الفرات يخرج عن السيطرة… فيضانات تعزل مناطق في دير الزور وتكشف هشاشة البنية التحتية
دمشق - مروة البرغش
تشهد محافظة دير الزور في شرق سوريا واحدة من أكثر موجات الفيضانات تعقيداً منذ سنوات، بعدما أدى الارتفاع الكبير في منسوب نهر الفرات إلى غمر مناطق سكنية وزراعية واسعة، وعزل بلدات وأحياء كاملة، وسط مخاوف من تفاقم الأزمة خلال الأيام المقبلة مع استمرار تدفق المياه وغياب بنية تحتية قادرة على احتواء الكارثة.
وتحوّلت الأزمة سريعاً من ارتفاع مائي موسمي إلى حالة استنفار ميداني وخدمي، بعدما بدأت المياه تجتاح الأراضي المنخفضة والطرق الزراعية والمعابر الترابية، وصولاً إلى محطات مياه ومناطق مأهولة، في وقت تواجه فيه المحافظة أصلاً أزمات مزمنة تتعلق بالبنية التحتية والخدمات.
وتشير مصادر محلية وشهادات ميدانية إلى أن عدداً من المناطق الواقعة على ضفتي الفرات بات شبه معزول، مع صعوبة الوصول إليها نتيجة انهيار معابر موقتة وغمر طرق رئيسية بالمياه، ما زاد المخاوف من اتساع رقعة الأضرار خلال الساعات المقبلة.
50 محطة مياه خارج الخدمة
أظهرت التقديرات الأولية خروج نحو 50 محطة مياه عن الخدمة من أصل 210 محطات على امتداد حوض الفرات، نتيجة الغمر المباشر أو الجزئي بمياه الفيضان، ما أدى إلى توقف عمليات الضخ في عدد من القرى والبلدات.
ويهدد هذا الواقع بتفاقم أزمة مياه الشرب والري لآلاف العائلات، خصوصاً في المناطق التي تعتمد بشكل شبه كامل على هذه المحطات كمصدر أساسي للمياه، فيما يحذر مختصون من توسع الأعطال إذا استمر ارتفاع المنسوب أو تأخرت عمليات الصيانة الطارئة.
كذلك، تتزايد المخاوف من تعطل بنى خدمية إضافية خلال الأيام المقبلة، بما يشمل شبكات الري ومحطات الضخ المحلية، في ظل ضعف الإمكانيات الفنية والهندسية المتوافرة في المنطقة.
كيف بدأت موجة الفيضان؟
بدأت الأزمة مع ارتفاع كميات المياه الواردة عبر نهر الفرات من أعالي الحوض المائي، نتيجة زيادة التصريف من السدود داخل الأراضي التركية، ضمن إجراءات تشغيل مرتبطة بارتفاع مستويات التخزين.
وبحسب تقديرات متداولة بين مهندسين في قطاع الموارد المائية، بلغت التدفقات نحو 2000 متر مكعب في الثانية، وهو رقم يتجاوز القدرة الاستيعابية الطبيعية لمجرى النهر داخل سوريا، المقدّرة بحوالي 1000 متر مكعب في الثانية ضمن الحدود التشغيلية الآمنة.
هذا الضغط المائي انعكس مباشرة على ضفاف النهر والمنشآت المائية، وصولاً إلى سد الفرات في مدينة الطبقة، حيث ارتفع منسوب البحيرة بشكل سريع، ما دفع الجهات المشغّلة إلى فتح المفيضات لتخفيف الضغط على جسم السد.
ومع زيادة التصريف، اندفعت كميات ضخمة من المياه نحو الرقة ثم دير الزور، لتبدأ مرحلة الغمر الواسع للمناطق المنخفضة والأراضي الزراعية المحاذية للنهر.

خسائر زراعية تضرب موسم القمح والشعير
تُعد الزراعة من أكثر القطاعات تضرراً من الفيضانات، إذ غمرت المياه مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، بينها حقول موسمية وأخرى دخلت مرحلة ما بعد الحصاد.
وتحدث مزارعون محليون عن تلف كميات كبيرة من القمح والشعير كانت مخزنة في ساحات أو أكياس موقتة، بعدما وصلت المياه إليها بشكل مباشر، ما تسبب بخسائر واسعة تهدد مصادر دخل آلاف العائلات.
كما تعرضت شبكات الري والمضخات الزراعية لأضرار متفاوتة، إضافة إلى انجراف أجزاء من التربة الزراعية على ضفاف النهر، في مشهد ينذر بتداعيات طويلة الأمد على الموسم الزراعي وكلفة إعادة التأهيل.
محاولات بائسة لمزارعين يتسابقون مع نهر #الفرات لإنقاذ محاصيلهم قبل غرقها في منطقة #أبو_حمام في ريف #دير_الزور الشرقي pic.twitter.com/HaBZXGsT8g
— المرصد السوري لحقوق الإنسان (@syriahr) May 28, 2026
الجسور المدمّرة تعيد العزلة
أعادت الفيضانات الحالية ملف الجسور المدمّرة في دير الزور إلى الواجهة، بعدما كشفت مجدداً حجم الأزمة البنيوية التي تعيشها المحافظة منذ سنوات.
ولا تزال معظم الجسور الرئيسية على نهر الفرات خارج الخدمة منذ الحرب، ما فرض واقعاً جغرافياً وخدمياً معقداً بين ضفتي "الشامية" و"الجزيرة".
وخلال السنوات الماضية، لجأ الأهالي إلى إنشاء معابر ترابية وجسور موقتة بجهود محلية لتأمين الحد الأدنى من الحركة، إلا أن الفيضانات الحالية جرفت أجزاء واسعة منها خلال ساعات، ما أدى إلى انقطاع شبه كامل للحركة في عدة نقاط.
ويعني ذلك عملياً تراجع الوصول إلى الأسواق والمراكز الصحية والخدمات الأساسية، في وقت تتصاعد فيه مطالب السكان بإطلاق مشاريع فعلية لإعادة بناء الجسور وفق أسس هندسية حديثة.
فتح بوابات المفيض في تركيا يرفع منسوب نهر #الفرات ويتسبب بانهيار جسر ترابي بين الشامية و الجزيرة في #دير_الزور pic.twitter.com/ExhHPY4A89
— المرصد السوري لحقوق الإنسان (@syriahr) May 28, 2026
عودة "عبّارات الموت"
مع انهيار المعابر البرية، عاد السكان للاعتماد على القوارب الصغيرة والعبّارات النهرية كوسيلة شبه وحيدة للتنقل بين الضفتين، رغم المخاطر الكبيرة المرتبطة بالتيارات القوية وغياب وسائل السلامة.
وتشير شهادات محلية إلى أن كثيراً من هذه القوارب غير مجهز للتعامل مع الوضع الحالي، ما يجعل عمليات العبور محفوفة بالمخاطر، خصوصاً للأطفال وكبار السن والمرضى.
ويعيد هذا المشهد إلى ذاكرة سكان دير الزور سنوات الحرب، حين تحولت القوارب إلى الوسيلة الوحيدة للتنقل بعد تدمير الجسور خلال فترة سيطرة تنظيم "داعش" بين عامي 2014 و2017.

"أنقذوا دير الزور"... حملة شعبية
في موازاة الأزمة الميدانية، أطلق ناشطون وصحافيون وسكان محليون حملة تحت عنوان "أنقذوا دير الزور"، بهدف تسليط الضوء على حجم الكارثة والمطالبة بتحرك عاجل.
وشملت الحملة نشر صور ومقاطع مصورة توثق غمر الأراضي الزراعية، وانهيار المعابر الترابية، وارتفاع المياه قرب الأحياء السكنية، إضافة إلى مناشدات لتأمين معدات إنقاذ ودعم هندسي عاجل.
وتعكس هذه التحركات تصاعد القلق الشعبي من احتمال توسع الفيضانات، في ظل هشاشة البنية التحتية وضعف الإمكانيات المحلية.

استنفار رسمي وتحذيرات عاجلة
أعلنت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث رفع حالة الجاهزية القصوى في المناطق المتضررة، مع توجيه فرق الدفاع المدني والوحدات الهندسية إلى النقاط الأكثر خطورة على امتداد النهر.
وأكدت الوزارة أن غرف العمليات تتابع منسوب المياه على مدار الساعة، بالتوازي مع تعزيز السواتر الترابية في عدد من المواقع الحساسة.
وفي خطوة لافتة، أعلنت الوزارة أن وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح قطع زيارته الخارجية إلى كندا وعاد بشكل عاجل لمتابعة تطورات الفيضانات ميدانياً.
كما دعت السكان إلى الالتزام بإرشادات السلامة، وعدم استخدام المعابر غير الآمنة أو الاقتراب من مجرى النهر، مع نقل الممتلكات والمواشي إلى مناطق مرتفعة والاستجابة الفورية لأي تعليمات إخلاء.
تكشف فيضانات الفرات الحالية حجم الأزمة المركبة التي تعيشها دير الزور، حيث يتقاطع العامل الطبيعي مع هشاشة البنية التحتية المتراكمة منذ سنوات الحرب.
وبين الخسائر الزراعية والخدمية، وتعطل الجسور ومحطات المياه، تبقى المحافظة أمام سيناريو مفتوح على مزيد من التصعيد، في ظل استمرار ارتفاع منسوب النهر وصعوبة احتواء التداعيات سريعاً.