاك الحقيقة، بل يظلّ يسأل، كما قال سقراط: "أنا لا أعلم شيئاً"، فكان بذلك أعلم الناس.

وهنا يأتي إيلون ماسك ليكون شاهد العصر الأكثر تعقيداً، والتجسيد الحيّ لمعضلة كبرى: هل يمكن للمال أن يشتري الواقع نفسه؟ فماسك ليس مجرد رجل أعمال ناجح، بل هو ظاهرة وجودية تعكس تحوّلاً جذرياً في علاقة الإنسان بالحقيقة. اشترى منصة "إكس" ليشتري بها الصوت العام، واشترى شركات تقنية ليشتري بها المستقبل، واشترى باحثين ليشتري بهم الحقيقة العلمية، بل حاول شراء "أوبن إيه آي" ليشتري بها الذكاء الإلهي نفسه. لكنه، في الوقت نفسه، يكشف حدود المال في ميتافيزيقيا الواقع. فرغم ثروته، لم يستطع شراء احترام الأوساط الأكاديمية، كما في عريضة الجمعية الملكية التي طالبت بطرده، ولا شراء إخلاص العلماء، كما في رفض ديميس هاسابيس عرضه، ولا شراء الحقيقة التاريخية، فسيظلّ معروفاً كرجل أعمال عبقري، لا كفيلسوف حرّ أو عالم أصيل.

وهنا تكمن المفارقة: ماسك يريد أن يكون فيلسوفاً، يتحدث عن مستقبل البشرية والوعي الكوني، ويطرح سؤال المحاكاة، لكنه يظل أسير المال الذي يملكه. يشتري كل شيء، لكنه لا يستطيع شراء الاستقلال الفكري الحقيقي، لأنه مرتبط بسوق الأسهم ومشاريعه الربحية. هو ليس فيلسوفاً، لأنه لم يضع فكره في مواجهة المال، بل جعل المال في خدمة فكره. وهو ليس عالماً أصيلاً، لأنه يطبّق العلوم ولا يكتشفها. وهو ليس سياسياً، لكنه يشتري السياسيين. وهو يريد أن يكون منقذاً للبشرية، لكنه يبقى سجين إمبراطوريته الاقتصادية.
الدرس الذي يقدّمه ماسك هو أن المال يشتري المظاهر، لا الجوهر. يشتري الأبحاث، لا العبقرية الإبداعية. يشتري المنصات، لا الحقيقة. سيُذكر في التاريخ كـ"مستثمر عبقري" لا كـ"فيلسوف حر"، لأنه يبقى فقير الروح في بحر الفلسفة.

وهكذا يكتمل النقاش: المال يشتري الدين والسياسة والعلم، لكنه يقف عاجزاً أمام الفلاسفة الذين يمتلكون شجاعة قول "لا". وماسك، رغم كل ما يملك، دليل حيّ على أن المال لا يشتري الخلود الفكري، ولا الاستقلال الأخلاقي، ولا الحرية الحقيقية. في زمن ندرة الفلاسفة وانتشار الدجّالين، تبقى الفلسفة هي الملاذ الأخير للحرية، والمقاومة الوحيدة لطغيان المال. الفلاسفة ليسوا بحاجة إلى المال، لأنهم اكتشفوا أن قيمة الإنسان ليست في ما يملك، بل في ما يفكر، وليس في ما يشتري، بل في ما يرفض أن يبيع. هم الأثرياء الوحيدون في عالم يموت فقراً وهو يلهث وراء الثراء.

أعلم يقيناً أن هذا الكلام لن يعجب كثيرين، لأنه يجرح من يقدّسون المال. لكن الحقيقة لا تُقاس برضى الناس، بل بصدقها مع النفس. سَيُقال عن المقال: "مثالي، غير عملي"، وهذا متوقع. نحن لا نكتب لنرضى، بل نكتب لنذكر. ومن يغضب، فليعلم أن الغضب أحياناً يكون أول دروب الحقيقة. فإن لم يقرأها أحد، فقد قرأتها أنا، وهذا يكفيني. وإن كانت الفلسفة تحاكم إيلون ماسك في ميتافيزيقيا الواقع، فلتكن المحكمة هي العقل، والقاضي هو الضمير، والحكم النهائي يُترك للتاريخ الذي لا يشتريه المال.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية