“الفغرة” بعد السرطان .. مرضى مغاربة يواجهون العزلة ونظرات المجتمع

كانت تظن أن الآلام المتكررة التي تداهمها بين الفينة والأخرى مجرد إرهاق عابر، وأن حياتها ستستمر كما اعتادت: بيت دافئ، أسرة تحيطها بالأمان، وأيام هادئة لا يعكر صفوها شيء. لكن زيارة طبية واحدة كانت كفيلة بأن تقلب حياتها رأسا على عقب.

“أنتِ مصابة بسرطان المستقيم”؛ كلمات قليلة لكنها نزلت على فاطمة كالصاعقة. غير أن الصدمة الأكبر لم تكن المرض وحده، بل اكتشافها أن نجاتها أصبحت مرتبطة بـ“كيس الفغرة”، ذلك الكيس الذي لم تكن تعرف عنه شيئا، قبل أن يتحول فجأة إلى جزء من جسدها وتفاصيل حياتها اليومية.

تستعيد فاطمة كريسني تلك اللحظة في حديثها مع هسبريس قائلة: “كانت لحظة قاسية جدا علي، الطبيب كان يشرح حالتي بينما كنت غارقة في الدموع. من شدة الصدمة لم أسمع من كلامه سوى كلمتين ظلتا عالقتين في ذهني: السرطان.. والفغرة”.

تُعرف “الفغرة” أو “la stomie” بأنها تدخل جراحي يتمثل في إنشاء فتحة على مستوى البطن لإخراج البراز أو البول عبر كيس مخصص لذلك، وغالبا ما يتم اللجوء إليها بعد الإصابة ببعض أنواع السرطان، أو الأمراض الالتهابية المزمنة للأمعاء، أو في حالات جراحية مستعجلة.

وفي توضيح أكثر، قال الدكتور الطيب حمضي، طبيب باحث في السياسات والنظم الصحية، إن الفغرة عبارة عن تدخل جراحي يهم المعي الدقيق أو المعي الغليظ أو المسالك البولية، حيث يتم ربط العضو بجدار البطن، ما يؤدي إلى خروج البراز أو البول عبر فتحة خارجية بدل المسار الطبيعي.

وأضاف حمضي، في تصريح لهسبريس، أن اللجوء إلى هذا النوع من العمليات يكون غالبا في حالات الإصابة بأمراض خطيرة، كسرطانات الجهاز الهضمي أو التهابات الأمعاء، كما قد يعتمد عليه في الحالات الاستعجالية المرتبطة بانسداد الأمعاء أو تضرر بعض الأعضاء الداخلية. وفي أحيان أخرى، يُستخدم كحل مؤقت لمساعدة المريض على التعافي كما هو الحال بعد خياطة جزء من الأمعاء.

وحول أصناف الفغرة، أفاد الطبيب ذاته بأن هناك ثلاثة أنواع، أولها “Colostomy” أو “فغرة القولون” وخلالها يتم إنشاء فتحة في جدار البطن تُوصل بالقولون (الأمعاء الغليظة) للسماح بخروج البراز إلى كيس خارجي.

أما النوع الثاني فهو “Ileostomy” أو “فغرة الأمعاء الدقيقة”، ويتم من خلالها إنشاء فتحة في جدار البطن توصل باللفائفي، وهو الجزء الأخير من الأمعاء الدقيقة، بهدف إخراج الفضلات التي تتسم بكونها سائلة نسبيا في هذه الحالة إلى كيس خارجي.

وبالنسبة للنوع الأخير، فهو “Urostomy” أو “فغرة المسالك البولية”، وفيه يتم تحويل مجرى البول إلى فتحة في البطن لخروجه إلى كيس خارجي.

حياة ما بعد الفغرة

لم تكن الأيام الأولى بعد العملية أقل قسوة من لحظة تلقي الخبر. فكيف لها أن تنتظر من الآخرين تقبل وضعها وهي نفسها لم تكن قد تقبلته بعد؟

تصف فاطمة أولى لحظاتها بعد الجراحة بألم بالغ قائلة: “استيقظت من العملية، وضعت يدي على بطني فوجدت ذلك الكيس”.

وتضيف بحرقة: “ما تقبلتوش.. بقيت غير كنبكي”. ثم تتابع: “كنت أرفض استقبال الزوار، لأنني كنت مقتنعة بأن وجود الكيس سيجلب نظرات الاستغراب والشفقة. كنت أخجل من نفسي بسبب ذلك الشيء”.

خرجت فاطمة من المستشفى مثقلة بأسئلة لا تنتهي: كيف ستعيش بهذا الكيس؟ كيف ستعتاد عليه؟ هل ستتعايش مع السرطان أم مع آثاره النفسية والجسدية؟ بل إن الشك امتد حتى إلى علاقتها بأسرتها؛ إذ تقول بنبرة حزينة: “فكرت بأن زوجي ربما لن يتقبلني، وأن أطفالي قد ينفرون مني”.

وسط كل هذه الهواجس، اختارت العزلة. أصيبت بالاكتئاب، وأصبحت تلجأ إلى البكاء باستمرار، حتى إنها لم تعد قادرة على النظر إلى نفسها في المرآة.

وتعود لتروي بأسى بعض المواقف التي عاشتها بعد العملية: “أحيانا كان الكيس ينفتح أثناء النوم، فأستيقظ صباحا على مشهد محرج وقاس. وأحيانا أخرى كنت أجلس وسط الناس، فتنبعث روائح من الكيس تجعلهم ينظرون إليّ باستغراب دون أن يعرفوا شيئا عن معاناة حاملي أكياس الفغرة”.

