الفاتورة الوجودية لحرب إيران
تجاوزت الحرب في إيران منذ يومها الأول عتبة الصراع الإقليمي، إلى كونها صدمة هيكلية للنظام الاقتصادي العالمي، فاقت تكلفتها حتى الآن 600 مليار دولار، وفقاً لدراسة حديثة نشرها تييري بريتون، المفوض الأوروبي السابق للسوق الداخلية والسياسة الصناعية والدفاع والفضاء بين 2019 و 2024.
لتحليل أبعاد هذه الكارثة، يقترح بريتون مصفوفة من خمس دوائر متراكزة تبدأ من قلب إيران وتصل إلى التوازنات المالية العالمية، كاشفةً عن هشاشة العولمة في مواجهة الأزمات الكبرى.
تشمل الدائرة الأولى، إيران، بوصفها في قلب الإعصار. تعيش إيران اليوم "اقتصاد حرب" حقيقياً وسط تضخم مفرط وصل إلى 50.6% في الأسابيع الماضية. تسببت الحرب في تدمير البنية التحتية الصناعية، وانقطاع تدفقات الخدمات اللوجستية، وتآكل الإيرادات الضريبية. ورغم محاولات النظام الصمود، إلا أن الاقتصاد الإيراني بات يعتمد كلياً على الصين كـ "طوق نجاة" وحيد، حيث يتم بيع النفط بأسعار مخفضة مقابل اليوان أو بنظام المقايضة، ما يجعل طهران في حالة تبعية اقتصادية شبه كاملة.
وفي الدائرة الثانية والثالثة، نجد الخليج والصين، موزعين بين الريع والمخاطرة. تجد دول الخليج نفسها في وضع غير مسبوق، فهي المستفيد الأول من ارتفاع أسعار النفط، لكنها متضررة من عدم الاستقرار. فالسعودية، مثلاً، تستفيد من زيادة العائدات لتمويل مشاريع رؤية 2030، لكن منشآتها تظل تحت تهديد القصف. كما أظهر استهداف منشآت الغاز المسال في قطر هشاشة الإمدادات العالمية، حيث توفر الدوحة 30% من احتياجات الصين و20% من العرض العالمي. أما الصين في الدائرة الثالثة، فهي الطرف غير المحارب الأكثر تضرراً، إذ يمر 45% من وارداتها النفطية عبر مضيق هرمز. ورغم مرونتها النسبية ونموها بنسبة 5% في الربع الأول من 2026 بفضل مخزوناتها الاستراتيجية، إلا أن التهديد الحقيقي يكمن في تدمير الطلب العالمي في أوروبا والأسواق الناشئة، مما قد يقوض نموذجها التصديري بالكامل.