ولم يتوقف العبء عند الجانب النفسي والاجتماعي فقط، بل امتد إلى الجانب المادي أيضا؛ إذ كانت فاطمة مضطرة إلى تغيير الكيس أربع أو خمس مرات يوميا، بينما تصل تكلفة الكيس الواحد إلى 70 درهما، دون أن تستفيد من أي تعويض طبي يغطي هذه المصاريف.

أمل بعد الألم

وسط هذه المعاناة، أدركت فاطمة أنها بحاجة إلى ما يعيد إليها الرغبة في الحياة، فوجدت ضالتها داخل جمعية “دار الزهور”.

تقول عن تجربتها داخل الجمعية: “هناك استمعت إلى قصص مرضى يعانون من أنواع مختلفة من السرطان، وشعرت لأول مرة بأنني لست وحدي”.

وتضيف: “وجودي داخل الجمعية كان له أثر إيجابي كبير علي. وجدت أخصائيين نفسيين أصغي إليهم، وشاركنا في أنشطة خففت عنا وطأة المرض، مثل اليوغا. وسط كل هؤلاء الناس شعرت بأنني لست وحيدة، كما أن إيماني بالله ساعدني كثيرا على تجاوز المرحلة”.

وتؤكد فاطمة أن الألم الذي عاشته كان الدافع وراء انخراطها في العمل الجمعوي، موضحة أنها عانت في البداية دون أن تجد من يوجهها أو يساندها، لذلك قررت أن تمد يد العون لمرضى يعيشون التجربة نفسها.

وتتابع: “كنت أحاول تقاسم تجربتي مع المرضى الجدد حتى لا يشعروا بالخوف الذي شعرت به. كما كنت أجمع أكياس الفغرة وأقدمها لمن لا يستطيعون شراءها، وكل ذلك بشكل تطوعي”.

وتختصر رحلتها الطويلة مع الألم والتصالح: “في البداية كنت أكره ذلك الكيس، لكنني مع الوقت أدركت أنه السبب في بقائي على قيد الحياة. حينها فقط تغيرت نظرتي إليه، وتغيرت نظرتي إلى الحياة كلها”.

اكتئاب شائع

ليس الاكتئاب وليدا لدى حاملي الفغرة، بل إن الدراسات أثبتت أن هذه الفئة تتعرض لفترة من الكآبة، خاصة خلال الأيام الأولى بعد العملية، حيث أفادت دراسة أجراها المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية التابع للمكتبة الوطنية الأمريكية للطب بأن أعراض الاكتئاب تظهر لدى ما يقارب نصف المرضى الذين خضعوا لجراحة الفغرة، وهي نسبة تفوق تلك المسجلة لدى عموم السكان، وكذلك لدى العديد من مرضى داء الأمعاء الالتهابي وسرطان القولون والمستقيم المذكورين في الأدبيات العلمية.

ومع ذلك، تشير المقاييس المعتمدة إلى أن شدة هذه الأعراض تبقى غالبا دون مستوى الاضطراب الاكتئابي الحاد.

كما سجلت الدراسة التي أجريت سنة 2023 تحسن نتائج المرضى وتكيفهم النفسي والاجتماعي بعد الجراحة من خلال تعزيز التقييم والرعاية النفسية خلال الفترة المحيطة بالعملية الجراحية.

وحول التأثير النفسي الذي تخلفه الفغرة على حامليها، أكد الدكتور حمضي من جديد أن تصور الشخص لنفسه يتغير بعد خضوعه لهذه العملية، حيث يدخل فيما يسمى “الحداد على الجسم”.

وأضاف أن هذه الفترة تكون صعبة، وتستوجب مساعدة خاصة، لا سيما وأن حامل الفغرة يصبح لديه خوف من الأصوات التي يصدرها وكذلك الرائحة التي تنتج عن حمله للفغرة، ولذلك يلجأ إلى العزلة خشية من نظرة الآخرين. وعدم رغيته في اكتشافهم أمر حمله للفغرة.

وحذر الدكتور حمضي من حدوث تسربات في الإفرازات، كما قد تصاب تلك المنطقة الحاملة للفغرة بالتهاب أو حساسية، مشيرا إلى أنه في حالة وضع الكيس يمكن للشخص أن يمارس أنشطته اليومية بشكل اعتيادي، لأن الكيس يوضع بطريقة تحمي صحة الإنسان.

وخلص الطبيب ذاته إلى كون حياة حامل كيس الفغرة تكون عادية، غير أنه يمنع عليه ممارسة الأنشطة قد التي تتطلب احتكاكات عنيفة، وذلك تجنبا لإصابته في المنطقة الحاملة للكيس.

وفي ختام حديثها مع هسبريس، أكدت فاطمة أن بعد الفغرة هناك حياة جديدة وجب أن يعيشها الإنسان بكرامة، داعية وزارة الصحة إلى الاهتمام بهذه الفئة وتوفير المعدات اللازمة لها بأثمنة في المتناول، وذلك بتعميم التغطية الصحية ليستفيد منها كافة “حاملي الفغرة”.

The post “الفغرة” بعد السرطان .. مرضى مغاربة يواجهون العزلة ونظرات المجتمع appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress